في أساليب الكتابة

عبد المنعم عجب الفَيا

“.. وعندي أن المعنى العميق للأسلوب، المعنى الذي يجب أن تعنيه الكلمة، إنما هو خاصية من خواص الذهن، وعادات التفكير قبل أن تكون شيئا مرتبطا باللغة وجمال التعبير، وهل تحسب ان كاتبا ليس عنده ما يقوله، يكون ذا اسلوب جميل؟ ذلك ما لا يكون.
الأسلوب اذن، في معناه الأصلي، إنما خاصية من خواص الذهن قبل أن يكون خاصية من خواص اللغة، وتنميق العبارات، وحبك الجمل. فهذا الذهن مثلا، يميل إلى التعميم والنظريات، وذلك مولع بالتفاصيل والاسهاب، وغيره يسير من الأسباب إلى النتائج، وخلافه من النتائج إلى الأسباب، وغيره مولع بضرب الأمثال، وآخر بالدقة والمنطق، وغيره بالتحليل والانتقاد، إلى ما هناك من لفتات الاذهان وعادات العقل. الأسلوب بهذا المعنى هو المادة، والمادة هي الأسلوب. ولا اسلوب بغير مادة، ولا مادة بغير اسلوب..
ربما تكون لغتك عالية، فصيحة الفصاحة كلها، واسلوبك من اردأ الأساليب واقبحها. كثيرا منا يعتقد ان اللغة هي الأسلوب، فأنت تسمع من يقول لك: “إنني أقرأ هذا الكاتب القديم لاسلوبه”، حينما يعني مادته اللغوية، وترى بعض الكتاب إلى يومنا هذا، يظن أن الإتيان بالكلمات الفخمة غير المألوفة، إنما هو الأسلوب الجيد الذي لا غاية بعده لكاتب من الكتاب!..
والذي يكيف أساليب الكتاب والشعراء، إنما هي التجاريب والعواطف المختلفة التي يعب بها الذهن، ويسبح بها الخيال، مع ومضات من التفكير والإلهام، ولو ان الفكر والتحليل شيئ ثانوي في الأعمال الفنية وأساليب الآداب..
وعندي أن المحك لجودة الأسلوب، إنما هي الفردية والطرافة، لا الأناقة ولا البهرجة، هو أن تشعر بأن هذا الأسلوب شيء لا محالة منه، انه الأسلوب الوحيد الذي يوافق هذه الأفكار والعواطف، ولو انه انتاج الصناعة والفن، فنحن عندما نشعر ان هذه الفكرة وهذه العاطفة وهذا الخيال ما كان له أن يظهر في غير هذا الثوب، كان ذلك حكما منا بجودة الأسلوب الذي لا جودة بعده.
والاسلوب يكون تاما لا غبار عليه إذا حمل الى القارئ فكرة المؤلف وأدى الأمانة حقها، ولكنه يختلف باختلاف الكتاب وأفكارهم. فاسلوب الدكتور طه حسين مثلا، اسلوب حلو، لذيذ، لا يكلف القارئ تعبا ولا نصبا، بل أن القارئ ليحس أن المؤلف يأخذه من يده، ويعرض عليه أفكاره من طريق واضحة متسلسلة..
كما أن اسلوب الدكتور هيكل، اسلوب دقيق رقيق، أصلح ما يكون لبث العواطف والوجدانيات وما إليها.
كما إنني أرى في أسلوب الأستاذ العقاد، شيئا من العظمة والجلال، واحس بجلجلة الاجراس..، بل أنني لاسمع اوكسترا عالية الرنين. وأصلح ما يكون هذا الأسلوب للشعر، وفي مواقع الإقناع والإيمان. وقد فاتني، أن أقول إن اسلوب الدكتور طه حسين، أصلح ما يكون للبحث العلمي والتحليل فقط. فهو اسلوب نثري خالص لا يصلح للشعر أو ما هو في حكم الشعر!
وهكذا نرى ان هناك صفات تتغلب على أساليب الكتاب وانماط تفكيرهم، كما أنني ازعم أن كل كاتب، نقول عنه انه ذو اسلوب مجيد، لا بد أن يكون مفكرا، وإلا كان حكمنا عليه دليل الجهل العميق والذوق السقيم.
والكاتب يبلغ ما يريد قارئه، اذا عمد إلى الكلمات الحسية، والجمل الصورية التي ترسم الأشياء وتبين الأغراض، لا ان يسترسل في الكلمات المعنوية المجردة، فذلك يجعل اثره فاترا، وفهمه أصعب، ويكون بعيدا البعد كله مما نسميه قوة ووضوحا. كما أن الكاتب الذي يجعل جمله تمسك بعضها برقاب بعض، وتكون موزونة، فيها ايقاع ونظام، وفيها هبوط وصعود، فيها اندفاع واناة، يكون أقرب إلى التأثير والحظوة عند القراء من ذلك الذي لا يعنى بالموسيقى والإيقاع..
ومن الكلمات التي يكثر النقاد من الكلام عنها، فيسيئون استعمالها، كلمة “صنعة”. وهل هنالك فن من الفنون يأتي بدون صنعة؟ أم ماذا يعنون؟
والكاتب ربما يكون كثير الصنعة والتنقيح في أسلوبه، وهو من بعد ذلك كله، تراه طبيعيا مؤثرا جميلا، فيه الشئ الكثير من الجمال وسحر الفنون. فهل ذلك ذنب؟ ام حسنة، وإجادة، يمدح عليها ويمجد من أجلها؟
ولقد كنت أقرأ في هذه الأيام “رسائل جوستاف فلوبيرت إلى جورج ساند”، رأيت كيف يتعب هذا العبقري الفنان، في تحري الألفاظ، واصطياد الجمل الجميلة، المؤدية المعنى، فهو ربما ظل الأيام يكتب ويكتب صفحة واحدة! بل ما لنا نذهب لذلك، وكلنا يعلم أن اسلوب “شارل لام” من أسهل الأساليب واحلاها، ولكن القليل يعلم انه صاحب صنعة مجيد، يتعب وينصب، قبل أن يخط جملة أو يحبك فصلا، وذلك سر فنه، وسر إعجابنا بان اسلوبه طبيعي غير متكلف، وما هو كذلك!
فليست الصنعة اذن مقياس الفن، وليس هذا العمل جميلا أو غير جميل لأن فيه صنعة أو لا، وإنما هو جميل أو غير جميل من حيث الصدق في التعبير، والصدق في الفكر، والصدق في العاطفة..
الصدق في الصنعة إنما هو المقياس. الكاتب الذي يكون صادقا في صنعته ولم يستعرها من أحد، بل كان الخالق لها وهو الصانع، لم يتكلف في شعوره، ولا في تفكيره إنما هو الفنان المجيد. ولست اعرف كيف يكون صاحب الفن فنانا من غير صنعة ولا فن! ان في صنعة الكاتب لسر فنه وبها يقاس نجاحه كفنان..
فالصنعة ليست مكروهة في حد ذاتها، بل انها شيء لا بد منه، وإنما تستعاب حينما يكون الكاتب زائفا في صنعته، غير صادق في احساسه وفكره.. “
معاوية محمد نور
جامعة بيروت.

