في الدفاع عن مبدأ الزيادة الدورية للأجور وعدالتها وتدخل الدولة لضمانها

بقلم: د. صبري محمد خليل
أستاذ فلسفة القيم الإسلامية – جامعة الخرطوم
تعريف الأجر
الأجر لغةً هو الثواب والمكافأة.
أما اصطلاحًا فهو يعني – في المفهوم الاقتصادي – الجزاء على العمل؛ فهو بهذا المعنى قيمة قوة العمل البشري أو بدلها، ماديًا كان أم غير مادي. وهو المبلغ الذي يُدفع للعامل مقابل قيامه بعمل ما، أو عند تنفيذ هذا العمل لحساب شخص آخر.
أولاً: الأجور وعدالتها في الفكر الاقتصادي الغربي
أ/ الموقف الليبرالي (الرأسمالي) من الأجور وعدالتها
التناقض بين المستويين النظري والعملي
لا يمكن الحديث عن موقف الليبرالية – كفلسفة ومنهج – والرأسمالية بما هي النظام الليبرالي في الاقتصاد من العمل والأجور (كبدل له) وعدالتها، إلا بعد التمييز بين المستويين النظري والتطبيقي.
المستوى النظري: الموقف السلبي من الأجور وعدالتها
فعلى المستوى النظري نجد أن الرأسمالية قائمة – كنظام اقتصادي ليبرالي – واستنادًا إلى فكرة القانون الطبيعي على أن مصلحة المجتمع ككل ستتحقق حتمًا من خلال محاولة كل فرد تحقيق مصالحه الخاصة، أي دون تدخل الدولة كممثل للمجتمع.
وطبقًا لذلك فإن الموقف الليبرالي الرأسمالي من العمل والأجور وعدالتها هو موقف سلبي، مضمونه عدم تدخل الدولة في علاقة العمل أو في الأجور وعدالتها؛ أي عدم تدخلها لحماية العمال أو لتحقيق عدالة الأجور المتضمنة لضمان إشباع حاجات العمال، بما في ذلك تقرير الزيادة الدورية للأجور أو تحديد حد أدنى لها.
فالقانون الأساسي للنظام الليبرالي في الحكم وفي الاقتصاد هو المنافسة الحرة. فعلى المستوى الاقتصادي تكون المنافسة الحرة بين الناس للوصول إلى الربح، والمنافسة الحرة بين الرابحين للوصول إلى الاحتكار، في مواجهة المنافسة الحرة بين العمال للحصول على عمل
(د. عصمت سيف الدولة، الأحزاب ومشكلة الديمقراطية في مصر، دار المسيرة، بيروت، ص 37).
وبهذا تحوّل العمل في الاقتصاد الليبرالي (الرأسمالي) إلى سلعة تباع وتُشترى، ويخضع ثمنها (الأجر) للمضاربة في سوق العمل (المرجع السابق، ص 72).
المستوى التطبيقي: الموقف الإيجابي من الأجور (تدخل الدولة لضمان عدالة الأجور)
أما على المستوى التطبيقي فقد أثبت واقع المجتمعات الرأسمالية ذاته خطأ هذا الموقف الليبرالي النظري. فقبل نهاية القرن التاسع عشر أصبحت ضرورة تدخل الدولة – لتنظيم علاقات العمل وحماية العمال وضمان عدالة الأجور – مسلَّمة في كل المجتمعات الرأسمالية، وإن اختلفت في مدى هذا التدخل.
ذلك أن المنافسة الحرة في النظام الرأسمالي أدت عمليًا إلى الاحتكار، أي أن التجربة أثبتت أن ترك كل فرد يفعل ما يشاء سينتهي إلى أن لا يستطيع الأغلبية فعل ما يريدون.
كما ساهم في ذلك ظهور الحركات النقابية والاشتراكية بمختلف اتجاهاتها الفكرية (الطوباوية، الماركسية، القومية، الدينية، الفابية الديمقراطية)، والتي سعت لتحقيق العديد من الأهداف الاجتماعية، ومنها حصول العمال على حقوقهم، وحماية العمال، وتحقيق عدالة الأجور.
وبالتالي نال العمال في هذه المجتمعات قدرًا من الحقوق نتيجة لنضالهم ونضال منظماتهم الحزبية والنقابية.
ورغم أنه بعد انهيار الكتلة الشرقية وظهور نظام عالمي أحادي القطب ظهرت دعوات تعود إلى الموقف الليبرالي السلبي من تدخل الدولة، إلا أن هذه الدعوات شكلت أساسًا أيديولوجيًا للأزمات الاقتصادية العالمية المتعاقبة التي تعصف بالنظام الرأسمالي العالمي، الأمر الذي أدى إلى تجدد الدعوات لتدخل الدولة لتنظيم علاقات العمل وحماية العمال وتحقيق عدالة الأجور.
تجاوز الموقف الليبرالي النظري على المستوى الفكري
لم يقتصر تجاوز الموقف الليبرالي الرأسمالي على المستوى العملي، بل تم تجاوزه أيضًا على المستوى الفكري، حيث ظهرت عدة نظريات لتحديد الأجور، منها:

