باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 27 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

غزو السودان عام ١٨٢٠: قرار نخبة القاهرة بكلفة مصرية وغطاء إسطنبولي متأخر، ونفوذ مصري أهلي لا يتجاوز ٢٣٫٥ من مئة

اخر تحديث: 27 أكتوبر, 2026 12:28 مساءً
شارك

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

تنطلق المقدمة من أن غزو السودان عام ١٨٢٠ تُنسب فيه المسؤولية إلى جهات مختلفة بحسب الرواية: وطنية مصرية ترى فيه استعادة لوحدة وادي النيل، وسودانية ترى فيه “التركية”، وعثمانية ترى فيه توسعاً لوالٍ تابع للسلطان. وتفترض الدراسة أن القرار صدر عن نخبة حاكمة في القاهرة يقودها محمد علي، الألباني المولد في قوالة، ويحيط به ضباط وكتّاب من أصول تركية وشركسية وألبانية وكردية وأرمنية وأقباط في دواوين الحساب، وأنها اتخذته بمنطق مصالحها العسكرية والمالية والأمنية، بينما أُخذت الموارد من مصر، وجاءت الموافقة العثمانية لاحقة وشكلية. وتعتمد الدراسة تمييزاً ثلاثياً بين النفوذ المصري الأهلي، أي الفلاحين والتجار والعلماء والكتبة وشيوخ البلد، والنفوذ التركي-المصري، أي الجماعة الحاكمة العثمانية الثقافة في القاهرة، والنفوذ التركي-العثماني، أي الباب العالي والسلطان محمود الثاني. وتسير الفصول وفق منهج سردي تحليلي يبدأ بتثبيت الزمن والمفاهيم، ثم الفاعلين والسياق الجيوسياسي، فالدوافع، فتنفيذ الحملة، فاختبار الدوافع بنتائج الحكم، ثم الميزان النوعي والمقياس الكمي والدروس والخاتمة.

يثبّت الفصل الأول الإطار الزمني. فالتحضير بدأ عام ١٨١٩، وخرجت القوة من القاهرة في يوليو ١٨٢٠ بقيادة إسماعيل كامل، ابن محمد علي الثالث، الذي التحق بها في أسوان في العشرين من الشهر نفسه، وعبرت الشلال الثاني في الخريف، وهزمت الشايقية في كورتي قرب دنقلا في نهاية العام. وتتفاوت المصادر بين يوليو وأكتوبر ١٨٢٠ لأنها تقيس من نقاط مختلفة. وكانت القوة الأولى نحو أربعة آلاف إلى خمسة آلاف رجل من الأتراك والألبان والمغاربة والبدو، وحملة كردفان ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف، وبلغت القوة نحو ثمانية آلاف بحلول ١٨٢٣. وسقطت سنار باستسلام بادي السابع في يونيو ١٨٢١، فانتهت سلطنة الفونج التي قامت نحو ١٥٠٤. وخرج الدفتردار محمد بك خسرو، صهر محمد علي، من القاهرة في ٢٠ أبريل ١٨٢١، وهزم قوات كردفان في بارا ودخل الأبيض. وبلغ إسماعيل فازوغلي قرب العاشر شمالاً ثم عاد في فبراير ١٨٢٢، بعد أن أخضع المك نمر في مارس ١٨٢١ ثم تمرد عليه، وقُتل إسماعيل في شندي في أكتوبر ١٨٢٢. وخلاصة الفصل أن ١٨٢٠ عام القرار، و١٨٢١ عام الحسم، و١٨٢٢ عام الانتكاسة، وأن القرار سبق اندلاع الثورة اليونانية في مارس ١٨٢١، فلا يصح تفسيره بها، ويصح تفسيره بانشغال إسطنبول بإخضاع علي باشا التبلنلي وبضعف أدواتها على الأقاليم البعيدة.

يعرّف الفصل الثاني الفاعلين الثلاثة ويرد على الخلط بين “المصري” و”التركي”. فمحمد علي ولد في ٤ مارس ١٧٦٩، وجاء إلى مصر عام ١٨٠١ في فرقة ألبانية، وصار والياً عام ١٨٠٥، وثبّت حكمه بعد هزيمة حملة فريزر في رشيد ١٨٠٧. وكانت لغة بلاطه التركية وكبار رجاله من الألبان والأتراك والشركس، وظل المصريون الأهليون خارج دوائر القرار. ومن أمثلة القادة إسماعيل كامل والدفتردار ومحو بك الأورفلي الكردي وعثمان بك الجركس. وبقيت التركية لغة النخبة حتى جعل الخديوي إسماعيل العربية لغة الحكم وحصر التركية في مراسلة الباب العالي. أما الباب العالي فقد كلّف والي مصر رسمياً بحملة الحجاز عام ١٨١١، وانتهت بسقوط الدرعية في سبتمبر ١٨١٨، ولا يوجد دليل على أمر سلطاني مماثل بغزو السودان، فالقرار قرار القاهرة وأُبلغ به السلطان بعد اتخاذه. وقد استبعد محمد علي النخب الأهلية بعد إخماد نفوذ العلماء وعمر مكرم ومصادرة أراضي الملتزمين نحو ١٨١٤، فكان دور مصر الأهلية تمويلاً وتنفيذاً وتجنيداً لا استشارة.

يعرض الفصل الثالث السياق الجيوسياسي. فقد كانت الدولة العثمانية منشغلة بمعاهدة بوخارست ١٨١٢ وإخضاع علي باشا التبلنلي، الذي قُتل في مطلع ١٨٢٢، ثم الثورة اليونانية ١٨٢١ والحرب مع إيران ١٨٢١–١٨٢٣ المنتهية بمعاهدة أرضروم. وكان السلطان في حاجة إلى محمد علي لا في قدرة على كبحه، فمُنح كريت عام ١٨٢٢ وأُرسل ابنه إبراهيم إلى المورة عام ١٨٢٥. وانشغلت بريطانيا وفرنسا بالمسألة الشرقية، ودخل الأوروبيون السودان عبر الرحالة والعلماء كايو، وارتبط الغزو باكتشاف مروي ومواقع النوبة وبأولى الأعمال الإثنولوجية. وصار البحر الأحمر بعد حملة الحجاز مجالاً مصرياً فعلياً. أما في أعالي النيل فكانت سلطنة الفونج في انحلال طويل منذ انقلاب ١٧٦٢ وهيمنة الهمج، ودارفور مشغولة بحدودها بعد ضمها كردفان في عهد محمد تيراب. وتكشف وثائق سنار بين ١٧٠٢ و١٨٢٠ تفكك النظام الزراعي وضعف الحكم، فالفراغ السياسي شرط مسهِّل للغزو لا سببه.

يبحث الفصل الرابع الأزمة الداخلية التي دفعت محمد علي جنوباً. فقد ثار الجنود الألبان في القاهرة عام ١٨١٥ حين علموا بنية تدريبهم على النمط الأوروبي، فاقتنع بخطورة الاعتماد عليهم. وكان تجنيد الفلاحين المصريين مكلفاً لأنه يحتاج أيديهم في الحقول وفي احتكار القطن والحبوب بعد إلغاء الالتزام وتجارب القطن طويل التيلة نحو ١٨٢١. وأرهقت حرب الجزيرة العربية التي دامت من ١٨١١ إلى ١٨١٨ الخزينة، فبدا السودان خزاناً من العبيد لتحويلهم إلى جنود نظاميين ومصدراً محتملاً للذهب وسوقاً تُنتزع من تجارها. وكانت رسائل محمد علي تُلح على جمع الرجال المسترقين، وتحدثت الدراسات عن مخططات لعشرات الآلاف. ولاستخدام العبيد جنوداً سابقة عثمانية من المماليك إلى الإنكشارية. وجاءت الذريعة السياسية حين أبلغ بادي السابع محمد علي عام ١٨٢٠ أنه عاجز عن طرد المماليك، مع تضخيم شائعات القاهرة لعددهم إلى ألف مملوك وخمسة آلاف إلى ستة آلاف رقيق. واصطدم المشروع بحقائق الأرض، وفجوة التوقع والواقع دليل على أن القرار قام على تصورات قاهرية لا معرفة ميدانية.

يحدد الفصل الخامس أربعة دوافع للنخبة التركية-المصرية: بناء جيش جديد من جنود يدينون للوالي وحده، والذهب في فازوغلي وجنوب سنار الذي بحث عنه كايو ولم يجده، والتخلص من المماليك الذين فرّوا بعد مذبحة القلعة في ١ مارس ١٨١١ واستقروا في دنقلا الجديدة نحو ١٨١١–١٨١٢، وتعزيز مكانة محمد علي في مساومته مع الباب العالي. ويضاف إليها رغبة في السيطرة على تجارة الرقيق والذهب والصمغ وريش النعام والعاج والأخشاب، وطموحات نحو الحبشة والبحر الأحمر. وكلها دوافع لا تنبع من مصلحة مباشرة للفلاح أو التاجر المصري.

يسأل الفصل السادس عما كان مصرياً في الغزو، ويجيب بأن النفوذ المصري حاضر في ثلاثة مستويات لا في صنع القرار. الأول اقتصادي، فمصر ارتبطت بالسودان بتجارة قوافل أبرزها درب الأربعين من دارفور إلى أسيوط، وكان شندي سوقاً كبرى وصفها بوركهارت عام ١٨١٤، وثبّتت الحكومة العبابدة وسطاء على الطريق بعُشر البضائع. والثاني بشري ومالي، فقد تحملت مصر الكلفة، ولم يبدأ تجنيد الفلاحين وقت الفتح الأول، وبعد فشل مشروع العبيد وموت كثير منهم في أسوان وفي الطريق تحول محمد علي بين ١٨٢٢ و١٨٢٣ إلى الفلاحين، فصاروا عماد جيش جاوز مئة ألف في الثلاثينيات. والثالث رمزي ثقافي، فرواق السنارية في الأزهر والصلات العلمية لم تصنع قراراً، والجبرتي لم يمنح السودان مكانة تذكر. ثم عاد على الدولة بعد الفتح نحو ثمانية آلاف رأس ماشية سنوياً ومنتجات أخرى ذهب نفعها إلى الخزينة والنخبة قبل المنتجين.

يتناول الفصل السابع المصلحة العثمانية. فللباب العالي ميراث نظري يبدأ بدخول سليم الأول مصر ١٥١٧، وحامية بوسنية في إبريم، وولاية الحبشة نحو منتصف القرن السادس عشر بمركزي سواكن ومصوع، لكن سلطته لم تصل سنار، ونسبة ضم النوبة السفلى وسواكن-مصوع إلى سليم الأول أسطورة، فالفضل لأوزدمر باشا في عهد سليمان القانوني. ولم تكن للسلطان مصلحة مباشرة في الغزو، فلا جزية منه، وكانت لديه تمردات في البلقان، وإنما كانت مصلحته غير مباشرة في إشغال والٍ قوي بعيداً عن الشام والأناضول. وتأخر الاعتراف حتى فرمان ١٨٤١ الذي جاء ثمناً في تسوية أزمة ١٨٣٩–١٨٤٠ ومعاهدة لندن، وفي العام نفسه قُسمت البلاد إلى سبع مديريات هي فازوغلي وسنار والخرطوم وتاكا وبربر ودنقلا وكردفان يحكمها مديرون من حاشية محمد علي.

يصف الفصل الثامن الحملة بالأرقام والأماكن. فقد انتصر إسماعيل بالمدفعية والبنادق على الشايقية الذين قاتلوا بالسيوف والرماح، ودخل دنقلا، وتشتت المماليك نحو دارفور وكردفان، ثم مرّ عبر بربر وشندي وحلفاية إلى سنار منتصف ١٨٢١. وفُسّرت السهولة بتحلل الدولة الفونجية من الداخل وتفضيل النخب المحلية الاحتماء بالقوة الجديدة، فخضع ملوك الشمال كمك نمر ومك بربر في البداية قبل أن تتضح قسوة الضرائب. وفي الغرب فرض الدفتردار نظاماً قاسياً لجباية الضرائب والرجال بعد الأبيض. ونشأ معسكر الخرطوم عند ملتقى النيلين في السنوات الأولى، وبلغ سكانها نحو خمسة عشر ألفاً عام ١٨٣٤، وصارت عاصمة رسمية بعد ١٨٣٠ في عهد خورشيد باشا. وفي ١٨٢٤ خلف عثمان بك الجركس الدفتردار وجاء بأول فرقة سودانية مدربة هي الجهادية. وأدت الضرائب على السواقي والمواشي والرجال إلى تحول اقتصاد النيل الأوسط وهجرة جماعات إلى الأطراف. وظلت دارفور خارج السيطرة حتى ١٨٧٤، وجبال النوبة جزئياً، ودخل الجنوب بالتدرج منذ الأربعينيات، وامتدت السلطة لاحقاً حتى غندكرو عند خط العرض الرابع شمالاً.

يختبر الفصل التاسع الدوافع بما فعله الحكم. فقد وُجهت الإدارة إلى غزوات منظمة للرقيق وضرائب نقدية وعينية مرتفعة وتجنيد، وأُرسلت قوافل أسرى إلى مصر منذ ١٨٢٣ بعشرات الآلاف وفق تقديرات متباينة، مع نسبة وفاة مرتفعة في الطريق وفي معسكر أسوان. وكانت حملات جبال النوبة ١٨٢٢–١٨٢٣ من أكبر المصادر، وفُرضت ضرائب على الرقيق والماشية يمكن دفعها بالرقيق نفسه. ولم تعد المناجم إلا بإيرادات ضئيلة. وقتل المك نمر إسماعيل حرقاً في أكتوبر ١٨٢٢ بعد مطالب ثقيلة وإهانة، فانتقم الدفتردار انتقاماً دامياً راح فيه آلاف، ورفعه مؤرخ سوفييتي إلى أكثر من ثلاثين ألفاً وهو رقم يُؤخذ بحذر، وفرّ نمر إلى الحبشة، واستمر الاضطراب في الجزيرة بين ١٨٢٢ و١٨٢٥. فالغزو استخراج لا توحيد. وظهر خلاف داخل النخبة بين ميل إلى الانتقام من القبائل وميل إلى الاحتواء، يمثله محو بك. وأضعفت الإدارة الجديدة المشيخات التقليدية وعمقت دور الجلابة وأنشأت بيروقراطية بالتركية والعربية بكتبة أقباط وشوام، ومنحت بعض الزعماء الدينيين والقبليين إعفاءات ضريبية. ويحذر الفصل من تصوير الحقبة شراً مطلقاً تقابله ثورة خيّرة، لأن سياسة الخليفة عبد الله فيما بعد وُصفت بأنها أقسى في الدم وأثقل في الجباية، ويضعها في إطار تعاقب ثلاث دول على السودان في أقل من قرن.

يقدم الفصل العاشر الميزان النوعي. ففي صنع القرار كان النفوذ المصري الأهلي محدوداً جداً والقيادة تركية وألبانية وشركسية وكردية، وفي الوسائل كان كبيراً بالمال والعلف والسفن والكتبة ثم الرجال بعد ١٨٢٣، وفي النتائج استفادت النخبة والجيش والتجار المرتبطون بالدولة أكثر من الفلاح المصري. وكان النفوذ العثماني شكلياً ومتأخراً، فلم يأمر بالغزو ولم يشارك فيه بجند ولا مال ولم يعترف به إلا في ١٨٤١، بعكس الحجاز. والنفوذ التركي-المصري هو الحاسم، فـ”الحكم التركي” في الذاكرة السودانية يعني نخبة القاهرة لا أتراك إسطنبول. وتتنازع الأدبيات ثلاث مدارس: وطنية مصرية ترى استعادة لوحدة النيل، وسودانية تقليدية تركز على فظاظة الحكم، وتنقيحية حديثة ترى مشروعاً توسعياً تحركه اقتصاديات الدولة العسكرية، وهي الأرجح بالأدلة المتاحة. وتحتاج الأرشيفات التركية والمصرية والرواية الشفوية السودانية إلى استثمار أوسع، وموقع الكاتب من الحدث يؤثر في روايته.

يضع الفصل الحادي عشر مقياساً كمياً ونوعياً من ست معايير موزونة بمجموع مئة: صنع القرار ٢٥، والقيادة الميدانية ٢٠، والقوة المقاتلة ١٥، والتمويل واللوجستيات ١٥، والشرعية والغطاء السياسي ١٠، وتوزيع المنافع ١٥، بدرجات من صفر إلى عشرة هي تقديرات ترتيبية لا قياسات إحصائية. وبحسابها بلغ مؤشر النخبة التركية-المصرية ٨٤ من مئة، ومؤشر المصريين الأهليين ٢٣٫٥، ومؤشر إسطنبول ١٦. فنفوذ المصريين نفوذ مورد لا قرار، تأتي نقاطه الأعلى من التمويل والمنافع الجزئية وتنخفض في القرار والقيادة والشرعية، ونفوذ إسطنبول نفوذ غطاء لا فعل، ونفوذ النخبة التركية-المصرية نفوذ قرار وأداة وفائدة معاً. ويبقى الترتيب ثابتاً حتى لو رُفع وزن التمويل إلى ثلاثين، إذ لن يتجاوز مؤشر المصريين نحو ثلاثين. وتتسق هذه الصورة الكمية مع حصيلة اجتماعية بإضعاف المشيخات وإعادة ترتيب الضرائب، وثقافية بالمكاسب العلمية الأوروبية وانفتاح السودان على الأسواق، ودينية بإدارة سنية رسمية احتوت الطرق الصوفية، وسياسية بوحدة إدارية رسمت الحدود التقريبية للسودان الحديث.

يستخلص الفصل الثاني عشر دروساً للسودان. أولها أن الدولة المتحللة تغري الجار القوي، فيلزم بناء مؤسسات مركزية وفدرالية متوازنة تقلص فرص الاختراق وتكفل حضور الأقاليم في المركز. وثانيها أن الاقتصاد الاستخراجي القائم على الجباية القسرية وصيد البشر ينتج مقاومة طويلة ويدمر أسس الإنتاج، فتلزم سياسات ضريبية عادلة وشفافة. وثالثها أن العلاقة بمصر تدار بمنطق المصالح المتبادلة في المياه والتجارة والحدود لا بالوصاية. ورابعها أن إطلاق “التركية” دون تمييز يضيع المسؤوليات التاريخية ويبني صورة سلبية عن الآخر، فيُدرج التمييز في المناهج والإعلام. وخامسها أن المؤشر يُظهر أن موقع المصريين الأهليين كان التمويل لا القرار، فيجب تأسيس أي تعاون إقليمي على التشاور الأهلي والتمثيل المحلي. وسادسها منهجي، وهو أرشفة وطنية للوثائق المحلية والرواية الشفوية وترجمة الأرشيفات المصرية والعثمانية، لأن جزءاً من القصة لم يُفحص بعد.

وتخلص الخاتمة النقدية إلى أن القرار كان تركياً-مصرياً بالمعنى المحدد، أي قرار نخبة عثمانية الثقافة حاكمة في مصر بدوافع عسكرية واقتصادية وأمنية ثم دوافع المكانة والمساومة، وأن النفوذ المصري الأهلي كان محدوداً في القرار وكبيراً في الكلفة بمؤشر ٢٣٫٥ مقابل ٨٤ للنخبة، وأن النفوذ العثماني شكلي متأخر بمؤشر ١٦. وتقر بحدود النتيجة: تقديرات الجيوش والخسائر متباينة بين المصادر الأوروبية والمصرية والسوفييتية، والسجلات العثمانية والمحلية لم تُستثمر كفاية، ومفهوم “المصري” عام ١٨٢٠ إشكالي قبل تبلور الهوية الوطنية الحديثة، والمقياس الكمي ترجيح ترتيبي قابل لتبديل الدرجات دون تغيير الترتيب. وتبقى أسئلة مفتوحة منها دور الكتبة الأقباط والتجار المصريين في تقدير جدوى الحملة، ودرجة معرفة الباب العالي بمخططات محمد علي، وما تقوله السجلات السودانية المحلية عن الاستجابة للغزو، وأثر الأوضاع الإقليمية في توقيت القرار، وموضع الحكم التركي-المصري. وتنبه إلى أن الفصل الحاد بين النخبة والمجتمع المصري قد يغفل تداخلاً تدريجياً مع الزمن إذ صار أبناء الفلاحين ضباطاً والكتبة المصريون جزءاً من الإدارة، فلا تُعمّم صورة العشرينيات على الأربعينيات. وتوصي بأبحاث تجمع أرشيفات القاهرة وإسطنبول والخرطوم وبدراسات مقارنة بين غزو السودان وغزوات الوالي نفسه في الحجاز والشام وكريت.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية: من الذي قرر حقاً؟

يُروى غزو السودان عام ١٨٢٠ في الكتابات الوطنية المصرية بوصفه “استعادة” لوحدة وادي النيل، وفي الكتابات الوطنية السودانية بوصفه “الحكم التركي” أو “التركية”، وفي الكتابات العثمانية القديمة بوصفه توسعاً لوالٍ تابع للسلطان. وكل رواية من هذه الروايات تنسب القرار إلى فاعل مختلف. لذلك يصبح السؤال عن “من قرر؟” سؤالاً تحليلياً لا سردياً فحسب، لأن الجواب عنه يحدد من استفاد ومن تحمل الكلفة ومن يتحمل مسؤولية التاريخ الذي تلاه. وتفترض هذه الدراسة أن القرار صدر عن نخبة حاكمة في القاهرة يقودها محمد علي باشا (١٧٦٩–١٨٤٩)، وهو ألباني المولد من قوالة، ويحيط به ضباط وكتّاب من أصول عثمانية تركية وشركسية وألبانية وكردية وأرمنية وأقباط مصريون في دواوين الحساب. كما تفترض أن هذه النخبة اتخذته بمنطق مصالحها العسكرية والمالية والأمنية الخاصة، بينما أُخذت الموارد من أرض مصر وبشرها، وبينما جاءت الموافقة العثمانية في إسطنبول لاحقة في الواقع وشكلية في الجوهر (Fahmy, 1998; Hill, 1959). وتتفق مع هذا الاتجاه خلاصة فهمي في سيرة محمد علي، إذ يصفه بأنه أخضع السودان من تلقاء نفسه بعد أن كان في الحجاز منفذاً لأمر السلطان (Fahmy, 2009).

وتتبنى الدراسة تمييزاً ثلاثياً يفصل ما يختلط في الخطاب العام. الأول هو النفوذ المصري، ونعني به مصالح مصر الأرضية والاقتصادية والاجتماعية وفاعليها المحليين من فلاحين وتجار وعلماء وكتبة أقباط وشيوخ بلد. والثاني هو النفوذ التركي-المصري، ونعني به الجماعة الحاكمة العثمانية الثقافة التي كوّنها محمد علي في القاهرة وكانت لغة بلاطها التركية. والثالث هو النفوذ التركي-العثماني، ونعني به الباب العالي في إسطنبول ومؤسساته وسلطانه محمود الثاني (١٨٠٨–١٨٣٩) (Fahmy, 1998; Hill, 1959). ويمنح هذا التمييز السؤال حدة تحليلية، لأن النخبة المسماة “تركية” في الذاكرة السودانية لم تكن تتلقى أوامرها من إسطنبول، ولأن “المصري” بمعناه الأهلي لم يكن حاضراً في موضع القرار. وقد لاحظ وربورغ أن تسمية “التركية” ليست اعتباطية، لأن مصر كانت ولاية عثمانية يحكمها بيت ألباني، ولأن معظم كبار الموظفين والضباط في السودان كانوا من أصل عثماني لا مصري (Warburg, n.d.).

