د. صلاح أحمد الحبو
ربما يكون السؤال الأكثر إزعاجاً في مستقبل السودان ليس: كيف نوقف الحرب؟ فهذا السؤال، رغم أهميته، أصبح أشبه بفاتورة متداولة بين الوسطاء؛ كل طرف يكتب عليها شروطه، ثم يعيدها إلى الطاولة. السؤال الأكثر عمقاً هو: من سيدفع فاتورة الحرب بعد أن يتوقف إطلاق النار؟ وهل سيدفعها السودان كله بالتساوي، أم تقتضي العدالة أن تُوزَّع تكلفة الحرب وفق الجغرافيا التي دفعت ثمنها فعلاً؟ هنا تبدأ المسألة الاقتصادية الحقيقية؛ فالحرب ليست تبادلاً للرصاص فقط، وإنما عملية ضخمة لإعادة توزيع الثروة والخسارة والفرص بين السودانيين، ولكن بطريقة قسرية، غير معلنة، ولا تخضع لموازنة أو قانون أو جهاز رقابة.
السودان اليوم ليس دولة واحدة من الناحية الفعلية بقدر ما هو اقتصادات حرب موزعة على خرائط نفوذ. خمس ولايات في دارفور تقع في نطاق سيطرة الدعم السريع، فيما تسيطر القوات المسلحة على الشمال والشرق والجزيرة والنيل الأبيض والنيل الأزرق ومناطق أخرى، وتحتفظ الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال بكاودا ومناطق في جنوب كردفان، بينما يمتلك جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور نفوذاً في أجزاء من دارفور، في وقت تحولت فيه كردفان إلى أحد أهم مسارح القتال. هذه ليست مجرد خريطة عسكرية؛ إنها، في حقيقتها، خريطة لتوزيع الخسارة الوطنية.
فالولاية التي تتحول إلى مسرح للقتال لا تفقد الأمن فحسب؛ إنها تفقد الناتج المحلي، والاستثمار، والمدارس، والمستشفيات، والأسواق، والطرق، ورأس المال البشري، وقيمة الأصول، والثقة في المستقبل. والمزارع الذي يترك أرضه لا يفقد محصول موسم واحد؛ بل يخسر سلسلة إنتاج كاملة. والتاجر الذي يغلق متجره لا يخسر مخزونه فقط؛ بل تنقطع عنه شبكة التمويل والتوريد والعملاء. أما الطفل الذي ينقطع عن المدرسة لسنوات، فهذه ليست «خسارة تعليمية» بالمعنى المحاسبي البارد؛ إنها خصم مباشر من الناتج المحتمل للدولة بعد عقدين.
لذلك ينبغي أن نعيد تعريف تكلفة الحرب. فالحساب التقليدي يسأل: كم دمرت الحرب من منشآت؟ كم انخفض الناتج؟ كم ارتفع التضخم؟ وكم يحتاج السودان من مليارات لإعادة الإعمار؟ أما الحساب الأكثر ذكاءً فيسأل: أين وقعت الخسارة؟ ومن خسر ماذا؟ ومن يستطيع التعافي؟ ومن سيظل عالقاً في اقتصاد الخراب؟
وهنا يمكن أن يصبح الاقتصاد مدخلاً جديداً للسلام.
لقد تعامل السودان طويلاً مع العدالة بمنطق «تقاسم السلطة والثروة»: منصب هنا، ووزارة هناك، ونسبة في مؤسسة، ومقاعد في البرلمان، ومصفوفة تنفيذ تُولد كبيرة ثم تموت صغيرة. وأثبتت التجربة أن تقاسم الكراسي لا ينتج بالضرورة تقاسماً حقيقياً للثروة، وأن الاتفاق الذي لا يتحول إلى تغيير في حياة الناس يصبح مجرد هندسة سياسية أنيقة لفشل قديم. لذلك آن الأوان للانتقال من اقتصاد تقاسم السلطة إلى اقتصاد تقاسم فرص الحياة.
المطلوب بعد الحرب ليس أن نقول للأقاليم: «لقد انتهت الحرب، والآن عليكم جميعاً أن تتحملوا تكلفتها بالتساوي». تلك عدالة محاسبية غريبة؛ كأننا نقول لمن احترق منزله إن عليه أن يشارك صاحب المنزل السليم في تكلفة إعادة البناء بالنسبة نفسها. العدالة هنا لا تعني مساواة الأرقام، وإنما مساواة القدرة على استعادة المستقبل.
ومن هنا يمكن بناء مفهوم العدالة الجغرافية للخسارة؛ أي أن تُقاس تكلفة الحرب على مستوى كل ولاية ومحلية وفق مؤشرات واضحة: عدد الضحايا، حجم النزوح، نسبة تدمير الأصول، توقف الإنتاج، فقدان الأراضي الزراعية، انهيار الخدمات، فقدان رأس المال البشري، وتدمير البنية التحتية وتراجع النشاط التجاري. ثم تُحوَّل هذه الخسائر إلى «حساب وطني للحرب» يكون أساساً لتوزيع موارد إعادة الإعمار.
