أقرب إلى القلب:
هَلْ أعـانق فيكِ رجـالَ الجوازاتِ
أخبرَهُم أنّني
مُنذ أعــوام
لَمْ أتنفّـس بَعضَ هـواءِ الوَطَـنْ
وَلمْ أرَ أنجُمَـهُ
أو يُظلّلـني غَيمُهُ المُحتقِنْ . .
(محمد المكي ابراهيم)
( 1 )
لِماذا لجوازاتِ السَّفرِ قِصصٌ معَ صديقنا الشَّاعر السّفير . . ؟
قبلَ نحو أعوامٍ خمسةٍ، أوقفَ الشّاعرُ السّفير مُحمّدُ المكّي ابراهيم قلمَهُ، يَمتدح وقفةَ الأستاذِ صلاح الباشا، ووقفتي المتواضعة، حتى نُعيد للسفير ثقته في مؤسسةٍ إنتمى إليها عُمراً طويلا، ولقد كانَ واحداً من روّادها، وأحد بُناة تقاليدها وقد وهنَ رسوخها في العقدينِ الأخيرين في عينِ كلِّ متابع. ساءهُ وَهوَ في مَقامهِ القسريّ في الولايات المتحدة ، أنْ تعمد سَفارةُ بلادهِ إلى الإبطاءِ بلْ والمُمَاطلة في تجديدِ جوازسفرِهِ الدّبلوماسي. وَلعلّ المَكيّ دُهشَ وَسألَ نفسَه : وَلِمَ المُمَانعة وَالتمَنُّع ، وَلربَّما أحسنَ الظنّ شاعرنا، وَمَا صدّقَ أنّ الجواز السوداني صارَ مجلبة للشكوكِ، يُحرَزَ غِطاءاً لشُبهةٍ، وَلا يَرتاح لرؤيتهِ ضُباطُ الهِجرةِ في مَطارات النّاس، البعيدةِ وَالقريبة.
كُنتُ أدير شئونَ الإعلامِ في وزارةِ الخارجيةِ آنذاك، كما كنت مشغولاً بترتيبِ مهمةِ النطق الرّسمي، أعيدُ بِناءَ هيكلهِ، وقد كانَ في وقتٍ سابقٍ، نُطقاً “أبكماً” لو جاز ليَ التعبير، فأرسيتُ بقُدراتٍ شَخصيّةٍ مُتواضعة للوزارةِ صوتاً وَصيتا في الساحاتِ الإعلامية مِن حولنا . لم أكن أغفل عن مقالةٍ أو كلمةِ افتتاحٍ في صحيفةٍ أو مَحضِ تعليقٍ هُنا أو هُناك ، إلّا ونظرتُ فيهِ، وأعددتُ لهُ مَا يناسبهُ مِن حُجةٍ أوَ مِن إجراء . حينَ أرسلَ الباشا عتابَهُ لوزارةِ الخارجية في صفحاتِ الصّحف، كونها لا تحفل بسفيرٍ مثل محمد المكي، فتحجب عنهُ حقّهُ في الجوازِ الدّبلوماسي، وهوَ السّفيرُ القامة ، السّفير الأُمّة ، مَا صدّقتُ أولَ الأمرِ مَا كتبَ صديقنا صلاح الباشا ، ولكنّي استيقنتُ وتألّمتُ، فكتبتُ للوزير المختصّ شيئاً عن ذلكَ في مُذكّرة ألفتُ النّظرَ فيها لمعالجة خللٍ في التعاملِ مع سفيرٍ وشاعرٍ، صَارَ لصيْقا بوجدانِ الأمّةِ في كلِّ شِعرهِ وفي قصائدهِ الأوكتوبرية تحديداً ومَا بعدها، ناهيكَ عنْ أدائه الدبلوماسيّ المَرموق. كُنتُ أعرف أنّ في بعضِ سفاراتنا مَنْ توهّمَ أنّ مِن صّلاحياتِه، مَا قد يُبيح لهُ قبضَ الرّوحِ ، لا قبضَ جوازات السفر فحسْب. لمْ يكُن ما تعرّض لهُ مُحمد المكيّ، شأناً قُنصلياً عابراً يُتركَ لدبلوماسيٍ ناشيءٍ يتمرّن عليهِ، بل كانَ أمراً يتصل بتقديرِ الوزارةِ لِسفيرٍ مِن أقدرِ سُفرائها، وفي مَرحلةٍ مِن أدقِّ مَراحلِ مَسيرتِها، كما يتعلّق بجواز سفرٍ لرمزٍ كبيرٍ من رُموْز الأدبِ في السّودان، وَعلى مستوى ساحةِ الأدبِ العربي . استصدرتُ تفويضاً مؤسسيّاً، ثمّ أبرقتُ السفارةَ في واشنطن لمنحِ السَّفير جوازَ سفرِه الدبلوماسيّ، وَقد أنجزوا ما طلبنا مِنهُم .