واعتُمد في ترتيب الفصول منهج سردي تحليلي يتبع أفضل ممارسات بناء المقال التاريخي، ويقوم على خمس خطوات متدرجة. تبدأ الخطوة الأولى بتثبيت الإطار الزمني والمفاهيمي، لأن أي حكم على الدوافع يحتاج أولاً إلى توقيت منضبط للأحداث. وتعرض الثانية الفاعلين الثلاثة ثم السياق الجيوسياسي الذي أتاح لهم الحركة. وتحلل الثالثة الدوافع في ضوء بنية الدولة التي كان محمد علي يبنيها. وتصف الرابعة تنفيذ الحملة بالأرقام والأماكن. وتختبر الخامسة الدوافع المعلنة بنتائج الحكم على الأرض، ثم تنتهي إلى ميزان نوعي لدرجة محدودية النفوذ المصري، ثم إلى مقياس كمي مركب يوزع النفوذ على الفاعلين الثلاثة، ثم إلى دروس عملية للسودان، وإلى خاتمة نقدية تحدد حدود الاستنتاج. ويؤدي هذا التسلسل وظيفة الحجة نفسها، فهو ينتقل من السؤال الزمني إلى الفاعل، ومن الفاعل إلى الدافع، ومن الدافع إلى الفعل، ومن الفعل إلى النتيجة، ومن النتيجة إلى القياس. وتستند الدراسة إلى الأدبيات الأكاديمية الرئيسة، وإلى شهادات معاصرة مثل شهادة بوركهارت وكايو، وإلى مقالات الدكتور الرشيد خليفة المنشورة في سودانايل، وتحيل في كل موضع إلى مؤلفها الأول وسنة نشرها.

الفصل الأول: ١٨٢٠ لا ١٨١٩ ولا ١٨٢١: ثلاث سنوات تفكك رواية الغزو الخاطف وتحسم تاريخ القرار

يتفق الباحثون على أن سنة بدء الغزو هي ١٨٢٠، لكنهم يفرقون بين مراحل متداخلة يجب تمييزها حتى لا تختلط السنوات. فقد بدأ التحضير الإداري واللوجستي في ١٨١٩، حين جُمعت القوات وأُعدّت الإمدادات في الصعيد وأسوان، ودخلت الأوامر طور التنفيذ. وانطلقت قوات الحملة في صيف ١٨٢٠ بقيادة إسماعيل كامل باشا، ابن محمد علي الثالث، الذي كان في الخامسة والعشرين تقريباً، والتحق بجيشه في أسوان في ٢٠ يوليو ١٨٢٠ (Stapleton, 2013)، واجتازت الشلال الثاني عند وادي حلفا في الخريف، ثم هزمت الشايقية في معركة كورتي قرب دنقلا في نهاية ١٨٢٠ (Holt & Daly, 2011; Hill, 1959). وتتفاوت المصادر في تحديد لحظة “انطلاق الحملة” لأنها تقيس من نقاط مختلفة: فبعضها يقيس من خروج القوة من القاهرة في يوليو ١٨٢٠، وبعضها يقيس من عبورها حدود النوبة في أكتوبر ١٨٢٠، كما يفعل لوتسكي حين يؤرخ انطلاقها بأكتوبر ويقدّر جيشها بخمسة آلاف رجل، وكما تفعل أليوم التي تؤرخ إطلاق محمد علي جيوشه بأكتوبر ١٨٢٠ (Lutsky, 1969; Alleaume, 2022).

وكانت قوة إسماعيل الأصلية صغيرة بالمقاييس الإمبراطورية، إذ تقدّرها المصادر بنحو أربعة آلاف إلى خمسة آلاف رجل من الأتراك والألبان والمغاربة والبدو، ومعهم مدفعية قليلة وبنادق، وهي كفاية كافية أمام جيوش قبلية تفتقر إلى السلاح النظامي (Hill, 1959; Holt & Daly, 2011). وتضيف دراسة بيشكا أن الحملة الأولى ضمت نحو أربعة آلاف جندي وعدداً من المدافع، وأن حملة كردفان الثانية ضمت بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف جندي، وأن الجيشين معاً ظلا دون عشرة آلاف رجل في مرحلة الفتح الأولى (Beška, 2019). وقد ارتفعت القوة المسلحة في السودان إلى نحو ثمانية آلاف رجل بحلول ١٨٢٣ بعد وصول التعزيزات، بحسب الأدبيات التي تلخص مرحلة الإخضاع.

وسقطت سنار، عاصمة السلطنة الزرقاء، بعد استسلام السلطان بادي السابع في يونيو ١٨٢١، فانتهت سلطنة الفونج التي تأسست نحو ١٥٠٤، أي بعد قرابة ثلاثة قرون ونصف من وجودها (Spaulding, 1985). وتقدم الدفتردار محمد بك خسرو، صهر محمد علي وزوج ابنته نازلي، من الغرب بعد أن غادر القاهرة في ٢٠ أبريل ١٨٢١، فهزم قوات كردفان في معركة بارا في أبريل ١٨٢١ ووصل الأبيض، فصارت كردفان تحت الحكم المصري بعد أن كانت في فلك سلطنة دارفور التي ضمتها في أواخر القرن الثامن عشر (Hill, 1959; Spaulding, 1985; Beška, 2019). وقد قطع جنود الدفتردار في طريقهم إلى كردفان مسافات صحراوية بلا ماء لسبعة أيام متتالية، وكانت معركة بارا أشد معارك الفتح الأول عنفاً، إذ أبدى جيش كردفان شجاعة كبيرة لكن المدفعية رجحت الكفة (Hill, 1959). وفي المقابل تقدم إسماعيل جنوباً حتى فازوغلي قرب خط العرض العاشر شمالاً ثم عاد في فبراير ١٨٢٢، بعد أن أخضع في مارس ١٨٢١ المك نمر زعيم شندي الذي ما لبث أن تمرد (Lutsky, 1969; Beška, 2019). وبذلك فإن عام ١٨٢٠ هو عام قرار الانطلاق، وعام ١٨٢١ هو عام الحسم السياسي والعسكري، وعام ١٨٢٢ هو عام الانتكاسة بمقتل إسماعيل في شندي في أكتوبر من ذلك العام (Holt & Daly, 2011). وتلخص أليوم حصاد العامين الأولين بأن الجيوش أخضعت النوبة وكردفان والجزيرة، فصارت تحت سلطة والي مصر العثماني رقعة يبلغ طولها نحو ألف ومئتي كيلومتر، ثم امتدت بحملتي ١٨٣٤ و١٨٤٠ شرقاً إلى البحر الأحمر (Alleaume, 2022).

وتؤكد هذه الدقة الزمنية أن القرار سبق ذروة أزمة الدولة العثمانية بأشهر قليلة، وهي نقطة سنعود إليها. فالثورة اليونانية اندلعت في مارس ١٨٢١ بعد أن كان جيش محمد علي قد دخل السودان فعلاً، وبذلك لم يكن الباب العالي قد أُنهك بعد حين اتُّخذ القرار، لكنه كان على وشك أن يصبح أحوج ما يكون إلى والي مصر (Anderson, 1966; Shaw, 1976). ويترتب على ذلك استنتاج منهجي: لا يصح تفسير الغزو بانشغال الباب العالي بالثورة اليونانية، لأن هذا الانشغال لاحق للقرار. ويصح تفسيره بانشغال إسطنبول بإخضاع علي باشا التبلنلي في إيبيروس وبحروبها الإقليمية السابقة وبضعف أدواتها في الإشراف على أقاليمها البعيدة. وتنبّه الدراسة كذلك إلى أن كتابات الرشيد خليفة عن السلطنة السنارية تصف نشأتها وسقوطها بأنهما غامضان في التوثيق، فلا تاريخ ميلاد واضح لها ولا تاريخ وفاة قاطع (خليفة، 2026هـ)، وهو ما يتسق مع تعدد التواريخ التي تُنسب إلى “نهاية الفونج” بين استسلام بادي السابع في ١٨٢١ واستمرار بقايا سلطته الرمزية بعد ذلك.

الفصل الثاني: ألبان وأتراك وشركس وأكراد في القاهرة وعمائم عثمانية في إسطنبول: من يملك القرار فعلاً؟

يخلط الخطاب العام كثيراً بين “المصري” و”التركي”. والواقع أن محمد علي ولد في قوالة بمقدونيا في ٤ مارس ١٧٦٩، وجاء إلى مصر عام ١٨٠١ ضمن فرقة ألبانية في الحملة العثمانية ضد الفرنسيين، وصار والياً عام ١٨٠٥ بعد ثورة محلية قادها علماء القاهرة وزعماؤها، ثم ثبّت حكمه بعد هزيمة حملة فريزر البريطانية في رشيد عام ١٨٠٧ (Fahmy, 2009). وكانت لغة بلاطه التركية، وكان كبار ضباطه وحاشيته من الألبان والأتراك والشركس، بينما ظل المصريون الأصليون، أي الفلاحون والتجار والعلماء، خارج دوائر القرار العليا حتى ثلاثينيات القرن (Fahmy, 1997). وهذه هي النخبة التي نسميها هنا “التركية-المصرية”، أي أنها عثمانية الثقافة، مصرية الجغرافيا والموارد، ومستقلة في قرارها العملي عن إسطنبول وعن المجتمع المحلي معاً. وتؤكد سير القادة الميدانيين هذا الطابع، فإسماعيل كامل ابن الوالي نفسه، والدفتردار محمد بك صهره، ومحو بك الأورفلي الذي تولى حامية بربر عام ١٨٢٢ ثم ولاية السودان بين مايو ١٨٢٥ ومارس ١٨٢٦ ضابط من أصل كردي من أورفة، وعثمان بك الجركس الذي خلف الدفتردار عام ١٨٢٤ شركسي الأصل، أي أن أياً من هؤلاء لم يكن فلاحاً مصرياً ولا ابن عائلة مصرية أهلية (Hill, 1959; Warburg, n.d.). ويرى لوتسكي أن الولاة والمديرين في ١٨٤١ كانوا جميعاً أتراكاً من حاشية محمد علي، وأن السودانيين رأوا في الغزو فتحاً تركياً (Lutsky, 1969). وقد بقيت التركية لغة النخبة زمناً، قبل أن تتعرب الإدارة تدريجياً حتى جعل الخديوي إسماعيل العربية لغة الحكم الرسمية، وحصر التركية في مراسلة الباب العالي (Hunter, 1984).

