1
لا اذكر شيئا في مناخات صلتي الاخوية الودودة الطويلة معك ،غير كوني وجدت ضالتي في اتخاذك صديقا وأخا يعتدل به مزاج الروح وترقد فيه دقائق العيش على سررناعمة من فضاء الحياة تحت ظلال جمالية وارفة وحمى تزدهر فيه صلات حفها دوام الوصل واشتياقات لزيارة اخرى قبل ان يجف مداد الحالية. وفي وجداني بعدرحيلك الآن أيها الأعز عمق الخسارة الفادحة وأنت تطل على شيء غامض في دواخلي عبر سلسلة من الذكريات طيلة الفترة التي سبقت رحيلك الفاجع المباغت ، خسارة أن ادخاري لك لاستمرار احساس بقربك اخا وصديقا ، هي خسارة لا ولن تعادلها خسارة نحن معشر الحالمين بامكانية وجود زمن مواز نقضيه هناك في مراتع الصبا وحنين الذكريات بينما ينتظرنا السمار هنالك على ضفة الوطن فلا يزيدنا التوقع الا خسارا!!
2
ربما لا استطيع الآن التعبير بلغة الصبا الباكر بعد ان اعشوشب العمر وتتالت نكبات الزمن وانفض السامر وارتحل العشاق، وتغيرت الأمكنة وسبحت البلاد في أنهر الدم ودخلت رمال الحلة وضفاف الأنهر وأنغام الطنابير ، وأعياد الحصاد ، وابتسامات العذارى ، وليالي الحنة ،والجرتق وشباب المديح ،وحلاوة العيد ،واسراب الطير وسباحات النهر وسياحاته، في حالة الحداد.وكيف أعبر عن نفسي يا فيصل حيث لم يعد في قوس التعبير منزع ولا في فصاحة القول رمق يسد حرصي على اخراج ما أقول تعبيرا عن انكسار خواطري التي كانت ترنو للقائك في زمن أجمل. هنالك في ديوانك ..ديوان العم خدر عبد الرحيم حيث تختار طنبورا تعزف عليه لحنا من ألحان الزمن الأجمل، أو تتناول عودا تجري عليه من مهارتك نفس لحن الطنبور . ثم عند انقضاء الجلسة، نمر على بيت الدواجن والبط وسلالات الزهر التي انتجتها ثم نقفل راجعين الى شجرة الليمون الضخمة أمام الديوان فتدخل في رحابها قاطفا والغبار الجميل الخصب يغطى رأسك . أنك تقطف وتقطف بهدوء حتى لا تزعج فراخ قمرية على غصن أو تنتهر دباسة زائرة أو عصفور ربما كان يتسمع لحن الطنبور فيعود الى سربه بلونية جديدة في التغريد.
2
لم تنته اجازة المدرسة الوسطى بعد فننزل عصرا الى “تحتانية ” جلاس ليبدأ مهرجان آخر للشجر. في تلك المنطقة . هنا راكوبة العمة بت الشريفي بمعداتها البسيطة …زيرمليء بمياه من النيل وحلل طهي وبراريد شاى وقهوة لها عندما تنزل من الحلة يوميا للاشراف على مملكة الجروف هناك. وبالقرب منها منقاية النعمة بت منصور المعروفة بانتجها المبكر وفتح مبيعاتها وهداياها للناس. وفي ركن قصي تتمدد حيضان البرسيم التابعة لك ونحن هناك ننال منها ما نرجع به لقريتينا من حزم.لكن قبل ذلك ندلف الى تلك الجنينة الغريبة لكم . شجرة متعددة الغصون ليمون ولارنجة وبرتقال في شجرة واحدة . نتحدث عن تلك الشجرة الغريبة قبل ان يقطع حديثنا هدهد عابر جاء ليشتكي من هجران او سفر مفاجيء لحبيبته التي حطت رحلها بأعلى سيسبانة في قرية مجاورة وتعلمت لغة اخرى أو جاء في خاطرها لحن عابر أجرت به اغنية جديدة كلحن نسبته الى أناملك المرهفة ايها الأخ الحبيب.. كم كانت لنا أيام في تلك المنطقة من عمودية جلاس اسفل ساقية الدفافيس حيث تنبثق من النهر ترعة العمدة التي غشيناها سباحة واصطيادا للاسماك قبل أن نلقي بالسنانير اعلى شجرة هشاب مجاورة للعودة اليها عندما يحمر خد الضفاف ويأتي النهر بزوار جدد من بقر السمك وعجوله.