لكن المفارقة السودانية ستظهر سريعاً: من سيحسب الخسارة؟ ومن سيعترف بها؟ ومن سيقرر أن هذه الولاية خسرت أكثر من تلك؟ هنا تبدأ المعركة الثانية، معركة الأرقام. فالرقم في السودان ليس بريئاً دائماً؛ قد يصبح أحياناً جندياً يرتدي بدلة اقتصادية. ومن يملك قاعدة البيانات قد يملك رواية الحرب، ومن يملك رواية الحرب قد يطالب بحصة أكبر من السلام.
لذلك يجب أن يكون «حساب الحرب» مستقلاً وشفافاً، لا تصنعه السلطة المنتصرة، ولا تكتبه الجماعات المسلحة، ولا توزعه شبكات المحاصصة السياسية. يجب أن يتحول إلى بنية مؤسسية للعدالة الاقتصادية تشارك فيها الدولة والولايات والمجتمعات المحلية والخبراء والقطاع الخاص والمؤسسات الدولية، بحيث يصبح توزيع أموال الإعمار قائماً على الضرر والحاجة والقدرة على التعافي، لا على القرب من المركز أو قوة السلاح.
لكن العدالة لا تتوقف عند إعادة توزيع الخسارة؛ فهناك الوجه الآخر للمعادلة: إعادة توزيع الفرص. لا معنى لإعادة بناء مدرسة في منطقة منكوبة إذا ظل التعليم الجيد متمركزاً في العاصمة، ولا معنى لإعادة طريق إذا بقيت القيمة المضافة للإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية والمعدنية تتسرب إلى مركز بعيد عن مناطق الإنتاج. ولا معنى للحديث عن اقتصاد وطني إذا كانت بعض الجغرافيا تنتج الموارد وبعضها الآخر يحتكر التمويل والأسواق والقرار.
السلام الاقتصادي الحقيقي يحتاج إلى تحويل الجغرافيا السودانية من خريطة لاستهلاك الموارد البشرية إلى خريطة لإنتاج القيمة. دارفور ليست منطقة تعويضات؛ إنها ثروة زراعية وحيوانية وسوق وموقع استراتيجي. كردفان ليست مجرد جبهة قتال؛ إنها طاقة زراعية ومعدنية وممر تجاري. الشرق ليس مجرد موانئ، والشمال ليس مجرد ذهب، والجزيرة ليست مجرد ذاكرة لمشروع زراعي، والنيل الأزرق وجنوب كردفان ليستا هوامش أمنية. كل إقليم يحمل جزءاً من رأس المال الاقتصادي الذي يحتاجه السودان الجديد.
وهنا يصبح السؤال أكثر جرأة: هل يمكن أن تكون العدالة الاقتصادية مدخلاً إلى السلام العادل؟
نعم، إذا فهمنا السلام باعتباره عقداً جديداً لتوزيع المستقبل، لا مجرد هدنة بين الماضيين. فالسلام الذي يعيد توزيع الوزارات قد ينتج حكومة؛ أما السلام الذي يعيد توزيع الفرص فقد ينتج دولة.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة بسيطة، لكنها قاسية على اقتصاد المحاصصة: من دفع تكلفة أكبر للحرب، يجب أن يحصل على قدرة أكبر على التعافي؛ ومن حُرم تاريخياً من التنمية، يجب أن يحصل على فرصة أكبر في الاستثمار؛ ومن فقد أصوله وموارده، لا ينبغي أن يُطلب منه أن يدفع فاتورة إعادة بناء الدولة بالقدرة نفسها التي لم يخسر بها شيئاً.
إن صناعة المستقبل السوداني لا يمكن أن تبدأ من وهم العودة إلى ما قبل الحرب؛ فذلك السودان نفسه كان يحمل داخل بنيته كثيراً من الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة. المستقبل الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن الحرب أعادت رسم الجغرافيا الاقتصادية للبلاد، وأن السلام إذا لم يُعد رسمها بعدالة فسوف يعيد إنتاجها بصورة أخرى.
فالسلام ليس صفراً في بند الحرب؛ السلام استثمار في رأس المال الوطني. وإعادة الإعمار ليست مجرد إنفاق حكومي؛ إنها عملية لإعادة توزيع القدرة على إنتاج الدخل والثروة والفرصة. ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يوضع على طاولة السلام ليس فقط: «من يحكم السودان؟»، وإنما: من يحصل على فرصة بناء السودان؟ ومن يتحمل تكلفة الخراب الذي لم يصنعه وحده؟
وربما تكون المعادلة الأكثر عدلاً للمستقبل هي: إعادة توزيع فاتورة الخسارة بعدالة، وإعادة توزيع عائد السلام بعدالة.
فإذا كانت الحرب قد جعلت الجغرافيا السودانية خريطة للنفوذ والسلاح، فإن وظيفة السلام ليست أن يرسم حدوداً جديدة للنفوذ، وإنما أن يحولها إلى خريطة للفرص والإنتاج والعدالة. عندها فقط لا يكون السلام مجرد توقف للحرب، بل بداية اقتصاد سوداني جديد؛ اقتصاد لا يسأل أولاً: «من انتصر؟»، وإنما يسأل السؤال الأكثر أهمية: كيف نضمن ألا يكون السودان كله هو الخاسر
habobsalah@gmail.com