أما الفاعل الثالث فهو الباب العالي، السيد الاسمي لمصر، الذي كان يعيّن الوالي ويتلقى منه الجزية السنوية ويطالبه بالقوات في الحروب. وقد فعل ذلك في حملة الحجاز ضد الوهابيين، التي أمر بها الباب العالي والياً مصرياً عام ١٨١١ وانتهت بسقوط الدرعية في سبتمبر ١٨١٨، ثم بنقل عبد الله بن سعود إلى إسطنبول وإعدامه عام ١٨١٩ (Fahmy, 2009; Dodwell, 1931). وهذا التمييز جوهري، لأن حملة الحجاز كانت تكليفاً عثمانياً صريحاً صدر عن السلطان وحمل اسمه، بينما لا تحتفظ المصادر المتاحة لنا بدليل على أمر سلطاني سابق يأمر بغزو السودان. فالسودان كان قرار القاهرة لا قرار إسطنبول، وإن أُبلغ به السلطان بعد اتخاذه (Hill, 1959; Sabry, 1930). وتتكامل هذه المفارقة مع ملاحظة بنيوية: ففي حملة الحجاز كان الباب العالي يملك سلطة الأمر وكان والي مصر يملك سلطة التنفيذ، وفي حملة السودان انقلبت الصورة، فصار الوالي يملك الأمر والتنفيذ معاً، وصار الباب العالي مجرد جهة تبارك واقعاً قائماً أو تتجاهله. ويظل الغطاء الرمزي قائماً، إذ جرت الأعمال كلها اسمياً باسم السلطان العثماني، وهذا هو “الاتصال التركي” الذي يفسر استمرار التسمية (Warburg, n.d.).

ويزداد هذا التمييز وضوحاً بالنظر إلى مصادر المعلومات والقرار. فمحمد علي كان قد استبعد النخب المصرية الأهلية من دائرة الاستشارة بعد أن أخمد نفوذ العلماء وزعيمهم عمر مكرم، وصادر الأراضي من الملتزمين عام ١٨١٤ تقريباً، وأنشأ ديواناً مركزياً أصبح مركز القرار الفعلي. ومن ثم فإن إسناد القرار إلى “مصر” بالمعنى الأهلي خطأ مفهومي، لأن مصر الأهلية لم تكن في موقع الاستشارة، بل في موقع التمويل والتنفيذ والتجنيد (Fahmy, 1997; Marsot, 1984). ويتقاطع هذا مع ما يطرحه الرشيد خليفة في مقاله عن الحقبة، إذ يدل عنوانه على أن حكماً زعم أنه تركي لم يكن كذلك، وأنه ألباني الأصل، وأن سلطان إسطنبول يختلف عن الخليفة في الأدبيات التي يناقشها (خليفة، 2026ج)، وهي أطروحة تلتقي مع التمييز الثلاثي الذي تعتمده هذه الدراسة، مع التحفظ المنهجي الوارد في المقدمة.

الفصل الثالث: انهيار الجار الجنوبي وانشغال السلطان: سياق جيوسياسي يمنح والياً طموحاً فرصته

كانت الدولة العثمانية في العقد الثاني من القرن التاسع عشر منشغلة بما يتجاوز قدرتها. فقد خاضت حرباً مع روسيا انتهت بمعاهدة بوخارست في مايو ١٨١٢ فقدت بموجبها بسارابيا، وأعادت بناء سلطتها في الأقاليم الأوروبية، وكان محمود الثاني في عام ١٨٢٠ مشغولاً بإخضاع علي باشا التبلنلي في إيبيروس، وهو تمرد استنزف جيوشاً كبيرة وانتهى بمقتل علي باشا في مطلع ١٨٢٢. ثم جاءت الثورة اليونانية عام ١٨٢١، والحرب مع إيران عام ١٨٢١–١٨٢٣ التي انتهت بمعاهدة أرضروم (Shaw, 1976; Quataert, 2000). وفي هذا المناخ كان الباب العالي في موقع الحاجة إلى محمد علي لا في موقع القدرة على كبحه. فقد احتاج إلى أسطوله وجنوده في المورة وكريت بعد ذلك، إذ مُنح محمد علي حكم كريت عام ١٨٢٢ وأُرسل ابنه إبراهيم إلى المورة عام ١٨٢٥، وهو ما جعل التنازل عن الاعتراض على مغامرته في الجنوب أمراً مقبولاً سياسياً (Anderson, 1966; Fahmy, 2009). ويلاحظ لوتسكي أن معارك المورة في أكتوبر ١٨٢١ أفقدت العثمانيين فيلقاً إنكشارياً قوامه خمسة آلاف رجل أمام قوة فلاحية يونانية من ثلاثة آلاف، وأن المورة خرجت من أيدي العثمانيين بنهاية ذلك العام، مما أظهر حاجة السلطان إلى جيش والي مصر (Lutsky, 1969).

وفي المقابل كانت القوى الأوروبية، بريطانيا وفرنسا خاصة، مشغولة بـ”المسألة الشرقية” في البلقان والمتوسط وليس بأعالي النيل. وكان القنصلان البريطاني هنري سولت والفرنسي برناردينو دروفيتي في القاهرة منشغلين بالتجارة والآثار والنفوذ السياسي أكثر من انشغالهما بالسودان، بينما دخل الأوروبيون ميدان السودان عبر الرحالة والعلماء الذين رافقوا الجيش، مثل كايو (Anderson, 1966; Cailliaud, 1826). وقد عدّ أليوم هذا الجانب العلمي من أبرز خصوصيات الغزو، فاكتشاف مروي وكثير من مواقع النوبة القديمة، والإسهام الأول في الإثنولوجيا واللسانيات الإفريقية، ارتبطا بالحملة العسكرية نفسها (Alleaume, 2022). أما البحر الأحمر فكان قد أصبح بعد حملة الحجاز مجالاً مصرياً فعلياً، إذ سيطر محمد علي على الحجاز وموانئه، وصار تأمين الجناح الجنوبي والغربي للبحر الأحمر هدفاً طبيعياً لأي قوة تريد حماية تجارتها في جدة وسواكن ومصوع (Hunter, 1984).

ولم يكن في أعالي النيل قوة منظمة تستطيع الصمود. فقد كانت سلطنة الفونج في طور انحلال طويل بعد صراع بين الملوك وهيمنة الهمج التي بدأت بانقلاب ١٧٦٢، حين استولى وزراؤهم على السلطة الفعلية وجعلوا الملوك رموزاً، وكانت دولة الفور في الغرب منشغلة بحدودها وبصراعاتها الداخلية، وهي التي ضمت كردفان في عهد محمد تيراب (نحو ١٧٥٢–١٧٨٦) (Spaulding, 1985; Hasan, 1967; O’Fahey, 1974). وتكشف وثائق سنار الرسمية بين ١٧٠٢ و١٨٢٠، من منح الأراضي والرسائل الإدارية والأحكام القضائية، عن تفكك النظام الزراعي القديم تحت تأثير الممارسات التجارية المتوسطية الدخيلة، وعن ضعف حكومي تقليدي يجعل المملكة عرضة لأي قوة أجنبية (Spaulding, 1989). وتشير هذه الصورة إلى أن الفراغ السياسي في السودان كان شرطاً ضرورياً للغزو لا سبباً له، فالسبب الدافع كان في القاهرة، أما الشرط المسهِّل فكان في سنار. ويعالج الرشيد خليفة في مقاليه عن سلطنتي سنار ودارفور مسارين متوازيين للنشأة والسقوط، فتبدو سنار وقد سقطت قبل الغزو من الداخل، وتبدو دارفور، التي ستنتظر حتى ١٨٧٤ لتسقط، دولة استمرت بعد فقد كردفان (خليفة، 2026هـ؛ خليفة، 2026د).

الفصل الرابع: جيش بلا رجال ودولة بلا موارد بشرية: الأزمة الداخلية التي دفعت محمد علي جنوباً

تعلق القرار بأزمة داخلية عميقة في بنية الدولة الجديدة. فقد انتفض الجنود الألبان في القاهرة عام ١٨١٥ حين علموا بنية محمد علي إدخال التدريب الأوروبي على جيشه، وكادوا يطيحون به، فخرج من الأزمة بقناعة أن اعتماده على جنود غير منضبطين من الألبان والأتراك خطر عليه (Fahmy, 1997). وكان الخيار الآخر هو تجنيد الفلاحين المصريين، لكن محمد علي كان يخشى مقاومتهم، ويحتاج أيديهم في الحقول والري لأن مصدر ثروته الأول كان احتكار القطن والحبوب عبر السيطرة على الأراضي بعد إلغاء نظام الالتزام (Cuno, 1992; Marsot, 1984). وقد أضيفت إلى ذلك زراعة القطن طويل التيلة التي بدأت بتجارب جوميل نحو ١٨٢١، فارتبطت الزراعة بحاجة متزايدة إلى العمال وبسياسات احتكارية تقيّد الفلاح (Cuno, 1992). وتضاعف الضغط على الخزينة بحرب الجزيرة العربية التي دامت سبع سنوات بين ١٨١١ و١٨١٨، ولذلك رأى لوتسكي في السودان وسيلة لتعويض خزانة استنزفتها الحرب العربية، ولتمويل جيش وأسطول جديدين يحتاجان مبالغ كبيرة (Lutsky, 1969).

في هذه اللحظة بدا السودان حلاً بالغ الجاذبية: خزان مفترض من العبيد يمكن تحويله إلى جنود نظاميين، ومصدر محتمل للذهب، وسوق تجارية يمكن الاستيلاء عليها بدل التفاوض مع تجارها. ويذكر هولت وديلي أن رسائل محمد علي إلى قادة الحملة أوضحت أن الغاية الأولى من النفقة كلها هي الحصول على الرجال المسترقين، وأنه طلب من الدفتردار الإلحاح في جمعهم (Holt & Daly, 2011). وقد قدّر الأمر بأعداد كبيرة، إذ تتحدث الدراسات عن مخططات لجمع عشرات الآلاف خلال سنوات قليلة (Fahmy, 1997). وللمنطق العثماني سابقة في استخدام العبيد في الجيوش والإدارة، من المماليك إلى الإنكشارية، فلم يكن تحويل المسترقين إلى جنود فكرة غريبة على نخبة نشأت في ثقافة عسكرية عثمانية (Toledano, 1998; Ewald, 1990). وتصف دراسة بيشكا الرقيق بأنهم أعظم عوامل الجذب في الحملة، وتبين أن الهدف المعلن كان بناء “النظام الجديد” من عبيد السودان (Beška, 2019).

وكان الذريعة السياسية جاهزة في الوقت نفسه. فبحسب ما تنقله دراسة المكتبة الكونغرسية، أبلغ بادي السابع سلطان سنار محمد علي عام ١٨٢٠ بأنه عاجز عن الامتثال لطلب طرد المماليك من دنقلا، فأرسل محمد علي نحو أربعة آلاف جندي ليطهروا السودان من المماليك ويضموه إلى مصر (Metz, 1992). ورغم أن الشائعات في القاهرة ضخّمت قوة المماليك فتحدثت عن ألف مملوك وخمسة آلاف إلى ستة آلاف من رقيقهم، فإن بيشكا يرى أن هذا التقدير مبالغ فيه وأنه خدم الحاجة إلى تسويغ الحملة (Beška, 2019).

غير أن الفكرة اصطدمت بحقائق الأرض، كما سيتضح لاحقاً. وتبرز هنا أهمية التمييز بين الدوافع النظرية والنتائج الفعلية، إذ إن اتساع الفجوة بين التوقع والواقع في مشروع تجنيد السودانيين هو أوضح دليل على أن القرار اتُّخذ على أساس تصورات عسكرية وإدارية قاهرية، لا على أساس معرفة ميدانية بالسودان وأهله وبيئته (Fahmy, 1997; Hill, 1959). ويضع الرشيد خليفة الرق وتجارته في سياق طويل من تاريخ السودان، فيجعل من الاسترقاق ظاهرة سابقة على الحملة، ويفهم منه أن الحكم الجديد ورث سوقاً قائمة ثم وسّعها وأعاد توجيهها لخدمة جيش الدولة (خليفة، 2026أ). ويأتي مقاله النقدي عن كتاب سيكينغا ليتصل بهذا الخيط من ناحية انتقال المسترقين إلى عمال في الحقبة اللاحقة (خليفة، 2026ط; Sikainga, 1996).

