فصل من رواية “دفاتر كمبالا . . “لجمال محمد ابراهيم

بمناسبة  صدورها عن دار نلسن – بيروت 7أبريل 2009
كمبالا : الدفتر الثالث ، 1978
      عامٌ كاملٌ مضى . .
       صحراءٌ جرداءٌ خلفي ، وغابةُ استوائية تنتظرني ، مترعة الجسد .
       تسكعت طويلاً في الشوارع الخلفية القاتمة في المدينة السمراء ،  تجرعت خمور  الأزقة النتنة ، وضاجعت نساءاً مجهولات ، بلا أجساد وبلا هوية . تعرفت على أنماط من البشر ، تعجّ بهم كمبالا . أغنياء وفقراء . أذكياء وأغبياء . محشوون مثل خراف الموائد ، وجوف بلا عرض ولا طول ولا ارتفاع . لم أعرف السأم . في عطلات الأسبوع ، استمرأت المراوحة بين علب الليل المنتشرة بطول شارع “وادي الخفافيش” ، وعرفتني نساؤها الغاديات الرائحات بكل ألوان الأطياف . . الجميلات وأنصاف الجميلات . السوداوات منهن والسمراوات . أنصاف العربيات ، الخلاسيات القادمات من أطراف ممبسا في كينيا والبيضاوات ، اللائي لا أعرف من أين قدمن . طوال القامة الممشوقات من بنات “التوتسي” النازحات من رواندا ، والقصيرات الممتلئات من بنات “الباقندا”. . وهكذا غرقت في ساحات المجون والدعة بلا حساب . يا لها من أيام . كانت “بيتي” وصديقاتها “جولييت” و”باتريشيا” و”جوزيفين” ،  أكثر من أسماء لأناث عرفتهن في هذه المدينة السمراء . هل كنت أملأ فراغاً شملني ذلك الزمان ؟ هل هي غربة للروح ؟  أم هي غربة للجسد ؟  جئت أحمل أسئلتي فشنقتني الأجوبة .  كان ملاذي الأول ، هو “حانة الخفاش” ، النادي الليلي الواقع أعلى “وادي الخفافيش” ، غربي كمبالا ، ليس بعيداً عن الجامعة . تعجبني الإضاءة الخافتة فيه ، والضجيج الذي يشكل عتمة صوتية  ، تزيد من الإحساس بالخصوصية . . 
           في ليلة ليلاء ، هناك  رأيته جالساً وحده في الحانة المليئة بالوجوه السوداء والسمراء والقمحية  . لون بشرته يميزه من بين كل الحاضرين ، برغم الضوء الخافت ، لمحته ولوّح لي بيده . رددت التحية ، لكنه لم يكتف بذلك ، بل آثر أن يأتي إلي  المائدة التي أجلس عليها وحدي . لم يصل  صيدي بعد .
– يوسف . .  إسمي يوسف  كامل . .
-أهلا . . أنت سوداني فيما أظن . شكلك يقول . .
– نعم أيها الصديق ، كنت واثقاً أنك لن تحسبني مصرياً ، مثلما حسبني أصدقاء يوغنديون كثر قبلك ؟
         ضحكنا طويلاً ، إذ  هو يحمل ملامح مصري لا سوداني . شرح لي أنه  نشأ في حي “المسالمة” ، ذلك الحي القديم في مدينة “أم درمان” الذي جمع أسراً  تنحدرمن  أصول مسيحية ومصرية قبطية على الخصوص ، ولكن يسكنه مسلمون تصاهروا جميعهم ، فكان لسكان الحي هذه السحنة الحنطية المميزة .
– أنا  من المسالمة ولن تصدق لو قلت لك أن جدي الرابع مسيحي ، وأنا مسلم . زوجتي من آل “شرقاوي” ، وهم جيرة لنا هناك . ما رأيك لو قلت لك هي من أسرة قبطية راسخة في المسالمة ؟
– تلك مدينتي  يا عزيزي . مرحبا بك أيها الأم درماني . أنا هاشم . محاضر في جامعة “ماكريري” وأعزب ولم أكمل بعد عاما في المدينة . هل أحببت كمبالا ؟
-أوه… أنا قادم جديد ولا أكاد أحفظ أسماء الشوارع ، لكني أعرف فقط الطريق الذي يقودني إلى حانة “الخفاش” . .
         ضحكنا طويلا  وأكملنا السهرة معاً . تبادلنا أنخابا كثيرة قبل أن يصل  صيدي . كنت قد طلبت من   “بيتي” أن توافيني عند التاسعة مساءا في ركني المفضل في الحانة . “بيتي” صديقتي اليوغندية أنثى مشاغبة وساحرة  . قدمت صديقي الجديد إلى صديقتي
” بيتي” . هي من أميز طالبات الفنون عندي في الكلية . أصولها من “التوتسي” القبيلة ذات السطوة في رواندا،  ولكنها – حتى لا تحسب في عداد اللاجئين – تدّعي أنها من قبيلة “الأنكولي” ، في الجنوب الغربي من يوغندا ، الأقرب لرواندا . نساء “التوتسي” أجمل نساء أواسط القارة الأفريقية .
– “بيتي” ، بلونها القمحي وقامتها الفارعة ، هي صديقة الليل ، ومسامرتي في  غربتي هنا . .
        قلت أعرفها على صديقي السوداني الجديد . أكملنا سهرتنا في “حانة الخفاش” إلى ساعات الصباح الأولى ، وخرجنا بعدها  إلى الهواء الطلق . الخمر لعبت برؤؤسنا جميعا . أمسكت بيد “بيتي” ، وخرجنا باتجاه السكن الجامعي .
– معي سيارة  . . دعني أقلكما ، هيا . .
– كلا . . شكراً أيها الصديق . “ماكريري” لا تبعد كثيراً   من هنا  . .
         مضى يوسف في طريقه إلى سيارته ، ولاحظت لدهشتي ، أن لوحتها تحمل رقماً  دبلوماسياً . غريب  حقاً ، فالرجل لم يقل لي إنه يعمل في أي سفارة هنا. أيكون موظفاً جديداً في السفارة السودانية هنا ، في كمبالا  . . ! من عقلي المخمور ، تبخرت شكوكي ،  وخالطت نسمات الفجر المقبل ، في هذه الضاحية النائية  من المدينة السمراء ، نعاساً وخدراً جميلاً  . لم يكن  أمامي لاستعيد وعيّ ،  إلا “بيتي” . . نعم ، ليس لي غيرها . .

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …

اترك تعليقاً