الشيخ خط الاستواء
أدرك الصوفية، أن ظرفهم التاريخي لا يقبل التنطع الفقهي، لذلك حرصوا على الهداية الروحية بدلاً عن التلويح بالعقوبة الحسية، وأن القدوة الحسنة والإرشاد والدعاء…الخ، هي وسائل التطهير المثلى.. لم يكن تطبيق الحد هماً يشغل الحكام والمشايخ، حتى الفقهاء منهم، لم يقيموا حداً على شاربٍ أو زانٍ في ذلك الزمان القبلي الذي كان عقاب من يقترف حد الحرابة فيه الثأر، بغزوة قبلية أو نحو ذلك.. في ذلك الوضع التاريخي، كان أقصي تشدد حيال الخمر يصدر من الولي الصوفي، صيغته “اللّعنة”، وهى عقاب معنوي قاسٍ ، تترتب عليه أضراراً ملموسة.. وقد مارس الشيخ حمد ود الترابي ذلك النوع من العقاب ، فأركس أحد الحكام ، بأن جعله من أهل المريسة والتنباك..وجاء في حيثيات تلك اللّعنة، أن الشيخ حمد قد إضطر إلى ذلك، وأن لعنته قد تحددت فى بلوى ذاتية، على الحاكم وحده ، حرصا منه على حال المسلمين وصوناً لـ “السِّر الذي بينه وبينه الله”، بما يعني أن المجتمع حينها، لم يكن يطيق تشدد المالكية حيال الخمر، وان الناس لا يفلحون، إن ركنوا إليها.. ومع ذلك، فقد كان النص الفقهي مُلزماً للنخبة من الناحية الأدبية، لكنّه لم يكن نافذاً كقانون..كان يمكن الاستهداء به، في تنظيم الحياة الاجتماعية ،على ألا يؤخذ بقوة.. كان النص معترفا به عند النخبة وغير نافذ كقانون، أو ملزماً كإجراء عقابي.. ولذلك، لا غرابة أن نقف على تلذذ بعض الأولياء بالخمر والنساء، ومن أولئك ، الشيخ أسماعيل صاحب الربابة الذى إمتطي “عربة اللذّة” الحسيّة، في التعبير عن أشواقه الروحية، لكونه إبن عصرٍ كانت فيه المرأة والخمر ادوات ترميز، أو “قدر وبلاء”، تُزاح آثاره بنسج الكرامات التي تطرُق برقة وهدوء ،على وتر العقيدة، للتحفيز والإرشاد دون قسر أو تعنيف.. يتشكل الجذر المادي للنبوءة من كونها صادرة عن الولي الصوفي، وهو الأكثر تأهيلاً في قراءة الواقع وتفسيره، بحكم مركزيته في الحراك الاجتماعي، ولإمتلاكه الأداة الروحية الجالبة للمعرفة. وتُترجم المكانة الروحية والاجتماعية للأولياء إلى أدوار حية بينها دور سياسي، مهما بدا أن الولي بعيد عن ذلك الحقل، حيث يفترض الناس في الولي حظوته بقبس إلهي ، كونه ربانيا بملازمة الطاعة،، والولي بأداة الروح ،هو صاحب الأمر ــ السلطة الزمانية والمكانية ــ وإذا غضب تهلك الدنيا، ” لأن السموات والأرض لديه كـ “هبّابة الجَبَنة”..هذا هو مشهد الشيخ علي بيتاي.. أنظر: عبدالله علي ابراهيم، أنس الكتب، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم/1984، ص9 .. ويعتقد الناس في الولي،فأقواله وأفعاله وخواطره، لا تذهب أدراج الرياح، وكل حركة أو إشارة منه وراءها سر.. إن بَرَز للناس مُتلثّماً، فهو يخفي وجهه عنهم رفقا بهم، لأن النظر إلى نور وجهه يسحق النّاظرين،، وإن تعهد ولي آخر، السير كاشف الرأس، فلأنه: “إن إتقنّع، و قال للميِّت قوم، فإنّه يقوم..! والمقابلة هنا، بين مشهد “التلثُّم” عند السيد أحمد البدوي، ومشهد “كشْف الرأس” عند الشيخ حسن ود حسونة ، هو الحرص على المعية ، مع تضاد الفعل في الحالتين، أنظر: محمد عثمان عبده البرهاني، إنتصار أولياء الرحمن على أولياء الشيطان، ص96، الطبقات، ص144.. من هذه الاحاطة بـ “جواهر المعاني” تخرج النبوءة من الولى كفعل خارق، لا تنفي أبعاد الفعل الميتافيزيقية و أسسه المادية ، فالدعوة بالتبريك تأتي من الولي تتويجاً للإبداع ،واللعنة الصادرة منه هي محصلة للتسفل والانحطاط.. أي أن “البَرَكة” أو “الفاتحة”، هي حافز للمزيد من المجد، واللّعنة تخسئة، لمن ركن إلى الشّهوات وإنغمس في الضّلال..
شاهد أيضاً
الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه
عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم