بقلم : تاج السر عثمان
1
أشرنا سابقا الي مقدمات دخول الفكر الاشتراكي والماركسي والفكر الديمقراطي المستنير السودان، وتواصل انتشاره الي أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها ، واتسع دخوله في السودان، وخاصة بعد هزيمة النازية والفاشية، وظهور المعسكر الاشتراكي ، وانتشار حركات التحرر الوطني وسط شعوب المستعمرات للمطالبة بتقرير المصير والاستقلال، علي سبيل المثال : يصف عبد الخالق محجوب تجربته في التوصل للماركسية في دفاعه أمام محكمة ديكتاتورية عبود أوضح الشهيد عبد الخالق محجوب كيف توصل إلي فهم ظاهرة الاستعماروالماركسية بقوله :
” كنت سعيدا حينما عثرت على كتاب عند صديق ، كتاب بسيط في طباعه متواضعة اسمه ” المشكلة الوطنية ومشكلة المستعمرات ” بقلم جوزيف ستالين. هنا لمحت الحل ووصل إلى رد حاسم لتساؤلي ، فعرفت كنه الاستعمار، وأنه لا يعني فقط احتلال الجنود لبلادنا ، بل يعني سيطرة رأس المال الأجنبي على مقدرات وطننا ، وأن هذا الأخطبوط من شأنه أن يحيط نفسه بطبقات من داخل البلاد بوساطة بنوكه وشركاته ، طبقات تشمل الإقطاعيين وكبار الرأسماليين ، وأن هذه المصالح هي التي تحرك تلك الطبقات وتقتلع جذورها من أرض الوطن . وكانت تلك الأفكار النيرة فاتحة لنافذة كبرى نطل بها على العالم ونتبصر بها طريق حركتنا الوطنية ، وقد تداول هذا الكتاب وقتها عشرات من الطلبة كل يتطلع لايجاد حل لمشاكل الحركة الوطنية السودانية ويتلمس فيه أنجع الطرق لحرب المستعمرين وتحقيق الحرية والاستقلال . ومنذ ذلك التاريخ وأنا أتطلع كل صباح لمعرفة المزيد من النظرية الماركسية اللينينية التي أتخذتها منهجا لحياتي محاولا تطبيقها على ظروف بلادنا وفق تقاليدنا السودانية وماتتطلبه مصالح شعبنا الحقيقية ـ إن تاريخ حياتي يؤكد بما لا يدع مجالا للشك إنني لم أطرق باب الماركسية جريا وراء نفع شخصي أو غرض زائل بل وراء البحث المخلص الأمين لوسائل تحرير الوطن من نير المستعمرين والمساهمة في بناء جمهورية سودانية مستقلة حقا ينعم فيها أبناء الشعب بخيرات بلادهم .
واليوم عندما أنظر من وراء هذه الســــــــنوات الطويلة أشعر بالسعادة والفخـــــــر بفكر تقبلته مختارا وبمنهج سلكته عن اقتناع تام وأرتاع لمجرد التفكير في أنني لو لم أكن شيوعيا ماذا كنت أصبح ؟
أنني لم أصل إلى النظرية الماركسية اللينينية عبر طريق النضـــــــال السياسي وحسب، رغم أن هذا وحده يكفي ، ولكني توصلت إليها في بحثي وراء الثقافة التي تنسق عقل الانســــــــان ووجدانه وتباعد بينه وبين التناقضات العقلية والعاطفية التي عاشها جيلنا”.
“راجع: دفاع عبد الخالق محجوب في كتاب: ثورة شعب، اصدار الحزب الشيوعي السوداني، 1965 “.
اضافة لما أورده عبد الخالق عن دخول الفكر الماركسي والاشتراكي في السودان خلال سنوات وبعد الحرب العالمية الثانية – عن وصول مؤلفات اشتراكية باللغة الإنكليزية عن الحياة في بلاد الاشتراكية ، وعن قيم الماركسية . ( لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي ) .
