بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم
إن أخطر ما يهدم الأمم ويقوض صرحها، ليس ضعف السلاح، بل فساد الأخلاق، وانهيار الاجتماع، وانحلال النفوس. فإذا فسد الخلق فسد الفكر، وإذا فسد الفكر فسد العمل، وإذا فسد العمل سقطت الأمة.
وللفساد وجهان: وجه داخلي كامن، ووجه خارجي طاغ.
فأما الداخلي، فشهوة جموح، وأنانية جامحة، وعبادة للنفس، وتقديس للذات، وقصر في النظر، وضيق في الصدر، وانكباب على الدنيا، وخضوع للمادة، ولهاث وراء المنفعة، وجنوح إلى الشذوذ، وميل إلى الانحراف.
وأما الخارجي، فتعليم فاسد، وتربية فاشلة، وقوانين منحرفة، ونظم حكم جائرة، وعصبية مقيتة فرقت الشمل، وطبقية بغيضة مزقت العدل، فلا مساواة تقام، ولا عدالة تدوم، وثقافة لا دينية تسود، وأدب ماجن يروج، وفن هابط يسوق، وسياسة خاضعة خانعة، تابعة لا متبوعة.
ومن رحم هذا الفساد، ولد الانحطاط الفكري والعلمي العام.
فقد كان للمسلمين سبق في العلم، ومجد في الفهم، ثم في أواخر عهودهم، دب الوهن في الكيان الفكري، وقل الاعتناء بالعلم، فأجدبت العقول، وأقحلت الحقول، وأصاب العالم الإسلامي عامة والسودان خاصة، جدب علمي، وشلل فكري، وإعياء وفتور، ونعاس وخمول، فمات الاجتهاد وحي التقليد، وغاب الإبداع وحضرت المحاكاة، صرنا نكرر ولا نبتكر، ونحفظ ولا نفقه، وننقل ولا نبدع، فصار التعليم عقيما، والفهم سقيما، والبلاد طاردة، والحياة عسيرة، لا تطور يبهر، ولا تطوير يزهر.
فإذا اجتمع فساد الأخلاق وخواء العقول، تسربت الضلالات والبدع.
وهنا بيت الداء، لماذا تكثر الضلالات والبدع في بلادنا الحبيبة؟
لأن العلوم الدينية أهملت، وحل الجهل محل العلم، والفهم القاصر محل الفهم الراسخ. فتسربت إلى المسلمين ألوان من الضلالات، وضروب من البدع والجهالات، فهدمت الكيان العقدي، وقوضت البنيان الإيماني، فإذا انهارت العقيدة، انهارت معها الشجاعة والبصيرة، وصار المسلم بلا درع يقيه، ولا نور يهديه.
وهذه الأسباب الثلاثة: فساد الأخلاق، وانحطاط الفكر، وانهيار العقيدة، هي التي فصلها الإمام أبو الحسن الندوي في كتابه الخالد “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين”، وبسطها في “إلى الإسلام من جديد” و “مسيرة الحياة”، وجعلها مراتب متسلسلة: يبدأ الفساد من القلب، ثم ينتقل إلى العقل، ثم يستقر في العقيدة، فإذا فسدت الثلاثة سقطت الأمة.
ولا نجاة إلا بعودة شاملة: عقيدة تصحح، وأخلاق تزكى، وعقول تستنير، وعدل يقام، وعلم يبنى، وعمل يدوم.
