في المقارنة بين محمد جلال هاشم وعبدالله علي إبراهيم

بين ضمير المفكر الأريحي وغريزة الامتياز الشخصي
في المقارنة بين محمد جلال هاشم وعبدالله علي إبراهيم

دكتور الوليد آدم مادبو

تكشف المقارنة بين عبدالله علي إبراهيم ومحمد جلال هاشم عن تباين عميق في تصور دور المثقف في لحظة السودان التاريخية الراهنة. فالقضية هنا ليست مجرد اختلاف في المواقف السياسية، بل اختلاف في البنية الأخلاقية والمنهجية التي ينطلق منها كل منهما في النظر إلى الدولة والمجتمع.

يُمثّل عبدالله علي إبراهيم نموذج المثقف الذي ظلّ يتحرك داخل فضاء النخب المركزية، حيث يتقاطع الإنتاج الثقافي مع إرث طويل من الامتيازات التاريخية المرتبطة بالدولة المركزية. لذلك تبدو مواقفه السياسية – في نظر منتقديه – أقرب إلى إعادة تفسير الواقع بما يسمح باستمرار تلك البنية، حتى حين يتخذ ذلك شكل خطاب نقدي أو مجازي.

في المقابل، يقف محمد جلال هاشم في موقع مختلف؛ فهو مفكر خرج من رحم الهامش الثقافي والسياسي، وظلّ مشروعه الفكري مشغولًا بتفكيك المركزية الثقافية وإبراز تعددية السودان. لهذا يصعب الطعن في وطنيته أو نزاهته الأخلاقية، حتى عند الاختلاف معه سياسيًا، لأن مواقفه – في جوهرها – تنطلق من قناعة فكرية صادقة لا من حسابات موقع أو امتياز.

لقد أدرك محمد جلال هاشم، بحدسه الفكري الحاد، حجم التفخيخ الكامن داخل الكتلة التاريخية: تفخيخ عشائري، وقبلي، بل وحتى اختراقات أيديولوجية لا تخفى على بصيرته. لذلك آثر أن يناظر هذا المشروع من الخارج بدل أن يندمج فيه. وقد يُؤخذ عليه هذا الاختيار، لأن الكتلة التاريخية إذا تُركت دون مساهمة المفكرين الحقيقيين قد تتحول إلى كتلة بلا عقل، أو إلى قوة اجتماعية قابلة للاختراق وإعادة التوظيف. وحينها لن يكون مستبعدًا أن يعيد التاريخ إنتاج نفسه في صورة أخرى من السلطوية، وربما بصورة أكثر فجاجة.

فالكتلة التاريخية المتمثلة في “تجمع السودان التأسيسي” مثلاً ليست برنامجًا سياسيًا بقدر ما هي إمكان تاريخي ينتظر أن يكتمل وعيه. إنها كتلة تحتاج إلى تطور ثقافي وفكري وروحي حقيقي؛ تطور لا تصنعه البنادق ولا البيانات الثورية، بل تصنعه مساهمة المثقفين جميعًا. وهذه – في ظني – ربما تكون آخر فرصة يشهدها السودان لبناء وطن يستوعب تنوعه، وينصف مستضعفيه، ويتصالح مع محيطه الإنساني.

أما عبدالله علي إبراهيم، فعلى الرغم من اشتغاله الأكاديمي الواسع في التاريخ والثقافة، فإن حضوره الفكري غالبًا ما اتخذ طابعًا تأويليًا أو فلكلوريًا يشتغل على السرديات الثقافية والرموز، أكثر من اشتغاله على بناء مشروع فكري سياسي متماسك قادر على تغيير البنية الاجتماعية والسياسية.

ليس سرًا أن عبدالله استدعى تعريف ماكس فيبر للدولة بوصفها الكيان الذي يحتكر العنف المشروع داخل حدود معينة، ليبني عليه دفاعًا متأخرًا عن دولة 1956. لكن المشكلة ليست في استدعاء فيبر، بل في تحويل التحليل السوسيولوجي إلى فتوى سياسية. ففيبر لم يقل إن أي دولة تحتكر العنف تستحق الدفاع الأخلاقي. لقد وصف ظاهرة، لا ليقدّسها، بل ليجعلها موضوعًا للتحليل والنقد. أما حين يتحول احتكار العنف إلى معيار الشرعية الوحيد، فإن الدولة لا تعود دولة حديثة، بل مافيا إجرامية.

يبدو الفرق هنا نفسيًا بقدر ما هو فكري عبدالله علي إبراهيم أقرب إلى المثقف الذي يعمل داخل دائرة الجدل العام والجمهور الثقافي الواسع، ويجد حيويته في الجوقة الفكرية التي تحيطه وفي الصراع الرمزي مع أقرانه داخل فضاء النخبة النيلية.

أما محمد جلال هاشم فشخصيته تميل إلى الاستقلالية الفكرية وإن ظلت تنتابه بعض النوبات العاطفية التي تمثلت في دعوته يومًا لتفكيك الخرطوم “طوبة طوبة”؛ فهو مفكر يفضل التميز والوقوف مع قناعاته الذاتية، حتى لو قاده ذلك أحيانًا إلى العزلة أو إلى حافة التوحد الفكري.

ختامًا، إن أكثر ما يثير الأسى في هذا الجدل هو تلك المقارنات السطحية التي تحاول اختزال المواقف في التموضع الجغرافي أو السياسي. الجغرافيا ليست معيار الضمير الإنساني، كما إن المنصة السياسة ليس سدرة منتهى الوطنية. المعيار الوحيد هو الموقف الأخلاقي. ولهذا فإن الرهان الحقيقي ليس على مواقع الأفراد، بل على قدرة المثقفين – مهما اختلفوا – على الالتحاق بالمهمة الكبرى: بناء وطن يعترف بتنوعه، وينصف مواطنيه، ويتصالح مع محيطه الجغرافي.

ولهذا فإن وضع محمد جلال هاشم في الخانة نفسها مع عبدالله علي إبراهيم — وإن كانا في منصة سياسية واحدة، على الأقل في الوقت الحالي — ليس مجرد خطأ تحليلي، بل تبسيط مخل يخلط بين مفكر يسعى إلى التوافق مع ضميره الذي يحرس مقاربته المؤسسية، وآخر يبدو أحيانًا أكثر انسجامًا مع ضرورات الامتياز، حتى لو كان ذلك في صحبة من يأنف من الاصطفاف معهم في الظروف الطبيعية.

‏March 5, 2026

auwaab@gmail.com

عن د. الوليد آدم مادبو

د. الوليد آدم مادبو

شاهد أيضاً

وفاة الدكتور آدم مادبو: دكتور آدم محمود موسى مادبو رمز النزاهة وأيقونة النضال الوطني

الدكتور آدم محمود موسى مادبو أحد أبرز رجالات الدولة السودانية في النصف الثاني من القرن …