يعلم النسر أن السماء لا تُفتح بالقوة وحدها. فالأجنحة، مهما اشتدت، لا تكفي لبلوغ الأعالي إن لم تُحسن قراءة الريح. لذلك لا يبدد النسر طاقته في كل لحظة، ولا يستجيب لكل هبة هواء، بل ينتظر التيار الصاعد الذي يحول الطيران إلى تحليق، والارتفاع إلى سيادة على المشهد.
وهنا يكمن الدرس الذي لم تستوعبه النخب السودانية بعد.
ففي لحظات الانكسار الوطني تتكاثر القوى، وتتعاظم الخطابات، وتعلو الأصوات، لكن يندر وجود من يمتلك حكمة الزمن. لقد أُديرت الأزمة السودانية، في كثير من تجلياتها، بعقلية الاستجابة للحظة لا بعقلية صناعة اللحظة؛ بعقلية رد الفعل لا هندسة المآل. ولذلك ظل الفاعلون يدورون داخل الأزمة بدل أن يدوروا حولها من علٍ.
إن أخطر أوهام السياسة هو الاعتقاد بأن امتلاك القوة يعني امتلاك المستقبل. فالقوة، إذا انفصلت عن التوقيت، تتحول إلى استنزاف؛ وإذا انفصلت عن الرؤية، تصبح مجرد قدرة على إطالة الصراع. والتاريخ لا يتذكر الأقوى دائماً، بل يتذكر من عرف متى يتحرك، ومتى ينتظر، ومتى يحول الانتظار نفسه إلى فعل استراتيجي.
ومن هنا يبرز مفهوم التحليق المؤجل؛ وهو ليس تأجيل القرار خوفاً أو تردداً، بل تأجيله حتى تنضج شروطه التاريخية. إنه القدرة على مقاومة إغواء اللحظة والانتصار على نزعة الاستعجال السياسي. فبعض الهزائم جاءت لأن أصحابها استعجلوا النصر، وبعض الفرص ضاعت لأن أصحابها ظنوا أن الزمن يعمل لصالحهم بلا حساب.
ويقابله مفهوم التموضع الزمني؛ أي القدرة على اختيار الموقع الصحيح داخل حركة التاريخ. فالفاعل الناجح ليس من يسبق الزمن فيُستنزف، ولا من يتأخر عنه فيُقصى، بل من يتموضع عند النقطة التي يلتقي فيها الممكن بالضروري، والواقع بالمأمول.
ولعل مأساة السودان تكمن في فائض الفعل ونقص التوقيت؛ في كثرة الأجنحة وندرة النسور. فالبلاد لم تكن تفتقر إلى أصحاب الإرادة بقدر ما افتقرت إلى من يملكون فضيلة الانتظار الاستراتيجي، وإلى من يدركون أن بناء الدول لا يتم تحت إكراه الانفعال، وإنما تحت هداية الرؤية.
إن الأمم لا تصنعها لحظات الغضب، بل لحظات البصيرة. وما يحتاجه السودان اليوم ليس مزيداً من المعارك حول من يملك القوة، وإنما حوار عميق حول من يملك القدرة على إدارة الزمن السياسي نفسه.
يا صقور الجديان، تذكروا أن النسر لا يحلق عالياً لأنه الأقوى، بل لأنه الأقدر على قراءة السماء. وكذلك الأوطان لا تنهض بكثرة الفاعلين، وإنما بوجود من يجمع بين التحليق المؤجل والتموضع الزمني؛ بين حكمة الانتظار وشجاعة الفعل، وبين إدراك اللحظة وصناعة المستقبل.
ففي السياسة، كما في الطيران، ليست العبرة بمن يرفرف أولاً، بل بمن يبلغ الأعالي ويبقى فيها
habobsalah@gmail.com