  1. نظرية الحد الأدنى لمستوى المعيشة
    ومضمونها أن مستوى الأجور يتحدد بما يعادل قيمة المواد والحاجات الضرورية لمعيشة العامل في الحد الأدنى.
  2. نظرية إنتاجية العمل
    وتنبثق من النظرية العامة لتوزيع الدخل القومي في اقتصاد السوق، والتي تفترض أن كل من يشترك في الإنتاج يحصل على نصيب يعادل إنتاجيته.
  3. النظرية الاجتماعية للأجور
    وترى أن مستوى الأجور يتحدد بعاملين:
    إنتاجية العمل الاجتماعي.
    الوزن الاجتماعي للطبقة العاملة.
  4. نظرية الأجور المنظمة (الأجور التفاوضية)
    ومضمونها أن الأجر يتحدد بالمفاوضات بين منظمات أرباب العمل والنقابات العمالية، مع تدخل السلطات العامة لتنظيم مستويات الأجور.
  5. النظرية السلوكية للأجور
    وقد قدمها علماء مثل مارس وسايمون وروبرت دوبين وإليوت جاك، وترى أن الأجور تتحدد بعوامل مثل:
    حجم ومكانة الشركة
    قوة النقابة
    رغبة صاحب العمل في الحفاظ على العمال
    مساهمة أنواع مختلفة من العمال
    النتيجة
    انتهى التطور الفكري في المجتمعات الرأسمالية إلى الإقرار بضرورة تدخل الدولة لتنظيم الأجور لتحقيق أهداف متعددة:
    أهداف اقتصادية: توزيع الدخل وتنشيط الاقتصاد.
    أهداف اجتماعية: تقليل الاضطرابات الاجتماعية.
    أهداف سياسية: كسب دعم العمال والنقابات.
    ب/ المفهوم الماركسي للعمل والأجور وعدالتها
    يقوم المفهوم الماركسي على المنهج المادي الجدلي والمادية التاريخية، التي ترى أن البنية الفوقية (الفن، الفلسفة، الأخلاق، النظم السياسية) تعكس التطور في البنية التحتية (أسلوب الإنتاج).
    ويرى أن التاريخ يتحرك عبر مراحل: الشيوعية البدائية → العبودية → الإقطاع → الرأسمالية → الاشتراكية → الشيوعية.
    وتقوم النظرية الماركسية للأجور على نظرية فائض القيمة، التي تقسم عمل العامل إلى:
    العمل الضروري: الوقت الذي ينتج فيه العامل ما يكفي لمعيشته.
    العمل الزائد: الوقت الذي ينتج فيه فائض القيمة الذي يستولي عليه صاحب العمل.
    تقويم
    رغم أن المجتمعات التي تبنت الماركسية في القرن الماضي مكنت العمال من نيل قدر من حقوقهم، إلا أنها لم تمكنهم من نيل جميع حقوقهم، لأسباب متعددة منها:
    غياب الديمقراطية
    انتشار البيروقراطية
    الموقف النقدي من التجارب الاشتراكية
    إن انهيار بعض التجارب الاشتراكية لا يعني رفضها رفضًا مطلقًا، بل يجب اتخاذ موقف نقدي منها يقر بإيجابياتها ويرفض سلبياتها.
    ويقتضي ذلك الإقرار بضرورة تدخل الدولة لتنظيم علاقات العمل وتحقيق عدالة الأجور، مع وضع ضوابط لذلك، مثل:
    الإقرار بالملكية الفردية ذات الوظيفة الاجتماعية
    مكافحة البيروقراطية والفساد
    الشفافية والديمقراطية
    تفعيل الرقابة الشعبية
    مقارنة مع المنظور الاقتصادي الإسلامي
    يلتقي المنظور الاقتصادي الإسلامي مع بعض المذاهب الاشتراكية في الإقرار بتدخل الدولة لتنظيم علاقات العمل والأجور، لكنه يختلف عنها في نقاط أساسية، أهمها:
    أن حماية العمال مسؤولية الدولة والمجتمع معًا.
    أن مفهوم العمل والأجر في الإسلام شامل ماديًا وروحيًا.
    ثانيًا: العمل والأجور وعدالتها في المنظور الاقتصادي الإسلامي
    يتخذ المنظور الاقتصادي الإسلامي موقفًا إيجابيًا من تدخل الدولة لتنظيم علاقات العمل والأجور بما يضمن:
    حماية العمال
    تحقيق عدالة الأجور
    الزيادة الدورية للأجور والحد الأدنى لها بما يضمن إشباع حاجات العمال المتجددة.
    خاتمة
    إن مقولة عدم تدخل الدولة في تنظيم الأجور تجاوزها الفكر الليبرالي نفسه عمليًا وفكريًا.
    القول بتدخل الدولة لتنظيم الأجور ليس مقولة شيوعية، بل هو جزء من المنظور الاقتصادي الإسلامي.
    الموقف الإسلامي الصحيح هو الدفاع عن تدخل الدولة لحماية العمال وتحقيق عدالة الأجور.
    أما القول بعدم زيادة الأجور إلا عند توافر كل شروطها فهو في كثير من الأحيان ذريعة لرفض الزيادة أصلًا.

sabri.m.khalil@gmail.com

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

التغيير بين الأشخاص والنظم السياسية والبنية الحضارية

sabri.m.khalil@gmail.com التغيير بين الأشخاص والنظم السياسية والبنية الحضارية: نحو مذهب إسلامي معاصر في التغيير الحضاري …