د. حسين حسن حسين
ثمة كتب لا تكتفي بالاستقرار على أرفف المكتبات، بل تنساب نحو القلوب محمّلَة بحكايات أصحابها، وبشيء من أحلامهم النقية التي لم يمهلهم القدر ليشهدوا تحقيقها. ومن هذه الأعمال النابضة بالحياة كتاب «حش التمر – فنتن موكري» للراحل الحبيب الأستاذ محمد سيد علي همد، الذي أبصر النور مؤخراً، ليؤكد أن بعض الأحلام لا يموت أصحابها قبل أن تتحقق، بل تختار لها الأقدار طريقاً للوصول إلى الناس على نحو أكثر خلوداً وتأثيراً.
إرث نوبي ينبض بالحياة
لقد عاش الراحل محمد سيد علي همد، الأخ العزيز المثقف هميم الطباع، محباً للناس واصلاً للرحم، وقضى جلَّ عمره مهموماً بالنوبة؛ أرضها، وتاريخها، وثقافتها، وذاكرتها. ويأتي عنوان الكتاب «فنتن موكري» (موسم حصاد أو حش التمر) ليتجسد مرآةً عاكسة لأجمل القيم النوبية النبيلة؛ حيث يجتمع الأهل تحت ظلال “أمنا النخلة” -التي تمثِّل أهم محور للتراث النوبي الثري- ليستعيدوا الأواصر، ويترحَّموا على الموتى، ويتذكَّروا الغائبين، ويجتهدوا في إيصال جزء من المحصول إليهم مهما تباعدت المسافات.
والكتاب ليس سرداً عابراً، بل – كما قال المشاركون في أمسية الوفاء – جاء عملاً أنثروبولوجيَّاً وثقافيَّاً يقدِّم الحياة النوبية من الداخل بلغة متمكِّنة، متحولاً بالعادات والتقاليد إلى مادة حيَّة وشخصيات ماثلة تشعر وتحاور، كأن الكاتب يترك لنا نافذة واسعة نطلُّ بها على روح المجتمع النوبي وعمقه الحضاري.
لحظة وفاء لا تُنسى
في أمسية استثنائية أُقيمت بمقرِّ جمعية أبوسمبل بعابدين -تحت إدارة مهنية واقتدار من الصحفي محمد خليل كارا، وبحضور أسرة الراحل وجمع غفير من المحبين والكتّاب- اختلطت مشاعر الفرح بميلاد الكتاب بغصَّة غياب صاحبه. لقد غاب محمد سيد علي همد بجسده، لكنَّه حضر بكل تفاصيله، وحضرت نوبته العريقة.
ولعل أجمل ما في هذا الإصدار أنَّه يعكس أسمى معاني الصداقة والوفاء؛ فالأصدقاء الذين حملوا حلم الراحل وأخرجوا كتابه إلى النور، وشاركوا أيضاً في إثراء الليلة: الأستاذ رمزي المصري، ود. صلاح خليل صالح، والزميلة الأستاذة أماني محمد صالح، والناشر الفنان راشد عباش، ونجلا الراحل أسامة وسامي، أثبتوا أن الصداقة الحقيقية هي موقف ومسؤولية حين يغيب الأحبة، وكذلك بر وصلة رحم.
كانت المشاركة في أمسية الوفاء واسعة وعميقة من خلال شخصيات لها وزنها في فضاء الثقافة، أمثال: الأستاذ فؤاد عكود، والأستاذ عبدالله بلال، والأستاذ نادر السماني، والأستاذ خالد ماسا، والأستاذ عبدالعال همد والدكتور صلاح شرف الدين، وغيرهم.
نحو احتفاء أوسع بالتراث الجاد
إنَّ انتهاء الراحل المقيم محمد سيد همد من الكتاب، ودفعه للمطبعة قبل وفاته رحمةً كبيرة من المولى عزَّ وجل، وسيظلُّ صدقة جارية لروحه الطاهرة وعِلماً يُنتفع به، ومن هنا، فإن الاحتفاء بهذا الإصدار هو احتفاء بالثقافة الجادة وإحياء حميد للتراث النوبي.
وإننا في مجلة «نوبيانا» نؤكد استعدادنا التام لنشر المقالات ذات العمق التي تحتفي بالكتاب وتحليله، ونسرع بمد يد العون لكل خطوة جادة تسعى للارتقاء بالثقافة النوبية. كما أننا نتطلع بشغف لأن ينهض الزملاء في جمعية التراث والثقافة النوبية بالرياض بتنظيم تدشين لهذا الكتاب في الرياض، ليكون خطوة مهمَّة في إطار إحياء الجمعية، وندعو اتحاد سكوت كذلك لانتهاز هذه الفرصة ونفض غبار التراخي.
رحم الله محمد سيد علي همد رحمة واسعة، ومبارك للنوبة هذا الإصدار الخالد، ومبارك لأصدقائه هذا الوفاء العظيم الذي يليق بهم، وبنوبيتهم، وسنظل نذكر بكل خير أهلنا في أبو سمبل، والتقدير لرئيس دارها في القاهرة المستشار أحمد حلمي وصحبه الميامين، دمتم جميعاً خير سفراء للنوبة.