2
- كما جاء في مذكرات عباس على ” نتيجة لدخول الاتحاد السوفيتي الحرب ضد الفاشية والنازية توقفت الدعاية المعادية للشيوعية والتي كان ينشرها الاستعمار قبل ذلك . كما بدأت الكتب الماركسية واليسارية تدخل البلاد عن طريق جنود الحلفاء ( من إنجليز وغيرهم ) ، وساعد أيضا وجود عناصر يسارية في حزب العمال البريطاني الذي وصل إلى الحكم بعد الحرب ، إلى دخول كثير من المؤلفات اليسارية ( Left Book Club Series ) ونتيجة لتلك المؤثرات تكونت الحلقات الأولى للحركة السودانية للتحرر الوطني ( الشيوعي 152 ) .
ويواصل عباس على ويقول : ً الكتب الأساسية التي كانت تدرس للأعضاء الجدد هي : تطور المجتمع – الاقتصاد محرك للتاريخ – المادية الجدلية – المادية التاريخية ( وهما من تأليف ستالين ) – محاضرة عن الدولة والثورة – فائض القيمة – رأس المال والعمل المأجور ً . ويواصل عباس ويقول : ً كانت جرأة أعضاء الحزب وحماسهم وإقدامهم الذي يغذيه باستمرار نضالات الحركة الثورية وقصص البطولات في الحرب ضد الهتلرية في الاتحاد السوفيتي وقصص المقاومة الفرنسية وفي يوغسلافيا واليونان ، كل ذلك كان مضرب المثل في المجتمع السوداني مما جذب أعدادا متزايدة على الدوام من العناصر الشبابية إلى الحزب أو مؤتمر الطلبة أو اتحاد الشباب .. ً (مجلة الشيوعي 152 ) . - جاء في مذكرات الجزولي سعيد عن الكتاب الماركسي عام 1946: ٍ نحن رأينا الكتاب الماركسي لأول مرة عند هاشم السعيد أعني مجموعتنا ( كانت تضم جمبلان ، محمد عثمان جمعة ، محي الدين محمد طاهر ، الجز ولي سعيد ) . وهاشم أتى به من مصر عن طريق حامد حمداى ، كانت كتب صغيرة مطبوعة في دمشق ، أذكر من بين الكتب : أسس اللينينية ( لستالين ) ، وكتب أخري مترجمة : المسألة الوطنية- لستالين ، حرب البترول في الشرق الأوسط لراشد البراوي ، وعموما كانت الكتب المصرية تجئ إلينا ( الشيوعي 150 ) .
- اما عبد الماجد أبو حسبو في مذكراته فيقول: ٍ في أواخر القرن التاسع عشر هاجر كثير من الطلبة المصريين إلى أوربا وبقية العالم ، وهناك تأثروا بالأفكار اليسارية : سلامة موسى ( الفابيانز ) ، عصام الدين حفني ناصف ، محمد حسين هيكل ، محمد فريد . هاجر الطلبة السودانيون ما قبل وبعد الحرب العالمية الثانية من أجل العلم إلى مصر ، وهناك تأثروا بالأفكار اليسارية ، خلال وقبل الحرب العالمية الثانية انتشر الفكر اليساري في مصر ، نتيجة لتوافد أعداد كبيرة من اليساريين الأوربيين الذين ساقتهم الجيوش – جيوش الحلفاء إلى مصر – التي كانت من أهم الجبهات الحربية في الحرب ( فرنسيين – طليان – يونان – إنجليز ) .
يواصل أبو حسبو ويقول : ً لقد كنا ، محمد أمين حسين المحامي ، وعز الدين على عامر ، وعبد الوهاب زين العابدين وشخصي أول من دخل الحركة الشيوعية من الطلبة السودانيين بمصر ، وهنا تكونت أول خلايا سودانية شيوعية في مصر ، كان ذلك سنة 1945 ، وكنا جميعا طلبة في الجامعة ، عدا محمد أمين حسين الذي كان قد تخرج في كلية الحقوق ، وعن طريقنا توافد عدد غير قليل من الطلبة السودانيين إلى الحركة الشيوعية ، الذي قادنا إلى ذلك عبده دهب الذي كان يعمل مشرفا للنادي الإيطالي ، واثناء عمله بالنادي جنده أحد الشيوعيين الإيطاليين ثم تحول إلى ( ح . ت . م ) إحدى المنظمات الشيوعية المصرية ( مذكرات أبو حسبو ، الجزء الأول ، دار صنب للنشر ، فبراير 1987 . ) .
نواصل
alsirbabo@yahoo.co.uk