3
تنتهي اجازة المدرسة الآن ويتحسس كل منا متاعه البسيط للتوجه نحوداخليات كورتي الوسطى.مُشرع المراكب في مرسى يسمونه الحصاية لدى قدمي جزيرة أوتد يكون اللقاء. تراكمات من الحصى المتراكم في ضفة النهر تبدو مغسولة متعددة الألوان ..الابيض والاصفر المذهب وبعضها مكحول العينين. يختفي ذلك الحصى عند ارتفاع مد النهر في الفيضان وترتفع على السطح مراكب الخدر الرواسي وابنه العوض ومركب علي الخدر وحسن تبريب من قرية جواري.العوض الرواسي صارم القسمات وفي ايام النهر العادية يحمل “المدري” ليحرك به المركب بغرسه في القاع حيث ينتج صوتا ..كر…كر …كر يندفع بعده المركب في فرح نحو مشرع المراكب في درب زروق اسفل قرية جواري على الضفة الاخرى. أما في الفيضان حيث تمور امواج النهر وتفور، يرفع العوض الرواسي شراعا ارجواني اللون تهب عليه الريح”الصلاح” فيصبح أكثرتحديا للموج الفوار والمركب يتجه بهمة نحو درب زروق ليفرغ حمولته من التلاميذ وقناديل عيش الريف وقوارير السمن والحملان وغيرها.
ثمـ تبدأ رحلة سيرنا على الاقدام نحو داخلية كورتي الوسطى ومبانيها البيضاء الراقدة في خصر صحراء بيوضة كظبي ناعس. سيرنا يكون عبر قرى الاراكة ومقنارتي وجواري عبرجناين النخل قبل ان ندخل الى داخليات المدرسة لنعمر دواليبنا في غرف داخلية ترهاقا بملابسنا المتواضعة وأكياس التمروالجُرُم وصرر قليلة من المصاريف لاستهلاكها كل يوم أحد وأربعاء في سوق كورتي وزلابية التاية وعاشة النسمة والسرة أو ليمون قهوة ابراهيم فايد واحمد الشيخ أو الطحنية من دكان خدر محرق أوفول مصطفى فايد في محيط السوق.
4
كبرنا بعد ذلك قليلا يا فيصل حيث كنا نظن ان ذروة غربتنا سينتهي في سوق باب شريف أو سوق الندى بجدة. أذكر ارسالك لي طلبا للشيلة لزواجك الأول، ثم تعدده فيما بعد طيلة عملك مدرسا مهنيا بمدارس المنطقة وخارجها وقد هيأ الله لنا اللقاء آخر عام2017م وانت تخف لتهنئتي بانهاء اعادة تشيد بيت شيخنا عبد الحليم وتدفق مياه البئر الارتوازية داخله . كنت يومها ناضرا ونضيرا وفرحا لعلمك ان ذلك الحدث هوتجديد للذكرى واحياء لمودة رعتها سنوات العمر.
5
ايها الاحب الاعز..الآن وانت ترقد في ضرايح اهلك باعلى قرية جلاس حيث تنهد صروح المسافة بين عالمنا الارضي وعليين، أراني أغرد مع عبدالرحيم أبوذكرى:
ايها الراحلُ في الليل وحيدًا
ضائعًا منفردًا
أمس زارتني بواكيرُ الخريف
غسلتني بالثلوج
وبإشراق المروج
أيها الراحلُ في الليل وحيدًا
حين زارتني بواكير الخريف
كان صيفي جامدًا
وجبيني باردًا
وسكوتي رابضًا فوق البيوت الخشبية,
وأراك تعزف:
انتظرني
فأنا أرحل في الليل وحيدًا
موغلًا منفردًا
في الدهاليز القصيات انتظرني
في البحر انتظرني
انتظرني في حفيف الأجنحة
وسماوات الطيور النازحة
وقت تتنهد المدارات
وتسود سماء البارحة
انتظرني.
سأتنظرك ايها الاعزجانحا الى مزهري ومنتزعا فيه ومنه ملاحن فيها الهوى والألم… كم أحزنني وأدمى كبدي رحيلك يا فيصل.. ولأن هذا هو حال هذه الدنيا فإنا الى ربنا لمنقلبون.
أدام الله عليك الفرح في جنانه ووهبك نعيم قبوله في جنة عرضها السموات والأرض.
عبدالرحيم محمد
