عودة قوش

 


 

 

(1)

عودة محمد الطاهر ايلا والاستقبال الذي وجده في بورتسودان هو اعلان رسمي لعودة صلاح قوش للسودان والذي يمكن ان يجد الاستقبال نفسه في كريمة ومروي لأن تلك الاستقبالات تغلب عليها العاطفة (القبلية) والحنين الى الماضي الذي يسيطر على مشاعر السودانيين فنحن بشكل دائم نحن الى الماضي ونحكي عنه بشيء من التعظيم والتبجيل حتى لو كان ذلك الماضي ماضياً غابراً واسود.

اذا عاد غردون من جديد وبعث للحياة ولو خيالاً يمكن ان يجد استقبالاً في الخرطوم التى قطع فيها (رأسه) ويمكن ان يدخل اسماعيل باشا لمدينة شندي فيستقبل رغم انه (حرق) فيها.

عندما نحكي عن الماضي .. نحكي عن البيت القديم حتى وان كان (خرابة) بدون كهرباء وبدون مياه وبدون باب ونشعر نحوه بالحنين وان كنا نسكن الآن في عمارة عاشر دور في احد ارقى احياء الخرطوم.

نميري تم استقباله في العاصمة التى اطاحت به بانتفاضة شعبية خالدة.. وحكومة عبود يتحدثون عنها بتقدير رغم ثورة اكتوبر العظيمة التى اطاحت بها.

البشير الآن هناك من يحن الى فترته وهو رئيس ليس لأنه كان عادلاً او كانت فترته جيدة ولكن لأننا دائماً نفضل ان نسلك الطريق الذي نعرفه حتى لو كان اكثر طولاً وخطراً ومشقة… نخشى الطرق التى لا نعرفها ولو كانت معبدة ومضيئة واقصر مسافة.

هذه الاحداث والمشاعر ليست مؤشرات قبول او رضا.

هكذا نحن لا يغرنكم استقبال ايلا في بورتسودان فهو استقبال يشبه استقبال السجين بعد ان يخرج من (الحبس) بعد قضاء فترة سنوات الادانة فيستقبل استقبال الفاتحين.

يمكن ان يجد نفس الاستقبال في شندي وضواحيها نافع علي نافع اذا خرج من سجن كوبر، لأن (القبيلة) عندنا ما زالت تسيطر على مشاعرنا (السياسية).

لقد نجح النظام البائد في ان يخلق مياهاً آسنة يمكنه العيش فيها في مثل هذه الظروف.

الذي يضعف عودة صلاح قوش ليس سجله (الدموي) السباق باعتباره اشهر رؤساء جهاز الامن والمخابرات في العهد البائد ولكن ما يضعف عودته هو علاقته المتوترة مع حميدتي فهذا هو الشيء الوحيد الذي يفسد امر عودته ويقف عائقاً امامها – ما دون ذلك كان يمكننا ان نشاهد صلاح قوش في تلفزيون السودان يحدث الناس عن ثورة ديسمبر المجيدة – لكن في كل الاحوال ومع التقلبات السياسية يمكننا في أي لحظة ان نجد صلاح قوش في السودان – و(الغافل من ظن الاشياء هي الاشياء).

محمد وداعة والجاكومي رغم ثوريتهما كانا يدافعان عن قوش من منطلق (قبلي).

(2)

كذلك لا بد من القول اننا اصبحنا نجيد النفاق الاجتماعي وهذا يمكن ان تكون الحرفة التى اجادها السودانيون في العهد البائد.. يمكن ان يستقبلوك ويضحكوا في وجهك ويثنوا عليكم وهم يحملون عنكم خلاف ما يظهرون .. او يدركون قيمتك الحقيقية ولكنهم ينافقونك.

توقفت عند احتفاء الفلول بالاستقبال الذي وجده ايلا في بورتسودان .. ونظرت الى فرحة الطاهر حسن التوم وحسن اسماعيل وهما يبتهجان بالعودة التى تحمل لهما بشرى حسب توقعاتهما في ان تكون عودة ايلا هى عودة الروح لهما لأنها تفتح لهما طرق العودة للسودان.

دعم عودة ايلا بهذه الصورة والاحتفاء به هو احتفاء بالقبلية وهو دعوة صريحة لتمزيق السودان وقد خاطب ايلا جماهيره في بورتسودان بالإحساس الذي يجعلهم يدعمونه ويستقبلونه بغبطة وهو يحدثهم بلسان جبريل ابراهيم ومني اركو مناوي والناظر ترك وهم يتحدثون عن الحكم الفيدرالي ويلوحون بورقة الاستقلال والانفصال وتحديد المصير.

ما يحدث في السودان الآن هو صراع لقسمة السلطة والثروة على اساس (قبلي) و(جغرافي) حيث غذّت السلطات في السودان هذا الشعور والذي وضح بصورة كبيرة بعد انقلاب 25 اكتوبر .. كلهم اصبحوا يتحدثون بلسان (القبيلة) وعصبيتها حتى الذين يشغلون مناصب قيادية وسيادية في الدولة.

اخطر من ذلك ان الجيوش في السودان انشئت وتكونت على اساس (قبلي) ، الذين ينتقدون (الاحزاب) ويفرغونها عليهم ان يعلموا ان بديل الاحزاب سوف تكون (الحركات المسلحة) ، وان الحوار سوف تحل محله (البندقية).

قلت وسوف اردد كثيراً ان حكومة انقلاب 25 اكتوبر يشارك فيها (10) جيوش بعد ان تمت الاطاحة بالأحزاب التى كانت تشارك في حكومة حمدوك.

بهذا الفهم نحن نقود السودان الى التمزق والتشتت والتشرذم.

(3)

عودة محمد الطاهر ايلا سبقها فك حظر حسابات قيادات ورموز النظام البائد.. كما سبق العودة احكام البراءة التى اصدرتها المحاكم على المتهمين الذين تمت ادانتهم بقتل المتظاهرين ضد النظام البائد.

حدث ذلك تباعاً وفي وقت واحد.

بالأمس تمت تبرئة المتهمين في قضية قتل شهيد عطبرة طارق أحمد علي وقبل ذلك تمت تبرئة المتهم بقتل الشهيد حنفي عبدالشكور ويمكن في الايام القادمة ان تتم تبرئة الذين تمت ادانتهم بمقتل الشهيد احمد الخير ويمكن ان تشمل احكام البراءة قتلة الشهيد محجوب التاج محجوب.

سوف يثبتون لكم ان كل هؤلاء الشهداء ماتوا بالزبادي (المسموم).. وان الرصاص الذي اصاب رؤوسهم وأعناقهم لم يكن غير (زبادي مسموم).

توقعوا ان يحدث أي شيء في الايام القادمة فالصفقة التى تمت مع (الفلول) تسير في هذا الاتجاه.

(4)

بغم

اخشى ان يطلعوا علينا.. ويقولوا لنا بعد اكثر من ثلاث سنوات مع سقوط نظام الانقاذ : (معاكم الكاميرا الخفية).

ونرجع الى (لن نذل ولن نهان) و(كل شيء لله) و(فلترق كل الدماء) و(حدث ما حدث).

وكله بـ(الغانون).

وكل الطرق تؤدي الى (المدنية).

 

آراء