المصدر :
*من مقال لمعاوية محمد نور، نشر تحت عنوان (فلسفة الأسلوب) بصحيفة السياسة الأسبوعية بمصر في يوم السبت ٨ فبراير ١٩٣٠ (نقلا عن كتاب “دراسات في الأدب الحديث: من آثار معاوية محمد نور” إعدد الدكتور الطاهر محمد علي البشير، الدار السودانية، الخرطوم، الطبعة الأولى ١٩٧٠،).

هوامش :

  • عبارة “جامعة بيروت” في ذيل المقال وردت هكذا بالمصدر المنقول عنه، ولكن المعروف ان معاوية درس الأدب الانجليزي بالجامعة الأمريكية ببيروت، وتوجد مقالات أخرى بالكتاب مذيلة بعنوان: الجامعة الأمريكية ببيروت.
  • الدكتور هيكل: المقصود محمد “حسين” هيكل (١٨٨٨-١٩٥٦) رئيس تحرير السياسة الأسبوعية، الصحيفة الفكرية والأدبية الأولى آنذاك في مصر، وهو الاديب والسياسي والقانوني المعروف حصل على دكتوارة في القانون من جامعة السربون بفرنسا، وهو صاحب كتاب “حياة محمد” ومؤلف رواية “زينب” الرائدة، وكتب اخرى. وهو غير الصحفي والكاتب المشهور الآخر محمد “حسنين” هيكل.

عبد المنعم عجب الفَيا
٢٧ يناير ٢٠٢٦

abusara21@gmail.com

عن عبد المنعم عجب الفيا

عبد المنعم عجب الفيا

شاهد أيضاً

جمال محمد أحمد وانتا ديوب والأصول الأفريقية للحضارة

عبد المنعم عجب الفَيا كتب جمال محمد أحمد:“.. الشيخ انتا ديوب، والشيخ هنا اسم علم، …