( 2 )
كُنتُ أدرك أنّي أؤدي واجباً مهنياً، مَا توقّعتُ أنْ يلتفت إليهِ مُحمد المكيّ ، وَلكنّهُ ، وبِحسِّ الشّاعرِ اللمَّاحِ لا السَّفير ، كتبَ مَقالَهُ الحَميْمَ يُقدّر مَا فعلنا، يقولُ إنّهُ استعادَ إحساساً إفتقده لسنين ، كون وزارةُ الخارجية ، تُعلنَ شيئاً مِن الوفاءِ لمنسوبيها . كانَ الشَّاعرُ السّفيرُ يُدرك أنّنا مِن جيلٍ عاصرَ بذلهم، وَتساقينا مِن حِكمتهم سلسبيلا، وَلن تذهبَ تقاليدُ الدبلوماسيةِ الحقيقيةِ ، في فوْرةِ حمَاسِ الرّساليّات التي روّجَ لها مُروّجون كذَبة، وأنّ في وزارة الخارجية لا يَزال، بريقٌ مِن الوفاءِ يُرى.
وأستميحُ الشّاعرَ السَّفيرَ لأوردَ فقرةً ممّا كتبَ في ذلك:
(وقد أعادَ ليَ السفير جمال شيئاً عزيزاً كنت على وشك افتقاده هوَ الوفاءُ في أهل الوزارة الأم ، فإنني قد ساقيتهم من الودّ أصفاه، ولم أجرؤ يوماً من الأيام على استنكار بقائهم في مراكزهم أو مطالبتهم أن يأخذوا أنفسهم بما أخذت به نفسي من الأمر، فذلك تمجيد للذات أربأ بنفسي، عنه كما أنه ينطوي على كثير من التدليس .. أقول إن زميلي جمالا قد أعاد لي ثقتي بالرجال في الوزارة الأم. )
( 3 )
عرّابُ الغابةِ والصّحراءِ . المُمسِكُ بخرائطِ الرِّحلةِ إلى مُكوّنات الهُويّة في نقطةِ تلاقي مَسارِها السّوداني ، حِزاماً مِن سَواحل البّحرِ الأحمر مُمتدّا إلى الغربِ حتى حوافِ المُحيط، معَ مَسَارها الجُغرافي مِنْ الجنوبِ إلى الشمال. هُما مَساران حمَلا مِن مُمسِكاتِ الهُويّة تنوّع ثقافاتها ، كما حملا تنوّعِ مناخاتها الجُغرافية. ها نَحنُ ، وَقد هَزَمنا التنوعَ في خاصرةِ الوطن الجنوبية، وَكأنّ الخطابَ الثقافيَ باتَ عروبياً مَحضاً في الشمال . نسمعُ مِن بعضِ الأصواتِ السياسيةِ، بعدَ انجلاءِ الاستفتاءِ عَن نشوءِ دولةِ السّودان الجنوبي، أن الحمدَ للهِ فقد زالتْ مَسوْغاتُ “الدّغمسةِ”، وَتفَاصلنا عرباً وزنوجاً، في بصر ذوي الغرضِ . عرباً وأفارقة، عندَ مَنْ لا يرَى الشمسَ مِن رمَدِ. فيمَا نحنُ في حقيقةِ الصّورةِ، قد أشرفنا على حقيقةٍ ماثلةٍ لا مراء فيها : أنّ بقاءنا بقاءاً مُستداما، يتحقّق بإدراكِ واقعِ تنوّعنا الثقافي ، غاباتٍ وصحارى . يزيد ذلك من أعباءِ الفِكر السوداني، لأنْ يَقتحم أكاديمياً طروحاتِ الهُويّة وَالإنتماءِ، بأعمَقِ مِمّا أنجزنا في العقودِ السّالفة.
عرّابُ التثاقف الخُلاسي، لربّما لنْ يُرضيك قولي ، وَلربّما أثارَ بعضَ حُنقكَ علينا ، وَلكن لنْ يعفيكَ هذا الذي نحنُ تورَّطنا فيهِ الآن مِن بعضِ
مسئوليةٍ ، تأخذُنا مِن جديدٍ لنبصرَ أزمَتنا وَنحنُ في طريقِ التشكُّل الطويلِ لأنْ نكونَ أمّة ، مثلمَا تصوّرتَ أن يَتحقق ذلكَ مُنذ ديوانـكَ الأولِ، “أمّتي” :
( أوّاهُ ها حُلمي يطيش وها أنا متوجّهٌ نأياً يطول تعزيّا
نُسكاً سأرقص، أشربُ الخمرَ الزؤامَ
أسُبّ تاريخي هُناك تشفيّا
أوّاه ها خوف النكوص يشلّ أقدامي
ويُرجعني اليك مصليّا
مُتنكّباً رُمْحاً ، أطاعن صخرةً
لا أنتمي أبداً إليك وَلا أطيقُ تخليّا
سأظلّ أصرخُ ها هُنا
حتى يَموت توهّج الحُمّى وَينطفيءُ الشّباب ..)
لم تكن الغابةُ والصحراءُ كما أردتموها، محضَ إطارٍ أو مَقولة صَمّاء، بل هيَ حَراكٌ، وليستْ مدرسة . هيَ الفكرةُ تتفاعل ولا تنغلق . هيَ في مَسيرنا نحوَ تشكيل المَصيْر، ليكون صَيْرورةً وَتحوّلاً واستشرافا.
لن أحوّل جلستُنا هذهِ إلى حفلٍ للتفاكرالمَحض، بل هي للإحتفاء ، وللفرح بعودة صوتٍ من أصوات الشِّعرِ في الوطن. سيدوم الترحيب والفرح، أيّها العزيز، ما صدحتَ بيننا، وتلألأت قصيداً باهرا . .
* كلمة ألقيت في أمسية شهادات وإفادات عن الشاعر السفير محمد المكي ابراهيم يوم 20يوليو 2011
jamal ibrahim [jamalim@yahoo.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم