الجريدة هذا الصباح…
قد لا تكون هدنة فقط، بل بداية مسار دولي لفرض حل سياسي.
هذا التمهيد تمّ على طريقة “توافق صامت” بين العواصم المؤثرة في الإقليم.
أطياف
صباح محمد الحسن
فرص النجاح!!
طيف أول:
شريك الحرف يا ضوء المسافات،
ومدى المعاني وظل الفجر في الآتي.
وأعلن المستشار الأميركي مسعد بولس أمس أنه عقد اجتماعاً مثمراً مع المبعوث الشخصي للأمين العام للسودان بيكا هافيستو، وأنهما سيتحدثان أمام مجلس الأمن يوم الجمعة في جلسة خاصة بالسودان.
وسيؤكد على ضرورة دعم المجتمع الدولي: هدنة إنسانية ومسار لوقف إطلاق نار دائم
عملية حوار سوداني شامل وانتقال مدني
كما ناقشا كيفية ضمان حصول الأمم المتحدة والشركاء الإنسانيين على وصول إنساني غير معوّق إلى المحتاجين ) .
وما الذي يجعل هذه الهدنة مختلفة عن سابقاتها؟
السؤال الذي يطرحه المواطن السوداني قبل أن نضع استفهامنا نحن.
والإجابة ربما لأنها ليست مطروحة من مبادرة سودانية ولا إقليمية، بل لأول مرة تطرح أميركا مبادرة دولية مباشرة يقودها مجلس الأمن.
فليست هذه أول مرة يناقش فيها مجلس الأمن حرب السودان ويطالب بهدنة،
ولكن لأول مرة تتجه أميركا إلى مجلس الأمن وتطرح هدنة وطلب وقف نار دائم وانتقال مدني كحزمة واحدة أمام المجلس.
فهذا ماوجعلها ليست هدنة فقط، بل بداية مسار دولي لفرض حل سياسي.
ولو عدنا بالذاكرة إلى الوراء قليلاً، سنجد أنه قبل عام، عندما سُئل بولس في إحدى المقابلات التلفزيونية عن ماهو الحل إذا فشلت كل المبادرات الإقليمية في طرح هدنة ناجحة، قال مسعد بولس: ربما نتجه إلى مجلس الأمن.
أي أن أميركا كانت تلمّح إلى أن مجلس الأمن قد يكون المحطة الأخيرة.
كما أن وجود مجموعة الخماسية ضمن الخطة مع المبعوث الشخصي للأمين العام يعني أن كل ما حدث من تحركات إقليمية من قبل كان فعلاً تمهيداً لخطوة مقبلة.
وكنا تساءلنا قبل أيام: هل نحن مقبلون على طرح هدنة إنسانية قريبة برعاية دولية وإقليمية؟
وطرحت بالأمس الهدنة من أعلى مستوى دولي، وليس من الأطراف المتحاربة أو الوسطاء الإقليميين.
وبيكا هافيستو ليس وسيطاً عادياً، بل هو المبعوث الشخصي للأمين العام، وهذا يعني إضافة صبغة أممية على الخطوة، وهو ما يعني إمكانية تحويل الهدنة إلى قرار ملزم، وهذا لم يحدث في أي هدنة سابقة.
كما أن التركيز قولاً على “الفظائع” و“الوصول الإنساني غير المعوّق” يعني أن اللغة المستخدمة هي التي تسبق عادة بداية لجان التحقيق أو فرض عقوبات أو قرارات اخرى
والاجتماعات التي ضمّت مصر والسعودية، وقبلها زيارة محمد بن زايد للقاهرة، يبدو أنها كانت خطوة عملية تمهيداً لصناعة قبول إقليمي لمسار الهدنة الدولية.
هذا التمهيد تمّ على طريقة “توافق صامت” بين العواصم المؤثرة، وتوحيد موقف القاهرة والرياض، وإزالة التباينات حول مستقبل الجيش والدعم السريع، والاتفاق على شكل “الانتقال المدني” الذي ستدعمه المنطقة، بما فيها الإمارات التي اتفقت مع واشنطن في فرنسا.
إذن، ما كانت تسعى إليه أميركا وتتحرك لأجله ربما يكون البحث عن ضمان لعدم مقاومة إقليمية للمسار الأممي، الذي سبقته تهدئة التوتر بين القاهرة وأبوظبي، وضمان أن الرياض لن تعارض، والتأكد من أن مصر لن تعتبر الهدنة تهديداً للجيش.
فهذه البيئة لم تكن موجودة قبل الاجتماعات الأخيرة.
فالآن، قد تكون المنطقة مستعدة للتعامل مع مسار دولي جديد، ولن تعارض الهدنة التي يرعاها مجلس الأمن والأمم المتحدة.
وهذا ما كانت واشنطن تحتاجه قبل أن يظهر مسعد بولس وهافيستو ليطرحا الهدنة أمام المجلس.
إذن، كانت تلك الاجتماعات هي حجر الأساس.
لذلك، من المرجّح جداً أن تكون قد تمت ترتيبات مع الإسلاميين تهدف لتحييد الكتائب الإسلامية ومنعها من تخريب الهدنة الدولية القادمة.
فأي هدنة دولية ستفشل إذا عارضتها الكتائب، فالجيش نفسه لا يستطيع ضبط كل المجموعات المتفلتة، وقد يلجأ الإسلاميون للتصعيد لإفشال المسار الدولي، لذلك تحدثنا عن الصفقات المسبقة لمغادرة المتشددين للميدان.
لهذا، ربما يكون النجاح لهذه الهدنة غير مضمون بالكامل، لكنه أقرب وأكبر من أي وقت سابق، لأنها تأتي عبر غطاء من مجلس الأمن، وتحظى بدعم إقليمي ودولي، وتحييد القوى المعرقلة، بالإضافة إلى تفاهمات الخماسية التي جمعت الأطراف السياسية الرافضة والداعمة للحرب، والتي ذكرنا وقتها أن الإجماع الدولي على الخماسية يعني أن هناك فعلاً أكبر من الحدث، فدخول الخماسية الآن أكد أنها رصفت طريقاً لهذه الخطوة.
ولأن ضمان نجاح الهدنة تقع فيه المسؤولية الأكبر على الدعم السريع باعتباره الطرف الذي يسيطر على ميدان الحرب،
لذلك سبق إعلان بولس للهدنة اتصالٌ في أمس الأول بقائد الدعم السريع محمد حمدان “حميدتي”.
هذا الاتصال أكد أن الولايات المتحدة اختارت أن تتحدث مباشرة مع الطرف الذي يملك القدرة الفعلية على وقف النار من واقع سيطرته الميدانية.
وحميدتي قدّم التزاماً سياسياً علنياً قال فيه:
“حريصون على مواصلة العمل ضمن الجهود الدولية والإقليمية لإقرار السلام”.
وهذا يعني التزاماً مسبقاً.
إذن، ربما نكون أقرب لهدنة فرص نجاحها أكبر من فشلها .
طيف أخير:
لا_للحرب
وكانت مصر ملاذاً في رحلة اللجوء الأولى، والآن في رحلة لجوء ثانية يظل العشم هو زاد الطريق، سيما عندما يكون الفقد.. وطن.
