غَليانٌ يَستوْجِـبَ احتـواءاً عَـاقِـلا .. بقلم: جَـمَـال مُـحَـمّــد إبراهيْـــم


أقرب إلى القلب:

(1)

      لقد رسّخت اتفاقيات فيينا للعلاقات الدبلوماسية والقنصلية، والتي صيغت قبل نصف قرن، تلك التقاليد في العلاقات بين الحكومات والشعوب، وشكّلت مع المواثيق الدولية السامية،  ما قصد منه حفظ السلام والأمن في أنحاء العالم. إن روح هذه الاتفاقيات والمواثيق، جاءت لضمان  تعاون دولي بين حكومات وشعوب العالم ، بما يجنبه ويلات الحروبات، وقد كانت أشدّها  دماراً وأكثرها كلفة على البشرية، الحرب الكونية الثانية بين عام 1938 وعام 1945.

     بعد أن وضعت الحرب اوزارها، لم تخلُ مسيرة العلاقات بين الشعوب والحكومات من أزماتٍ وصراعات ، غير أن الضوابط التي عزّزتها تلكالاتفاقيات الدولية، شكلت كوابح لاحتواء احتمالات تصاعدها، ومنعت انجرافها إلى حواف الهلاك. لعلّ أشهر أزمة دبلوماسية  أحدثت قطيعة بين دولتين وتجاوزت خمسين عاماً من العداء المستمر، هي القطيعة بين الولايات المتحدة وكوبا، والتي انطوت قبل أشهر قليلة، وزالت موجبات القطيعة بعدها.

(2)

      تستوقفني  هذه القطيعة الدبلوماسية التي وقعت كما تقع الصواعق، بين دولتين عظيمتين في منطقة الشرق الأوسط ، وهو الإقليم الذي  ظلّ مشتعلاً  لعقود، وتشابكتْ في نيرانه وتباينتْ، رؤى المعالجات ، واختلاف التوجّهات. كلّ الصراعات الملتهبة تدور من حولنا في بلدانٍإسلامية، يخال المرؤ أن مساحات التلاقي تُهيّء فرصاً لاحتواء الاختلافات ، لا لتصعيدها. وتفتح أبواباً ونوافذ للحوار، لا للتشاكس.وَتحيّ آفاقاً للوفاق، لا لتوقظ أشباحاً هي في ذمّة التاريخ.. وتعمل بجدٍ لاستعادة القواسم التي  تجمعنا على قِـبلة واحدة، لا تلك التي تفرقنا أيدي سبأ. .

(3)

       إنّ غضبة طرف وانفعال طرف آخر ، قد تعميهما عن موجبات النظر لما يجمع فلا يرون إلا ما يفرّق. ولا ينبغي أن تلهينا العصبيات الانفعالية عن استبصار قواسم وحدة العقيدة وتجلياتها. وحدها القوى المتربصة بالعقيدة، هي التي تذر يدها بالرّماد على العيون ، فيلفّ الضباب رؤيتنا للمصالح الاستراتيجية، وحقّ شعوب المنطقة في الأمن والسلم، ذلك الذي تحضّنا عليه العقيدة، قبل تلك المواثيق الدولية التي عنيتها أوّل مقالي. لا أحد  يستصغر هذا الشرر المتطاير حولنا، ولكن ثمّة مَن يقف وراءه  مترصّداً مثل “شيلوك” ليقتطع شيئاً من لحمنا.وفيهم من من يجاهر بالصداقة وهو يبطن  سعيهِ الشرير لإحداثِ  الفتن ولإضرام الصراعات.

(4)

         إنّ حماية السفراء والدبلوماسيين، وحماية البعثات الدبلوماسية في البلدان التي تستضيفهم، هيِ بديهيات معلومة، رسّختها المواثيق الدولية وتحترمها الدول الراشدة. وإنّ الذي بادر به  شباب إيراني متفلت،  وانتهك حرمة سفارةٍ لبلد إسلاميّ في طهران ، وروّع موظفيها،، يجد الإدانة من  كافة أطراف المجتمع الدولي. أعاد ذلك الاعتداءالمشين إلى الذاكرة، حادثة احتلال السفارة الأمريكية واحتجاز الرهائن الدبلوماسيين  لـ 444يوماً ،على ايام ثورة الخميني عام 1978. تلكَ أيام ثورةٍ وفوران، ولربّما نجد عذراً لانفلات الأمر في غياب وضعٍ مستقرٍوحكومةٍ لم تتشكّل تلكم الأيام. أما ، وقد مرّت أربعة عقود وأكثر، على استقرار النظام الايراني ورسخت عبر مسيرته الطويلة مؤسساته، فما المبرّر لهذا الإنفلات الذي قد يثير شكوكاً حول تباطؤ القوى الأمنية المسئولة عن تأمين الدبلوماسيين ومقار عملهم، في أداء واجباتهم..؟

(5)

        إن منطقة الشرق الأوسط تغلي تحت الأقدام، فليس أقل من إعمال  نوعٍ من الاحتواء العاقل، برغم عمق الجراحات، وأن تتاح أوسع الفرص لضبط  الأعصاب السياسية، برغم تصاعد الاستفزاز. لقد  بادرتْالجامعة العربية  للتنادي وعقد اجتماعٍ طاريء ، وليت المنظمة الإسلامية ، وهي منظمة رسخت لسنين طويلة، أن تتنادى  على ذات النحو . نرى بعض ردود أفعالٍ،  مضتْ على طريقٍ  نأمل أن  يتسق مع توجهات  تعيد اللحمة ولا  تخدم أجندات التصعيد، فتصبّ الزيت عليه، وأن تكون البلدان العربية والإسلامية، هي التي تسرع لنزع فتيل التصعيد ، قبل أن تبادر أطراف بعيدة  ومن خارج العالم الإسلامي – صدقت أو التبستْ نواياها- لتبادر للتوسط  لإطفاء  مستصغر الشرر..

الخرطوم – 6 يناير 2016

3

jamalim1@hotmail.com

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …

اترك تعليقاً