غياب الطبقة العامة السودانية

صديق الزيلعي
أتابع الحوار مع رد السر بابو على مقال ناهد ثم أتوجه، لاحقا، لما كتبته ناهد، وأخيرا اناقش آراء القراء، وبالتحديد نقدهم لما أطرحه. وأعلن، بصدق وشجاعة، انني لا أدعي أن رؤيتي هي الصائبة الوحيدة، ولكني اشجع السجال المعرفي بين كل التيارات الفكرية والاجتماعية. انا اساهم بقدراتي ومعرفتي المحدودة في قضية عامة، تهم شعبنا. واذا لم نتعلم سماع الرأي والرأي الآخر، فستعيش بلادنا في دورات من الأزمات والكوارث والحروب. والهدف من كل ذلك هو الإصلاح الحزبي، مترابطا مع حوار أكبر لتحقيق المشروع الوطني الجامع، الذي لم نحققه منذ الاستقلال.
محور الماركسية هو وضع الطبقة العاملة في المجتمع الرأسمالي والاستغلال البشع التي تتعرض له. كما تركز انها طبقة المستقبل وحفار قبر الرأسمالية. وان الصراع الطبقي في المجتمع الرأسمالي يتركز أساسا في التناقض التناحري بين الطبقة العاملة والرأسمالية. والحزب الشيوعي هو حزب الطبقة العاملة. الي آخر الادبيات الماركسية المعروفة.
كتب الزميل السر في مقاله، ما يلي:
” الجانب الآخر هو المتغيرات التي حدثت في تركيب الطبقة العاملة بفعل الثورة العلمية التقنية حتى اتسع مفهوم الطبقة العاملة نفسه وأصبح يضم العاملين اليدويين والذهنيين الذين يتعرضون للاستغلال الرأسمالي ، ودارت مناقشات واسعة في الستينيات من القرن الماضي ، على سبيل المثال استنتاجات ماركوزة الذي أشار الى أن الطبقة العاملة فقدت ثوريتها وأن الطلاب أصبحوا البديل لها في قيادة التغيير ، في حين السليم هو اتساع قوى التغيير في المجتمع والذي اصبح يضم قوى الثقافة والعمل ، كما أشار غرامشي الى ضرورة الاهتمام بالعمل وسط المثقفين لما لهم من دور في التحويل الفكري والثقافي للمجتمع وكسب المواقع في الجبهة الفكرية والتأهيل التاريخي للطبقة العاملة (والتي اتسع مفهومها) لتلعب دورها في تغيير تركيب المجتمع”
اول ملاحظاتي هي ان السر في مقال طويل من 3600 كلمة و50 فقرة، تعرض للطبقة العاملة في فقرة واحدة فقط. وحتى هذه الفقرة الوحيدة كانت في اطار الرد على مناقشات جرت في الستينيات واراء روجيه جارودي عن الطبقة العاملة.
المسألة الثانية ان المقال طرح اتساع مفهوم الطبقة العاملة، ليشمل العاملين اليدويين والذهنيين، وهذا صحيح واتفق معه تماما. لكن السؤال هو بنيت النظرية الماركسية تحليلها على وضع العامل اليدوي في رأسمالية عصر اكتشاف البخار. الآن في ظل التطورات والقفزات التكنولوجية الهائلة، كيف نتعامل مع نفس المفهوم المبني على العامل اليدوي في المصانع، وما هي التغييرات النظرية والسياسية والتنظيمية المطلوبة لإنجاز ذلك.
المسألة الثالثة، وهي متعلقة بالخطاب الشيوعي في السودان، فقد قل الحديث عن الطبقة العاملة، وعرض أوضاعها ونضالاتها وتنظيماتها، حتى في جريدة الحزب. وأصبح الحديث وسط الزملاء اكثر عن لجان المقاومة وخاصة عن الميثاق الثوري لسلطة الشعب.
المسألة الرابعة هي ندرة الدراسات، التي قام بها زملاء، لدراسة التغييرات التي تمت في تركيبة الطبقة العاملة السودانية، خاصة خلال حكم الاسلامويين الذين دمروا القطاع العام، واضعفوا الصناعة الوطنية.
المسألة الخامسة لم يتم التعرض لظاهرة مهمة تتعلق بتنظيمات الطبقة العاملة، وما حدث لها من انهيار. وكمثال معبر هو التنظيمات النقابية للطبقة العاملة السودانية، التي لعبت أدوارا تاريخية هامة. أحد الآثار الكارثية لانقلاب 19 يوليو 1971، نجاح نميري في تدمير التنظيمات النقابية للعمال، وتعيين قيادات انتهازية. ومنذ ذلك الوقت تراجعت التنظيمات النقابية للعمال، بشكل كبير. وتجلى ذلك الضعف بوضوح في انتفاضة 1985 التي قادها المهنيون في التجمع النقابي. وتكرر نفس الشيء في ثورة ديسمبر 1988 التي قادها تجمع المهنيين. ذكرت هذا المثال لأوضح تقصير كل الماركسيين السودانيين في دراسة هذه الظاهرة، والتفكير في طرق التصدي لآثارها السلبية.
النقطة السادسة، هي ان كل الكتابات العمال وعن النقابات، لم تتعرض لوضع الطبقة العاملة ولا تجربة النقابات في الدول الاشتراكية السابقة (أتمنى أن استطيع كتابة دراسة عن ذلك مستقبلا). ولكن اقدم مثالا واحدا هو الكتاب القيم الذي كتبه عالم الاجتماع سيمون كلارك بعنوان ” ماذا عن العمال؟ العمال وتحول روسيا الي الرأسمالية. الذي صدر في عام 1993 واسمه لمن يريد الاطلاع علية: What about the workers? Workers and the transition to capitalism in Russia
Simon Clark, 1993.
قدم فيه الكاتب الماركسي تحليلا دقيقا لحقيقة وضع الطبقة العاملة في الاتحاد السوفيتي السابق.
كل هذه الملاحظات لتأكيد ان المسألة المطروحة تحتاج لجهد جماعي وعمل بحثي مثابر لتطوير الطرح البرنامجي ليواكب المتغيرات التي حدثت في مجتمعنا. لان ذلك هو الخطوة الأولي لبناء بديل واقعي يحوي حلولا عملية، قابلة للتطبيق في بلادنا.

siddigelzailaee@gmail.com

عن صديق الزيلعي

صديق الزيلعي

شاهد أيضاً

الانغلاق النظري والقصور الهائل في تحليل تعقيدات واقع وطننا

صديق الزيلعيأواصل الحوار مع الزميل بابو في رده على الدكتورة ناهد محمد الحسن، دفاعا عن …