في الرهق الإعتقادي أو دوغما المتشككين .. بقلم: ابراهيم عثمان
لإشباع شهوة الإعتقاد يميل الإنسان إلى البحث عن الإتساق والإنسجام والنقاء داخله وفي الوضع الذي يحكم عليه ، ترهقه مراوغات الواقع وتلوناته ونسبيته وتدرجاته واستعصاءه على الأحكام القصوى ، فهو لديه نصيبه من الدوغما مهما أنكر ، فالدوغما كالملح لا تخلو منها وجبة عقيدية ، حتى الحداثويين الذين يقدمون أنفسهم كأعداء فطريين لها هم أنفسهم غارقون في بحورها ، الواقع ليس جمعية خيرية تتصدق علينا على الدوام بحيثيات متسقة متماسكة تخدِّم على يقيننا المتماسك ، فهو كثيراً ما يلتبس ويتغير ويتواطأ ضد بيقينياتنا ونحن في سعينا إلى الإتساق نتعامى عن هذه المرواغات وندخل عليها بعدتنا التحليلية التي تشتغل على الواقع نظرياً وتشذبه وتهذبه فتضخم وتهون ، وتستحضر وتستبعد ،وتخفي وتظهر على حسب الحاجة حتى يكون لدينا واقع نقي لا تشوبه شائبة تكدر فهمنا وتصورنا له، حصيلة هذه المجزرة التحليلية هي واقع مزيف صنعناه نحن على مقاس تصوراتنا وعلى هوى مسبقاتنا . فنحن مغرمون بشهوة الإعتقاد أكثر من شهوة الفهم ،نسارع إلى تبني عقيدة نهائية تجاه كل القضايا والأحداث والشائعات ولا نحتمل صبراً على التشويش الذي يزعزع يقيننا وليس من ضمن مهاراتنا مهارة تعليق الحكم عندما تتطلب الحكمة ذلك ، سيكون يقيننا هو الصانع والحَكَم لواقعنا الذي نتخيله أو قل نتمناه وليس العكس ، فنحن ننتقي من الواقع ما يؤيد يقيننا ونعممه ليكون هو الواقع كل الواقع ، فإن لم يسعفنا بما نبتغي فنحن سنشغل عدتنا التحليلية التي ستجبر الواقع على أن يشهد لنا ، وفي سبيل ذلك سندخل في مطبات منهجية وحتى أخلاقية بالجملة ، حيث ستأتي حتماً اللحظة التي يختلط فيها لدينا أمران : البحث المخلص عن مكامن الأخطاء لدى الغير والإنزعاج الحقيقي منها وانتقادها رغبةً في تصحيحها ، والبحث غير البرئ عن هذه المكامن رغبةً فيها وابتهاجا بها لأنها ستشهد لنا وستعمق اليقين وتمده بشهادة البراءة والصحة، وسيميل كثيرون منا إلى الأخير .ولذلك سنجد أن البعض تكفيه الشبهة لتنهض لديه دليلا ناجزاً مكتملاً إن كانت تصادف هواه ، ولا يكفيه الدليل مهما كانت قوته إن لم يصادف الهوى . فالبحث هو عما يؤيد العقيدة لا عما يصححها ويقومها ،لكن هل معنى ذلك أن الدوغما واليقين غير المفحوص هو قدرنا الذي لا فكاك منه ؟ بالتأكيد لا ، فبالتسديد والمقاربة وبعدم التطرف وبممارسة فضيلة تعليق الأحكام انتظاراً للمعلومات الصحيحة وليس المرغوبة، وبالبعد عن الأحكام القصوى في حق أنفسنا وفي حق خصومنا ، والأحكام القصوى تتبعها الكراهية القصوى للآخر والحب المرَضي الأقصى للذات ومن ثم الأفعال القصوى وصولاً إلى معارك الإفناء المتبادل ، بهذا وبغيره من وسائل البحث الأمين عن الحق والحقيقة يمكن للمرء أن يخرج من حالة الدوغما كعقيدة معاندة للواقع ومشوهة له.
لا توجد تعليقات
