محمد عبد المنعم صالح
ليس في الحياة ما يشبه سعادة الإنسان حين يعانق ذاته و يألف نفسه، ويصبح لها صديقًا لا يملّ صحبتها، ولا يضيق بأسئلتها وصمتها وتقلّباتها. حين يفهمها دون أن يضطر إلى شرح كل شيء، ويجد في وحدته أُنسًا لا يحتاج معه إلى إثبات أن حياته مكتملة بوجود الآخرين. وربما ظلمنا أنفسنا حين خلطنا بين حبّها والأنانية، فاعتدنا أن نمنح الآخرين من وقتنا ومشاعرنا أكثر مما نمنحها، وأن نبحث عن الطمأنينة في قلوبهم، كأن قلوبنا لا تصلح مأوى لنا. نُسافر وحدنا، ونحتفل وحدنا، ونضحك ونبكي وحدنا، لكنّ الفرق شاسع بين إنسان يعيش وحده، وإنسان يشعر بأنه متروك حتى من نفسه.
وحين يدخل حياتنا أشخاص نحبّهم، نمنحهم شيئًا من أرواحنا، وربما ننسى، في دفء قربهم، تلك الصحبة القديمة التي جمعتنا بأنفسنا. فإذا رحلوا، لا نفتقدهم وحدهم ، نفتقد أيضًا ذلك الجزء منّا الذي تركناه بين أيديهم، ونحتاج إلى وقت كي نستعيده. وربما لهذا تبدو العودة إلى النفس، بعد الغياب، شبيهة بالعودة إلى بيت قديم ظلّ بابه مفتوحًا، رغم طول انقطاعنا عنه. هناك، نجد أنفسنا كما تركناها، لا تعاتبنا على الرحيل، ولا تسألنا لماذا تأخّرنا، بل تتّسع لنا كأن شيئًا لم يكن. ثم نمضي من جديد، وحدنا أو برفقة قلوب تشبهنا، لا لتملأ فراغًا فينا، بل لتشاركنا ما امتلأنا به. ولعلّ أجمل ما قد يحدث للإنسان أن يجد من يحبّه دون أن يضطر إلى مغادرة نفسه كي يبقى محبوبًا ، شخصًا لا يشعر معه بأن عليه أن يختار بين أن يكون محبوبًا وأن يكون على حقيقته..