الفصل الخامس: عبيد وذهب ومماليك وهيبة: الدوافع الأربعة لنخبة القاهرة

تتقاطع في القرار أربعة دوافع رئيسة، وهي ما يجعل النخبة التركية-المصرية الفاعل الأول. أولها بناء الجيش، كما تقدم، فقد أراد محمد علي إنشاء “النظام الجديد” بجنود يدينون له وحده ولا ينتمون إلى شبكات ولاء ألبانية أو تركية أو مصرية مستقلة. ثانيها الذهب، إذ توهم محمد علي وجود مناجم غنية في فازوغلي وجنوب سنار، فأرسل مع الجيش الفرنسي فريدريك كايو لبحث المعادن، وقد بلغ فازوغلي عام ١٨٢٢ ووصف الرحلة في كتابه (Cailliaud, 1826). ولم تحقق الحملة ما وُعدت به من ثروة معدنية، مما يدل على أن التقديرات الأولية كانت مبنية على أساطير متوارثة أكثر مما بُنيت على معاينات (Hill, 1959). ويؤكد لوتسكي أن السودان لم يكن بالغنى بالذهب الذي توقعه المصريون (Lutsky, 1969)، وتلخص بيشكا أن مناجم فازوغلي لم تعطِ ما كان مأمولاً، وأن مشروع الجيش المسترق فشل كذلك (Beška, 2019). ويرى لوتسكي كذلك أن محمد علي أراد وضع يده على التجارة التقليدية التي كانت تجلب إلى مصر الرقيق والذهب والصمغ وريش النعام والعاج والأخشاب الثمينة (Lutsky, 1969).

ثالثها الدافع الأمني-السياسي المتمثل في المماليك. فبعد مذبحة القلعة في ١ مارس ١٨١١ فرّ الناجون جنوباً إلى النوبة، واستقروا في دنقلا الجديدة (العرضي) في ١٨١١–١٨١٢، وهم بضع مئات من الفرسان وأتباعهم، فصاروا شبه دولة منفى تهدد استقرار الصعيد. وكان بوركهارت قد وصف وجودهم في إبريم وما حولها وأشار إلى مأزقهم ومحاولاتهم الاستقرار في النوبة (Burckhardt, 1819). وقد طلب محمد علي منهم الخضوع مراراً، وكان القضاء على هذا الملجأ هدفاً مستقلاً عن بقية الدوافع، لأن بقاء المماليك على حدود مصر الجنوبية كان يحتفظ بنواة معارضة قادرة على الاتصال بخصومه في الداخل وفي إسطنبول (Dodwell, 1931). ولم تنجح الحملة في القبض عليهم جميعاً، لكنها فككت تنظيمهم وشتتتهم في الجنوب والغرب.

رابعها المكانة والشرعية، فالقوة العسكرية الجديدة بحاجة إلى ميدان تثبت فيه كفاءتها، وإلى إنجاز يزيد وزن محمد علي في مساومته المستمرة مع الباب العالي، وهي مساومة بلغت ذروتها في ثلاثينيات القرن (Fahmy, 2009; Sabry, 1930). ويمثل هذا الدافع جسراً بين الداخل والخارج: فالمكاسب في السودان ترفع مكانة الوالي أمام السلطان، وتجعل أي محاولة لعزله أو تقييده أكلف، وتوفر رصيداً من الشرعية العسكرية والنفوذ الإقليمي يمكن استثماره في المساومات المقبلة. وتتضح هذه الطموحات الإقليمية في ما تلا الغزو من تقدم نحو الحبشة والبحر الأحمر، حيث رأى بعض القناصل الأوروبيين أن والي مصر يتهيأ لفتح الحبشة ضمن خطة للهيمنة على المنطقة بين النيل والبحر الأحمر. وهذه الدوافع الأربعة متداخلة، وليس بينها ما يُستمد من مصلحة الفلاح المصري أو التاجر المصري بصورة مباشرة.

الفصل السادس: ما الذي كان مصرياً في الغزو؟ تجارة القوافل ودافع الضرائب والفلاح المجنَّد

إذا كان القرار تركياً-ألبانياً، فما الذي بقي للنفوذ المصري؟ الإجابة أنه كان حاضراً في ثلاثة مستويات لا في مستوى صنع القرار. المستوى الأول جغرافي-اقتصادي: كانت مصر مرتبطة بالسودان قبل ١٨٢٠ بتجارة قوافل مهمة، أبرزها درب الأربعين من دارفور إلى أسيوط، الذي حمل العبيد والصمغ والعاج وريش النعام إلى أسواق مصر، وقد درس والز هذه التجارة في الفترة ١٧٠٠–١٨٢٠ وبيّن أنها بلغت مئات القوافل وآلاف العبيد في السنوات الجيدة (Walz, 1978). وكان للتجار المصريين وللجلابة السودانيين مصلحة في ضمان طرق آمنة، وإن لم يكونوا هم من صنع الحملة (Ewald, 1990). وكان بوركهارت قد وصف في ١٨١٤ مدينة شندي بوصفها سوقاً كبرى للقوافل والعبيد، وهو وصف يدل على عمق الارتباط التجاري الذي سبق الغزو (Burckhardt, 1819). ومن مظاهر الوسطاء المحليين أن العبابدة، وهم قبيلة بدوية تقع دروبها بين مصر والسودان، كانت تجبي رسوماً تقليدية على قوافل الذهب والرقيق، فثبّتت الحكومة المصرية سيطرتهم على الطريق ومنحتهم حق تحصيل عُشر البضائع مقابل دعمهم للغزو (Shillington, 2004).

المستوى الثاني بشري-مالي: تحملت مصر كلفة الحملة بالموارد والجبايات والأجساد. فالجيش الذي سار إلى السودان مؤلف في معظمه من الأتراك والألبان والمغاربة والبدو، ويتراوح تقدير حجمه الأصلي بين أربعة آلاف وخمسة آلاف رجل (Holt & Daly, 2011)، وكان تجنيد الفلاحين المصريين لم يبدأ بعد، فلم تشارك القوات النظامية المصرية في الفتح الأول (Stapleton, 2013; McGregor, 2006). لكن القوات التي لحقت بها وحاميات الصعيد والنيل كانت تُموَّل من إيرادات مصر. ثم انقلب الأمر بعد فشل تجربة تجنيد العبيد السودانيين، إذ لم تحتمل أجسادهم برد معسكر أسوان وأمراضه، فمات منهم أعداد كبيرة، وهلك كثير منهم في الطريق إلى مصر، فتحول محمد علي من ١٨٢٢–١٨٢٣ إلى تجنيد الفلاحين المصريين، وهو التحول الذي سيجعل الفلاح المصري عماد الجيش ويرفع حجم الجيش في ثلاثينيات القرن إلى أكثر من مئة ألف جندي (Fahmy, 1997; Cuno, 1992; Beška, 2019). وهكذا كان للغزو أثر مباشر في تاريخ مصر الاجتماعي، إذ ارتبط بداية التجنيد الإجباري للفلاحين بإخفاق مشروع العبيد، فجاء الأثر المصري نتيجة لا سبباً.

المستوى الثالث رمزي-ثقافي: كان في الأزهر “رواق السنارية” يضم طلاباً سودانيين، وكان العلماء المصريون والفقهاء على صلة بسودان الفونج الإسلامي، وهي صلات خلقت ألفة ثقافية لكنها لم تصنع قراراً (Hasan, 1967; Spaulding, 1985). ومن اللافت أن الجبرتي، مؤرخ القاهرة المعاصر الذي توفي نحو ١٨٢٥، لم يمنح السودان مكانة مركزية في تأريخه، وهو دليل على ضعف الاهتمام الشعبي والعلمي المصري بالمشروع حينها (الجبرتي، 1880). وتتفق هذه الملاحظة مع غياب أي دور استشاري معروف للعلماء في القرار، مما يؤكد أن حضور مصر في الغزو كان حضور مورد لا حضور شريك. وبالمقابل عاد على مصر بعد الفتح تدفق تجاري واضح، إذ كانت الإدارة تسوق إلى مصر كل عام نحو ثمانية آلاف رأس ماشية، إضافة إلى العاج وريش النعام والرقيق، بحسب لوتسكي (Lutsky, 1969)، لكن هذه المنافع ذهبت إلى الخزينة والنخبة الحاكمة قبل أن تصل إلى المنتجين المصريين.

الفصل السابع: سيادة على الورق وعجز في الميدان: المصلحة العثمانية الإسطنبولية في غزو لم تأمر به

كان للباب العالي ميراث نظري في وادي النيل الأعلى. فقد أدخل السلطان سليم الأول مصر في ١٥١٧، وأقام العثمانيون حامية بوسنية في إبريم بالنوبة السفلى، وأنشأوا ولاية الحبشة نحو منتصف القرن السادس عشر ومركزها سواكن ومصوع، لكنهم لم يتجاوزوا في الواقع الشلال الثالث إلا بصورة محدودة، ولم تصل سلطتهم إلى سنار (Hill, 1959; Shaw, 1976). ومن ثم فإن “الحق العثماني” في السودان كان قولاً نظرياً أقل منه ممارسة، وقد ظل الحضور العثماني في الجنوب حضور حدود وحاميات صغيرة لا حضور إدارة. وقد بيّن هولت أن نسبة ضم النوبة السفلى وسواكن-مصوع إلى السلطان سليم الأول أسطورة مصدرها كتاب نعوم شقير، وأن تأسيس الحكم العثماني فيهما كان من عمل أوزدمر باشا في عهد سليمان القانوني نحو منتصف القرن السادس عشر (Holt, 1967). وهذا التصحيح يضعف أكثر أي ادعاء بأن الحق العثماني القديم سوّغ الغزو.

وفي عام ١٨٢٠ لم تكن مصلحة الباب العالي في الغزو واضحة. فالسودان لم يكن يعده بالجزية، وخسارته الجنود في مغامرات النيل الأعلى لم تكن مطلوبة وهو يواجه التمردات في البلقان. غير أن الباب العالي رأى فيه مصلحة غير مباشرة: إشغال والٍ قوي بعيداً عن الشام وعن الأناضول، وتوسيع رقعة الحكم العثماني الاسمي على حساب ممالك مستقلة (Quataert, 2000; Anderson, 1966). ويتضح ضعف الدور العثماني من أن إضفاء الشرعية الكاملة جاء متأخراً، إذ لم يمنح فرمان ١٨٤١ محمد علي حكم النوبة ودارفور وكردفان وسنار صراحة إلا بعد عقدين من الغزو، وبعد أن كان ذلك واقعاً (Fahmy, 1998; Hunter, 1984). وكان ذلك الفرمان جزءاً من تسوية أوسع تلت أزمة ١٨٣٩–١٨٤٠ ومعاهدة لندن، فجاء الاعتراف بالسودان ثمناً سياسياً في صفقة كبرى لا اعترافاً بحق عثماني قديم (Fahmy, 2009; Sabry, 1930). وفي السنة نفسها قُسّمت البلاد إدارياً إلى سبع مديريات هي فازوغلي وسنار والخرطوم وتاكا وبربر ودنقلا وكردفان، يحكمها مديرون ينتمون إلى حاشية محمد علي (Lutsky, 1969).

الفصل الثامن: كورتي وبارا وسنار والأبيض: الحملة بالأرقام والأماكن والتواريخ

بدأ إسماعيل كامل باشا مسيرته من القاهرة في صيف ١٨٢٠، ومر بأسوان وتجمع عند الشلال الثاني. وكانت قواته المزودة بالمدفعية والبنادق النظامية تواجه جيوشاً قبلية غير نظامية، فانتصر في كورتي على الشايقية الذين اشتهروا بالفروسية وقلة البنادق، إذ كانوا يقاتلون بالسيوف والرماح ويأنفون من استعمال النار، ثم دخل دنقلا، وفرّ المماليك غرباً نحو دارفور وكردفان فتشتتوا. وسار الجيش جنوباً عبر بربر وشندي وحلفاية فبلغ سنار في منتصف ١٨٢١ حين استسلم بادي السابع من غير قتال حاسم (Hill, 1959; Holt & Daly, 2011). ويفسر سبيلدنغ هذه السهولة بأن الدولة الفونجية كانت قد تحللت من الداخل وأن النخب المحلية فضلت الاحتماء بالقوة الجديدة على مواجهتها (Spaulding, 1985). وقد دفع ملوك المناطق الشمالية ورؤساء القبائل، كمك نمر زعيم الجعليين في شندي ومك بربر، إلى الخضوع في مرحلة أولى بحثاً عن الأمان، قبل أن تتبدل الحال حين اتضحت قسوة الضرائب (Bjørkelo, 1989).

وفي الغرب، كان الدفتردار محمد بك خسرو قد انتصر في بارا، ثم دخل الأبيض عاصمة كردفان، وفرض نظاماً قاسياً لجباية الضرائب والرجال. وأنشئ معسكر عند ملتقى النيلين في السنوات الأولى للحكم في موضع الخرطوم، وصار عاصمة بعد ١٨٣٠ حين نقل إليه الحاكم العام خورشيد باشا مقر الإدارة من ودمدني (Hill, 1959). وتتفاوت المصادر في توقيت بروز الخرطوم، فبعضها يجعل المعسكر مقراً للقيادة منذ ١٨٢١، ويراه لوتسكي مركزاً للحكم بحلول ١٨٢٣ ويقدر سكانها بنحو خمسة عشر ألفاً عام ١٨٣٤ (Lutsky, 1969)، بينما يجعل الاعتراف الرسمي بها عاصمة لاحقاً في ثلاثينيات القرن (Holt & Daly, 2011). وفي عام ١٨٢٤ استبدل محمد علي الدفتردار بعثمان بك الجركس البرنجي قائداً عاماً، الذي عاد من مصر ومعه أول فرقة من الجنود السودانيين المأسورين المدربين على النظام الحديث، وهم “الجهادية” (Hill, 1959).

وبيّن بيورككيلو في دراسته لمنطقة شندي كيف أدت سياسات الضرائب القاسية على السواقي والمواشي والرجال إلى تحول جذري في اقتصاد النيل الأوسط، فخرجت أعداد كبيرة من المزارعين من أراضيهم وهاجرت جماعات إلى الأطراف (Bjørkelo, 1989). وظلت أجزاء واسعة من السودان خارج السيطرة المصرية في ذلك الوقت، ومنها دارفور التي لم تُضمّ إلا عام ١٨٧٤ على يد جيش الزبير باشا وإسماعيل أيوب باشا بعد أن ظلت سلطنة قائمة منذ القرن السادس عشر، وجبال النوبة جزئياً، وجنوب السودان الذي دخلته الإدارة بالتدرج منذ الأربعينيات (Holt & Daly, 2011; Hill, 1959). وامتدت السلطة المصرية في عهد خلفاء محمد علي حتى غندكرو عند خط العرض الرابع شمالاً، وصارت مصر لفترة قوة استعمارية مدهشة بحسب تعبير أليوم (Alleaume, 2022).

الفصل التاسع: أسواق الرقيق وجباة الضرائب وبركان شندي: ما كشفه الحكم عن الدوافع الحقيقية

الدليل الأوضح على الدوافع الحقيقية هو ما فعله الحكم الجديد. فقد توجهت الإدارة منذ سنواتها الأولى إلى الغزوات المنظمة بحثاً عن العبيد، وإلى فرض ضرائب نقدية وعينية مرتفعة، وإلى تجنيد الرجال. وقد أرسلت قوافل كبيرة من الأسرى إلى مصر في ١٨٢٣ وما بعدها، وقدرت الدراسات أعدادهم بعشرات الآلاف وفق تقديرات متباينة، ويتداول بعض العروض العامة رقماً قريباً من ثلاثين ألفاً في السنة الأولى دون سند أولي مؤكد، لكن نسبة وفاتهم في الطريق وفي معسكر التدريب بأسوان كانت مرتفعة جداً، مما أفشل فكرة الجيش السوداني (Fahmy, 1997; Sikainga, 1996; Toledano, 1998; Beška, 2019). وتحدث الدراسات عن حملات على جبال النوبة في ١٨٢٢–١٨٢٣ كانت من أكبر مصادر الرقيق، ثم تطور الأمر إلى تجارة رقيق أوسع بعد انتهاء المشروع العسكري، ثم إلى أشكال من الاسترقاق التجاري الخاص في الأعالي (Ewald, 1990; Hill, 1959). ويصف لوتسكي تصدير عشرات الآلاف من الرقيق من السودان في هذه الحقبة (Lutsky, 1969). وقد صُمم نظام الضرائب بحيث يُدفع عيناً أو نقداً، فكان الرقيق نفسه وسيلة للدفع، وكان على الأهالي أن يؤدوا ضرائب على الرقيق والماشية معاً، وهو ما ورد في تحليل بيشكا بوصفه أحد أسباب التمرد (Beška, 2019). أما الذهب فلم يتحقق، فلم تعد المناجم المعلنة إلا بإيرادات ضئيلة (Cailliaud, 1826; Hill, 1959).

وقد جاءت المقاومة الأقوى في شندي، حيث قتل المك نمر، زعيم الجعليين، إسماعيل باشا وحاشيته حرقاً في أكتوبر ١٨٢٢ بعد مطالب ثقيلة من الرجال والعلف إضافة إلى إهانته شخصياً، فانتقم الدفتردار انتقاماً دامياً قتل فيه آلافاً من أهل المنطقة وشرّد غيرهم، وفرّ نمر إلى الحبشة (Hill, 1959; Bjørkelo, 1989). ويرفع لوتسكي عدد الضحايا في منطقة مقتل إسماعيل إلى أكثر من ثلاثين ألفاً، وهو رقم يتطلب الحذر لأنه يأتي من مؤرخ سوفييتي ولأن التقديرات الأكاديمية الأخرى تتحدث عن آلاف (Lutsky, 1969; Hill, 1959). وقد استمرت اضطرابات الجزيرة وما حولها بين ١٨٢٢ و١٨٢٥ قبل أن تستقر الإدارة (Holt & Daly, 2011). وتكشف هذه الواقعة أن الغزو لم يكن “توحيداً” بل استخراجاً، وأن تعبير “الوحدة” ظهر لاحقاً في الخطاب المصري (Powell, 2003). غير أن الحكم لم يكن كتلة واحدة، فقد وصف هيل محو بك الأورفلي بأنه إداري متزن وسند قوي للولاية، وبأنه وازن بين إلحاح إسماعيل على الانتقام من القبائل العربية، كالكبابيش والحسانية والشكرية والجعليين، وبين حاجة البلاد إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي (Hill, 1959)، وهو ما يظهر خلافاً داخل النخبة التركية-المصرية نفسها بين ميل إلى القسر وميل إلى الاحتواء.

وقد أصاب الحكم التركي-المصري الأوضاع الاجتماعية بتحولات عميقة، منها إضعاف المؤسسات الفونجية والمشيخات التقليدية، وتعميق دور الجلابة التجار وارتباطهم بالدولة، وبروز إدارة بيروقراطية بلغة تركية وعربية وكتبة أقباط وشوام، وظهور فئة من العلماء الذين ارتبطوا بالسلطة الجديدة (Holt & Daly, 2011; Ewald, 1990). ومن بين المنح التي قدمها محمد علي إعفاء بعض الزعماء الدينيين والقبليين من الضرائب لكسب ولائهم (Holt & Daly, 2011). وفي الجانب الديني يقدم الرشيد خليفة في مقالاته عن التصوف وطبقات ود ضيف الله مادة عن الأسر الدينية التي تحولت فيها الولاية إلى وراثة، وهي الشبكات نفسها التي تعاملت معها الإدارة الجديدة (خليفة، 2026ح). ويحذر عنوان مقاله عن سياسة الخليفة عبد الله من أن الثورات المحررة قد تكون أقسى في الدم وأثقل في الجباية من المستعمر الذي تنقلب عليه (خليفة، 2026و)، وهو تحذير منهجي يمنع قراءة الحقبة التركية-المصرية بوصفها شراً مطلقاً تقابله ثورة خيّرة بالضرورة. وقد رأى فيها الرشيد خليفة في مقاله عن مذكرات يوسف ميخائيل أن السودان تعاقبت عليه في أقل من قرن ثلاث دول لا يجمع بينها إلا الأرض والنهر، أولها التركية (خليفة، 2026ز)، وهو إطار مفيد لوضع الحقبة في سياقها الزمني.

الفصل العاشر: ميزان النفوذ: إلى أي درجة كان النفوذ المصري محدوداً؟

تقود الأدلة السابقة إلى حكم مركّب. على مستوى صنع القرار كان النفوذ المصري بمعنى القوى المحلية المصرية محدوداً جداً، فلم يستشر محمد علي علماء مصر ولا تجارها، ولم يكن للفلاحين صوت، بينما كان الإطار العسكري والقيادي تركياً-ألبانياً وشركسياً وكردياً بالكامل (Fahmy, 1997; Marsot, 1984). وعلى مستوى الوسائل كان النفوذ المصري كبيراً، فمصر وفرت المال والعلف والسفن والبنية الإدارية والكتبة الأقباط، ثم الرجال بعد ١٨٢٣. وعلى مستوى النتائج استفاد من الغزو الجيش الجديد والنخبة الحاكمة والتجار المرتبطون بالدولة أكثر مما استفاد منه الفلاح المصري الذي حمل عبء التجنيد (Cuno, 1992; Baer, 1969).

أما النفوذ التركي-العثماني الإسطنبولي فكان شكلياً ومتأخراً. فلم يصدر الباب العالي أمراً بالغزو، ولم يشارك فيه بقوات ولا بتمويل، ولم يعترف رسمياً بحكم السودان إلا في ١٨٤١ (Fahmy, 1998; Hunter, 1984). وتتضح المفارقة حين نقارن ذلك بالحجاز حيث كان محمد علي منفذاً لأمر سلطاني. وأما النفوذ التركي-المصري الذي يجسده محمد علي ونخبته فكان الحاسم، لأنه صاحب القرار والغاية والوسيلة. ومن ثم فإن “الحكم التركي” الذي يشير إليه السودانيون لا يعني في هذا السياق أتراك إسطنبول بل نخبة القاهرة، وهو توصيف أدق من التعبير الشعبي (Holt & Daly, 2011; Hill, 1959).

وتتنازع الأدبيات ثلاث مدارس: الأولى الوطنية المصرية التي تقرأ الغزو استعادة لوحدة النيل، كما في عمل الرافعي (الرافعي، 1930) وعمل شكري (شكري، 1946)، والثانية السودانية التقليدية التي ركزت على فظاظة الحكم، كما في عمل شبيكة (شبيكة، 1964) وشقير (شقير، 1903)، والثالثة التنقيحية الحديثة التي ترى في الغزو مشروعاً توسعياً تحركه اقتصاديات الدولة العسكرية (Ewald, 1990; Fahmy, 1997; Powell, 2003). وتؤيد الأدلة المتاحة الثالثة، مع الاعتراف بأن الأرشيف التركي والمصري يحتاج إلى مزيد من الاستقصاء، وأن الرواية الشفوية السودانية، ومنها ما ورد في كتاب الطبقات لود ضيف الله (ود ضيف الله، 1930)، لم تُستثمر بما يكفي. وقد أصدر الرشيد خليفة دراسة مقارنة عن كتابة تاريخ السودان بأقلام الأجانب الذين عاشوا في السودان وحفروا فيه ودرسوه (خليفة، 2026ب)، وهي تسند الحاجة إلى مقارنة موقع الكاتب من الحدث، فالرافعي كاتب بلاط مصري وطني، وشقير ضابط استخبارات مصري-بريطاني الصلة، وشبيكة مؤرخ سوداني متأثر بالرواية الوطنية. ويضيف تصحيح هولت لأسطورة سليم الأول (Holt, 1967) درساً في أن بعض مرويات “الحق العثماني القديم” نفسها مستمدة من هذه الكتابات الأولى.

الفصل الحادي عشر: ٨٤ مقابل ٢٣٫٥ مقابل ١٦: مقياس كمي ونوعي يوزع النفوذ على نخبة القاهرة والمجتمع المصري وإسطنبول

يتطلب الحكم على “درجة” النفوذ مقياساً صريحاً يمكن مناقشته ونقده، بدلاً من أحكام انطباعية. وتقترح هذه الدراسة مؤشراً مركباً من ست معايير موزونة بحيث يبلغ مجموع أوزانها مئة. أولها صنع القرار ووزنه خمسة وعشرون، وثانيها القيادة الميدانية والضباط ووزنها عشرون، وثالثها القوة المقاتلة البشرية في مرحلة الفتح الأول (١٨٢٠–١٨٢٤) ووزنها خمسة عشر، ورابعها التمويل واللوجستيات ووزنه خمسة عشر، وخامسها الشرعية والغطاء السياسي ووزنها عشرة، وسادسها توزيع المنافع المباشرة ووزنه خمسة عشر. وتُمنح كل جهة درجة من صفر إلى عشرة في كل معيار، ثم يُحسب المؤشر بمجموع حاصل ضرب الوزن في الدرجة مقسوماً على عشرة، فيكون المؤشر من مئة. ويجب التنبيه إلى أن هذه الدرجات أحكام تقديرية ترتيبية مبنية على الأدلة المعروضة في الفصول السابقة، لا قياسات إحصائية مباشرة، وأن المؤشرات الثلاثة مستقلة عن بعضها فلا يلزم أن يبلغ مجموعها مئة.

ففي معيار صنع القرار تُمنح النخبة التركية-المصرية تسعاً من عشر لأن محمد علي وحاشيته هم من أصدروا الأمر وحددوا الأهداف والتوقيت دون أمر سلطاني سابق، ويُمنح المصريون الأهليون واحداً لغياب أي دور استشاري موثق لعلمائهم وتجارهم، وتُمنح إسطنبول اثنتين لأن دورها اقتصر على علم أو قبول غير معلن ثم اعتراف متأخر. وفي معيار القيادة الميدانية تُمنح النخبة التركية-المصرية تسعاً لأن القادة كانوا أبناء الوالي وأصهاره وضباطاً عثمانيين من أصول تركية وكردية وشركسية، ويُمنح المصريون الأهليون واحداً، وتُمنح إسطنبول واحداً. وفي معيار القوة المقاتلة تُمنح النخبة التركية-المصرية ثمانياً لأن الجنود كانوا أتراكاً وألباناً ومغاربة وبدواً، ويُمنح المصريون الأهليون اثنتين لأن تجنيد الفلاحين لم يبدأ ولم تشارك القوات النظامية المصرية (Stapleton, 2013; McGregor, 2006) مع حضور محدود لبدو مصر والعبابدة، وتُمنح إسطنبول صفراً لأنها لم ترسل جنداً.

وفي معيار التمويل واللوجستيات تُمنح النخبة التركية-المصرية ثمانياً لأنها كانت المتحكمة في إيرادات الدولة والاحتكارات، ويُمنح المصريون الأهليون سبعاً لأن الموارد المالية والغذائية والبشرية الأرضية جاءت من الريف المصري وجبايته، وتُمنح إسطنبول صفراً. وفي معيار الشرعية والغطاء السياسي تُمنح النخبة التركية-المصرية ستاً لاستخدامها ذريعة المماليك واسم السلطان، وتُمنح إسطنبول ستاً أيضاً لأن اسمها وسيادتها الاسمية غطّيا الأعمال في الخارج ولأنها منحت لاحقاً فرمان ١٨٤١، ويُمنح المصريون الأهليون واحداً لأن خطاب “وحدة وادي النيل” ظهر متأخراً. وفي معيار توزيع المنافع تُمنح النخبة التركية-المصرية تسعاً لأنها جنت الرقيق والجبايات والمكانة السياسية وتوسع التجارة، ويُمنح المصريون الأهليون ثلاثاً لأن بعض التجار والكتبة استفادوا بينما حمل الفلاح عبء التجنيد، وتُمنح إسطنبول اثنتين لأن عائدها كان رمزياً وسياسياً.

وبحساب الأوزان تبلغ النخبة التركية-المصرية في القرار مئتين وخمسة وعشرين نقطة موزونة، وفي القيادة مئة وثمانين، وفي القوة المقاتلة مئة وعشرين، وفي التمويل مئة وعشرين، وفي الشرعية ستين، وفي المنافع مئة وخمساً وثلاثين، فيكون المجموع ثمانمئة وأربعين تُقسم على عشرة فتنتج مؤشراً قدره ٨٤ من مئة. وتبلغ نقاط المصريين الأهليين خمساً وعشرين في القرار وعشرين في القيادة وثلاثين في القوة المقاتلة ومئة وخمساً في التمويل وعشراً في الشرعية وخمساً وأربعين في المنافع، فيكون المجموع مئتين وخمساً وثلاثين تنتج مؤشراً قدره ٢٣٫٥ من مئة. وتبلغ نقاط إسطنبول خمسين في القرار وعشرين في القيادة وصفراً في القوة المقاتلة وصفراً في التمويل وستين في الشرعية وثلاثين في المنافع، فيكون المجموع مئة وستين تنتج مؤشراً قدره ١٦ من مئة.

وتدل هذه الأرقام نوعياً على أن نفوذ المصريين الأهليين كان “نفوذ مورد” لا “نفوذ قرار”، إذ تأتي نقاطهم الأعلى من التمويل والمنافع الجزئية، وتنخفض إلى أدنى مستوياتها في القرار والقيادة والشرعية. ويدل مؤشر إسطنبول على نفوذ “غطاء” لا “فعل”، إذ يتركز في الشرعية الاسمية ويغيب في الأدوات. ويدل مؤشر النخبة التركية-المصرية على نفوذ “قرار وأداة وفائدة” معاً. ولاختبار متانة النتيجة تتحقق الدراسة من حساسية المؤشر، فلو رُفع وزن التمويل إلى ثلاثين وخُفضت أوزان أخرى بما يوازنه، فلن يتجاوز مؤشر المصريين الأهليين الثلاثين تقريباً، ولن يقترب من مؤشر النخبة التركية-المصرية، مما يعني أن الترتيب النوعي ثابت أمام التغييرات المعقولة في الأوزان. وتؤكد الدراسة أن هذه النتائج تتوقف على دقة التقدير المسبق لكل معيار، وأن باحثاً آخر قد يمنح درجات مختلفة، ولذلك يُنصح بإعادة الحساب عند توافر وثائق جديدة من الأرشيفات المصرية والعثمانية.

وتتسق هذه الصورة الكمية مع صورة نوعية عن الحصيلة الاجتماعية والثقافية والدينية. فعلى المستوى الاجتماعي أضعفت الإدارة الجديدة المشيخات التقليدية وأعادت ترتيب الأرضيات الضريبية (Bjørkelo, 1989). وعلى المستوى الثقافي خلّفت الحملة مكاسب علمية أوروبية في الآثار والإثنولوجيا (Alleaume, 2022)، وفتحت السودان على الأسواق الإقليمية والدولية. وعلى المستوى الديني كانت إدارة سنية رسمية تعاملت مع الطرق الصوفية وعلماء المؤسسة الدينية بسياسة الاحتواء والمنح الضريبية (Holt & Daly, 2011). وعلى المستوى السياسي نشأت وحدة إدارية جديدة رسمت الحدود التقريبية للسودان الحديث (Holt & Daly, 2011).

الفصل الثاني عشر: دروس واقعية قابلة للتنفيذ خاصة بالسودان

تقدم تجربة ١٨٢٠ لصانع القرار السوداني ثلاثة دروس مباشرة. أولها أن الدولة الداخلية المتحللة تغري الجار القوي، فانهيار سلطنة الفونج الداخلي هو ما جعل سقوطها سهلاً، وهو ما يقتضي في السودان المعاصر بناء مؤسسات مركزية وفدرالية متوازنة تقلص فرص الاختراق الخارجي، وتكفل حضور الأقاليم في المركز بدل ترك الفراغ الذي تملؤه القوى المسلحة والتدخلات الخارجية (Spaulding, 1985; Spaulding, 1989). وثانيها أن الاقتصاد السياسي القائم على الاستخراج، أي الجباية القسرية وصيد البشر، ينتج مقاومة طويلة الأمد ويدمر الأسس الاجتماعية للإنتاج، كما بينت شندي، وهو ما يوجب سياسات ضريبية ومحلية عادلة وشفافة (Bjørkelo, 1989). وثالثها أن علاقات السودان بجاره الشمالي يجب أن تُدار بمنطق المصالح المتبادلة في مياه النيل والتجارة والحدود لا بمنطق الوصاية أو الخطاب التاريخي الأحادي، وهو ما يقتضي دبلوماسية قائمة على بيانات وعلى فهم دقيق لتاريخ العلاقة بدل شعارات الوحدة أو الاستقلال المجردة (Powell, 2003; Hasan, 1967).

ويضيف التحليل درساً رابعاً يتصل بالذاكرة العامة: فمن يطلق على الحقبة اسم “التركية” دون تمييز بين إسطنبول والقاهرة والمجتمع المصري الأهلي يفقد القدرة على تحديد المسؤوليات التاريخية، ويبني صورة سلبية عن الآخر لا تفرق بين الدولة والشعب. وتنصح الدراسة بإدراج هذا التمييز في المناهج وفي الخطاب الإعلامي، لأنه يمهد لعلاقة سودانية-مصرية أكثر نضجاً، ويحول دون استدعاء الماضي أداة لتسويغ سياسات حاضرة (Holt & Daly, 2011; Powell, 2003). ويأتي درس خامس من المقياس الكمي نفسه: فحين يُظهر المؤشر أن أهم موقع للمصريين الأهليين كان التمويل لا القرار، يصبح بناء الشعوب الجارة على معادلة “الشعب لا يُسأل ولا يُحاسَب لكنه يدفع” سبباً مباشراً لتراكم المظالم والأحقاد، وهو ما يفرض اليوم تأسيس أي تعاون إقليمي على التشاور الأهلي والتمثيل المحلي. وأما الدرس السادس فمنهجي: فبما أن الفاعلين في الحقبة متعددو الهويات، فإن السودان يحتاج إلى أرشفة وطنية للوثائق المحلية والرواية الشفوية، وإلى مشروعات ترجمة ونشر للأرشيفات المصرية والعثمانية، لأن نصف القصة ما زال محفوظاً في دور وثائق لم تُفحص بما يكفي.

خاتمة نقدية: حدود الاستنتاج وأسئلة ما تزال مفتوحة

تخلص الدراسة إلى أن قرار غزو السودان عام ١٨٢٠ كان قراراً تركياً-مصرياً بالمعنى الذي حددناه، أي قرار نخبة عثمانية الثقافة حاكمة في مصر، تحركه دوافع عسكرية واقتصادية وأمنية في المقام الأول، ثم دوافع المكانة والمساومة مع إسطنبول. وكان النفوذ المصري بمعنى القوى المحلية محدوداً في صنع القرار وكبيراً في تحمل الكلفة، فبلغ مؤشره ٢٣٫٥ من مئة مقابل ٨٤ للنخبة التركية-المصرية، وكان النفوذ العثماني الإسطنبولي شكلياً ومتأخراً فبلغ مؤشره ١٦ من مئة. غير أن لهذه النتيجة حدوداً: فقد اعتمدت أرقام الجيوش والخسائر على تقديرات متباينة في المصادر الأوروبية والمصرية والسوفييتية، ولم تُستثمر السجلات العثمانية والمحلية بالقدر الكافي. كما أن مفهوم “مصري” في عام ١٨٢٠ مفهوم إشكالي لأن الهوية الوطنية المصرية الحديثة لم تتبلور بعد، فاستخدامه بأثر رجعي قد يخلط الأمور. وبسبب طبيعة المقياس الكمي نفسه، فهو يعكس ترجيحاً ترتيبياً لا قياساً إحصائياً، ويمكن تبديل درجاته بدرجات مختلفة دون المساس بالترتيب العام. وتبقى أسئلة مفتوحة تستحق البحث، منها: ما الدور الفعلي لكتّاب الأقباط والتجار المصريين في تقدير جدوى الحملة؟ وما درجة معرفة الباب العالي بمخططات محمد علي قبل ١٨٢٠؟ وما الذي تقوله السجلات السودانية المحلية عن الاستجابة للغزو؟ وإلى أي مدى أثرت الأوضاع الإقليمية في توقيت القرار؟

ويُضاف إلى ذلك أن الفصل الحاد بين النخبة التركية-المصرية والمجتمع المصري، رغم قوته التحليلية، قد يُغفل تداخلاً تدريجياً حدث بمرور العقود، إذ صار أبناء الفلاحين ضباطاً في الجيش، وصار الكتبة الأقباط والمصريون جزءاً من الإدارة، فلا يصح تعميم صورة العشرينيات على الأربعينيات. وتوصي الدراسة بأبحاث تعتمد على أرشيفات القاهرة وإسطنبول والخرطوم معاً، وبدراسات مقارنة بين غزو السودان وغزوات أخرى للوالي نفسه في الحجاز والشام وكريت.

المراجع

  1. Alleaume G. Muhammad ‘Ali et le Soudan: expéditions militaires et explorations savantes [Internet]. Paris: Musée du Louvre; 2022 May 12 [accessed 2026 Oct 24].
  2. Anderson MS. The Eastern Question, 1774–1923: A Study in International Relations. London: Macmillan; 1966.
  3. Baer G. Studies in the Social History of Modern Egypt. Chicago: University of Chicago Press; 1969.
  4. Beška E. Muhammad Ali’s conquest of Sudan (1820–1824). Asian and African Studies. 2019.
  5. Bjørkelo AJ. Prelude to the Mahdiyya: Peasants and Traders in the Shendi Region, 1821–1885. Cambridge: Cambridge University Press; 1989.
  6. Burckhardt JL. Travels in Nubia. London: John Murray; 1819.
  7. Cailliaud F. Voyage à Méroé, au fleuve Blanc, au delà de Fâzoql dans le midi du royaume de Sennâr, à Syouah et dans cinq autres oasis. Paris: Imprimerie royale; 1826.
  8. Cuno KM. The Pasha’s Peasants: Land, Society, and Economy in Lower Egypt, 1740–1858. Cambridge: Cambridge University Press; 1992.
  9. Dodwell H. The Founder of Modern Egypt: A Study of Muhammad ‘Ali. Cambridge: Cambridge University Press; 1931.
  10. Ewald JJ. Soldiers, Traders, and Slaves: State Formation and Economic Transformation in the Greater Nile Valley, 1700–1885. Madison: University of Wisconsin Press; 1990.
  11. Fahmy K. All the Pasha’s Men: Mehmed Ali, His Army and the Making of Modern Egypt. Cambridge: Cambridge University Press; 1997.
  12. Fahmy K. The era of Muhammad ‘Ali Pasha, 1805–1848. In: Daly MW, editor. The Cambridge History of Egypt. Volume 2: Modern Egypt, from 1517 to the End of the Twentieth Century. Cambridge: Cambridge University Press; 1998. p. 139–79.
  13. Fahmy K. Mehmed Ali: From Ottoman Governor to Ruler of Egypt. Oxford: Oneworld; 2009.
  14. Hasan YF. The Arabs and the Sudan: From the Seventh to the Early Sixteenth Century. Edinburgh: Edinburgh University Press; 1967.
  15. Hill R. Egypt in the Sudan, 1820–1881. London: Oxford University Press; 1959.
  16. Holt PM. Sultan Selim I and the Sudan. Journal of African History. 1967;8(1):19–23.
  17. Holt PM, Daly MW. A History of the Sudan: From the Coming of Islam to the Present Day. 6th ed. Harlow: Pearson Education; 2011.
  18. Hunter FR. Egypt under the Khedives, 1805–1879: From Household Government to Modern Bureaucracy. Pittsburgh: University of Pittsburgh Press; 1984.
  19. Lutsky VB. Modern History of the Arab Countries. Moscow: Progress Publishers; 1969.
  20. Marsot AL. Egypt in the Reign of Muhammad Ali. Cambridge: Cambridge University Press; 1984.
  21. McGregor A. A Military History of Modern Egypt: From the Ottoman Conquest to the Ramadan War. Westport: Praeger Security International; 2006.
  22. Metz HC, editor. Sudan: A Country Study. 4th ed. Washington, DC: Library of Congress, Federal Research Division; 1992.
  23. O’Fahey RS, Spaulding JL. Kingdoms of the Sudan. London: Methuen; 1974.
  24. Powell EMT. A Different Shade of Colonialism: Egypt, Great Britain, and the Mastery of the Sudan. Berkeley: University of California Press; 2003.
  25. Quataert D. The Ottoman Empire, 1700–1922. Cambridge: Cambridge University Press; 2000.
  26. Sabry M. L’empire égyptien sous Mohamed-Ali et la question d’Orient, 1811–1849. Paris: Paul Geuthner; 1930.
  27. Shaw SJ. History of the Ottoman Empire and Modern Turkey. Volume 1: Empire of the Gazis. Cambridge: Cambridge University Press; 1976.
  28. Shillington K, editor. Encyclopedia of African History. New York: Fitzroy Dearborn; 2004.
  29. Sikainga AA. Slaves into Workers: Emancipation and Labor in Colonial Sudan. Austin: University of Texas Press; 1996.
  30. Spaulding J. The Heroic Age in Sinnar. East Lansing: African Studies Center, Michigan State University; 1985.
  31. Spaulding J, Abu Salim MI, editors. Public Documents from Sinnar. East Lansing: Michigan State University Press; 1989.
  32. Stapleton TJ. A Military History of Africa. Santa Barbara: Praeger; 2013.
  33. Toledano ER. Slavery and Abolition in the Ottoman Middle East. Seattle: University of Washington Press; 1998.
  34. Walz TR. Trade between Egypt and Bilad as-Sudan, 1700–1820. Cairo: Institut français d’archéologie orientale; 1978.
  35. Warburg GR. Some social and economic aspects of Turco-Egyptian rule in the Sudan. Belleten [Internet]. [year not stated in the source consulted] [accessed 2026 Oct 24].
  36. الجبرتي ع. عجائب الآثار في التراجم والأخبار. القاهرة: مطبعة بولاق؛ 1880.
  37. خليفة ر. البضاعة التي لا تفسد .. الرق وتجارة الرقيق في تاريخ السودان [Internet]. سودانايل؛ 2026 [تاريخ الوصول: 24 أكتوبر 2026].
  38. خليفة ر. تاريخ السودان بأقلام الفرنجة، دراسة مقارنة [Internet]. سودانايل؛ 2026 [تاريخ الوصول: 24 أكتوبر 2026].
  39. خليفة ر. التركية في السودان: ألبانيٌّ، وسلطان ليس خليفة [Internet]. سودانايل؛ 2026 [تاريخ الوصول: 24 أكتوبر 2026].
  40. خليفة ر. سلطنة دارفور: من صولون إلى دينار، ميلاد مملكة وموتها [Internet]. سودانايل؛ 2026 [تاريخ الوصول: 24 أكتوبر 2026].
  41. خليفة ر. السلطنة السنارية، الغموض والسلطة فوق ضفاف النيل الأزرق [Internet]. سودانايل؛ 2026 [تاريخ الوصول: 24 أكتوبر 2026].
  42. خليفة ر. سياسة أقسى في الدم وأثقل جباية من المُستعِمر، حروبُ الخليفةِ مع القبائل وتصفية الزعماء [Internet]. سودانايل؛ 2026 [تاريخ الوصول: 24 أكتوبر 2026].
  43. خليفة ر. شاهد عيان من ديوان المهدية .. قراءة في مذكرات يوسف ميخائيل بتحقيق أحمد إبراهيم أبو شوك [Internet]. سودانايل؛ 2026 [تاريخ الوصول: 24 أكتوبر 2026].
  44. خليفة ر. طبقات ود ضيف الله: سِفْر لم يطبع في وطنه [Internet]. سودانايل؛ 2026 [تاريخ الوصول: 24 أكتوبر 2026].
  45. خليفة ر. من عبيد إلى عُمال .. التحرير والعمالة في السودان المُستَعمَر [Internet]. سودانايل؛ 2026 [تاريخ الوصول: 24 أكتوبر 2026].
  46. الرافعي ع. عصر محمد علي. القاهرة: مطبعة النهضة المصرية؛ 1930.
  47. شبيكة م. السودان عبر القرون. بيروت: دار الثقافة؛ 1964.
  48. شقير ن. جغرافية وتاريخ السودان. القاهرة: مطبعة المعارف؛ 1903.
  49. شكري م. مصر والسودان: تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر. القاهرة: مطبعة النهضة المصرية؛ 1946.
  50. ود ضيف الله م. كتاب الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان. القاهرة؛ 1930.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
حرب الصمغ !
منشورات غير مصنفة
ني هاو .. بقلم: أحمد المصطفى ابراهيم
التوافق السياسي السوداني: تأملات واقتراحات
منبر الرأي
الإبداع والسلطة: الضحك الهدّام (1-4) .. بقلم: د. عبدالله علي إبراهيم
حتى كرنك حبوبة الامان انتهى

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

لا مجال لإنعاش الاقتصاد بلا إصلاح سياسي جذري .. بقلم: خالد التيجاني النور

خالد التيجاني النور
منبر الرأي

ثلاثة قصائد للاصدقاء … شعر/ يوسف الحبوب

طارق الجزولي
منبر الرأي

المعارضة ؛ لإنقاذ الثورة أم لإسقاطها… (٢/٢) .. بقلم: محمد عتيق

طارق الجزولي
منبر الرأي

الدفع بسقوط جريمة انقلاب الإنقاذ .. بقلم: الصادق علي حسن /المحامي

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss