دكتور الوليد آدم مادبو
في مثل هذا اليوم، قبل خمسة عشر عامًا، ارتفع علم جنوب السودان فوق أرضٍ طالما ارتوت بدماء أبنائها. لم يكن ذلك مجرد إعلانٍ لميلاد دولة جديدة، وإنما كان تتويجًا لمسيرةٍ طويلة من التضحيات، وحلمًا راود أجيالًا من الرجال والنساء الذين آمنوا بأن الحرية ليست منحةً من أحد، وإنما حقٌ يُنتزع، وأن الكرامة الوطنية لا تُشترى ولا تُستعار.
ولهذا، فإنني أتوجه بخالص التهنئة إلى شعب جنوب السودان في ذكرى استقلاله، فذلك الاستقلال حقٌ تاريخي لا يجوز لأحد أن ينازعهم فيه، ولا ينبغي لأي قراءةٍ لاحقة أن تقلل من قيمته أو من عدالة المطالبة به. فالشعوب التي تناضل من أجل أن تكون صاحبة القرار في وطنها تستحق الاحترام، حتى وإن أخطأت بعد ذلك في إدارة دولتها.
لكن هذه التهنئة تحمل في طياتها عزاءً صامتًا.
ليس لأن الاستقلال كان خطأً، بل لأن كثيرًا من الأحلام التي حملها الآباء المؤسسون والمناضلون الحقيقيون لم تجد طريقها إلى الواقع. فقد تبدلت الرايات، وتغيرت الحدود، غير أن الإنسان البسيط ظل يحمل الهموم نفسها، وربما أثقل. وما كان مأمولًا أن يكون بدايةً لعهدٍ من العدالة والرخاء، أصبح، في كثيرٍ من جوانبه، استمرارًا لمأساةٍ قديمة بثوبٍ جديد.
وأنا أطالع كتاب The Struggle for South Sudan، استوقفتني عبارةٌ كتبها مؤلفه في الإهداء Gordon Mourdat Mayrn يقول فيها:
“A million patriotic years separate us from the Arabs forever!”
عبارةٌ موجعة، لا بسبب حدتها، وإنما بسبب ما تختزنه من تاريخٍ طويل من الخذلان. لم يؤلمني صدقها الوجداني، فالغضب ابنُ التجربة، والشعور الإنساني لا يُناقش بمنطق المحاكم. وإنما آلمني أننا نحن، بسياساتنا، وبضيق أفقنا، وبعجزنا عن بناء دولةٍ تتسع للجميع، أوصلنا إخوتنا إلى لحظةٍ بدت فيها هذه الكلمات، في وجدان أصحابها، تعبيرًا صادقًا عن واقعهم.
لقد ظللنا، لعقودٍ طويلة، نتجادل حول سؤال الهوية، بينما كان السؤال الحقيقي هو سؤال الدولة. انشغلنا بمن نحن، ولم نسأل أنفسنا يومًا: كيف ينبغي أن نحكم أنفسنا؟ وبدلًا من أن نبني دولةً تقوم على المواطنة المتساوية، بنينا دولةً تقوم على الامتيازات، وعلى احتكار السلطة والثروة، وعلى تحويل الانتماءات الثقافية والدينية إلى أدواتٍ للهيمنة السياسية.
ومن هنا، فإنني لا أرى أن مأساة السودان بدأت مع الإسلاميين، ولن تنتهي برحيلهم وحدهم. فالاختلاف بينهم وبين غيرهم، في تقديري، كان اختلافًا في الدرجة أكثر منه اختلافًا في النوع. فمنذ الاستقلال، ظلت أقليةٌ عرقية متمركزة حول الدولة تستعين، تارةً بالفكر العروبي، وتارةً بالفكر الإسلامي، وتارةً بهما معًا، لتضفي على سلطتها شرعيةً أيديولوجية، بينما بقي جوهر المشروع واحدًا: احتكار الدولة وإقصاء بقية السودانيين.
ولم تكن النتيجة سوى أن أخذ السودان يتآكل من أطرافه. فكلما ضاقت الدولة بمواطنيها، اتسعت المسافة بينهم وبينها، حتى صار الانفصال، بالنسبة إلى كثيرين، أقل كلفةً من البقاء.
غير أن المأساة لم تتوقف عند حدود الانفصال.
فالدولة الجديدة، وهي تخرج من رحم الدولة القديمة، حملت، من حيث تدري أو لا تدري، كثيرًا من جيناتها. خرجت من هيمنة المركز في الخرطوم، لكنها لم تتحرر من منطق الدولة الريعية، ولا من عسكرة السياسة، ولا من الشخصنة، ولا من احتقار المؤسسات.
وما نشهده اليوم في جنوب السودان ليس فشل شعب، وإنما فشل نموذجٍ في الحكم.
فما تزال السلطة، إلى حدٍ بعيد، محتكرة داخل دائرةٍ أوليغارشية عسكرية تعتمد على الريع النفطي أكثر مما تعتمد على الإنتاج، وعلى الولاءات الشخصية أكثر مما تعتمد على القانون، وعلى القرابة أكثر مما تعتمد على الكفاءة. ولم تنجح الدولة في بناء مؤسساتٍ مستقلة للمحاسبة والشفافية، لأن المؤسسة، في الأصل، لم تُمنح فرصةً لتولد؛ إذ بقيت الدولة تُدار، في كثيرٍ من الأحيان، بعقلية الأسرة النافذة، لا بعقلية الجمهورية الراشدة.
ومن المؤسف أن النخبة العلمية الجنوبية، التي كان يُنتظر منها أن تكون رافعةً لبناء الدولة، كثيرًا ما وُضعت على هامش القرار، لأن الاستبداد بطبيعته لا يطمئن إلى العلماء، ولا يحب من يذكّره بحدود سلطته، أو يفضح جهله، أو يكشف فساد أجهزته.
ولم تتحول عائدات النفط، كما حلم الناس، إلى مدارسٍ ومستشفياتٍ وجامعاتٍ وطرقٍ ومشروعاتٍ إنتاجية، وإنما تحولت، في كثيرٍ من الأحيان، إلى قصورٍ وفيلاتٍ وحساباتٍ مصرفية في عواصم شرق أفريقيا، بل وحتى في الولايات المتحدة وكندا. وكأن الثروة لم تكن ملكًا لشعبٍ بأسره، وإنما غنيمةً لفئةٍ قليلة.
غير أن الإنصاف يقتضي أن نقول إن هذه ليست مأساة الجنوب وحده.
فلو نظرنا إلى شمال السودان، أو إلى غربه، أو إلى شرقه، لوجدنا العقلية نفسها، وإن اختلفت الشعارات. فالدولة الريعية واحدة، والاستبداد واحد، واحتقار المؤسسات واحد، وتقديم الولاء على الكفاءة واحد. وما دام النموذج واحدًا، فإن النتائج، مهما اختلفت الجغرافيا، ستظل متشابهة.
ولهذا، كلما تقدمت بنا السنوات، ازددت اقتناعًا بأن الدكتور جون قرنق كان يرى ما لم يره كثيرون. فقد كان يدرك أن أزمة السودان ليست أزمة هوية، وإنما أزمة دولة. لم يكن حلمه الحقيقي انتصار الجنوب على الشمال، وإنما انتصار مشروع الدولة الحديثة على الدولة التقليدية، وانتصار المواطنة على الامتيازات، والمؤسسات على الأشخاص، والتنمية على الشعارات.
لقد كان يؤمن بأن مصير السودانيين واحد، وأن ما يجمعهم ليس العرق، ولا اللغة، ولا الدين، وإنما المصلحة المشتركة في بناء دولةٍ عادلة. ولو نجح ذلك المشروع، لربما أصبحت الوحدة خيارًا طبيعيًا، لا عبئًا سياسيًا.
ولعل أكثر ما رسخ هذا اليقين في نفسي هو ما رأيته في حياة الناس اليومية. فقد نظرت في أحوال زملائي وأصدقائي من أبناء جنوب السودان، من أكاديميين وموظفين وعمال، فوجدتهم يشكون من العلل نفسها التي نشكو منها نحن: فساد الإدارة، واستبداد السلطة، وتراجع الخدمات، وضيق الأفق السياسي. بل إن مربيتي، وهي من أهلنا الشلك، ومعها أهلها، يعيشون اليوم، كما يعيش كثير من أهلي، مرارة النزوح والتشرد والاقتلاع من الديار.
حينها أدركت أن المأساة لم تكن شماليةً ولا جنوبية، ولم تكن عربيةً ولا أفريقية، ولم تكن إسلاميةً ولا مسيحية. كانت، في جوهرها، مأساة غياب التفكير الموضوعي، والعقل العلمي، والمؤسسات الرشيدة.
فهل تكون الذكرى الخامسة عشرة مناسبةً للتأمل في مآلات الأمور، لا لإحياء الخصومات القديمة؟
لقد اتضح، بعد كل هذه العقود، أن مصدر العطب لم يكن التنوع، وإنما الطريقة التي أُدير بها ذلك التنوع. ولم تكن المشكلة في الهوية، وإنما في تحويل الهوية إلى مشروعٍ للهيمنة. ولم تكن الأزمة في اختلاف الثقافات، وإنما في غياب الدولة التي تعامل الجميع باعتبارهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
ولذلك، فإن المستقبل، إن كان للسودان الكبير مستقبلٌ مشترك، لن يُبنى على الحنين، ولا على الخطابات العاطفية، وإنما على إعادة تأسيس العلاقة بين شعوبه على قاعدة المصلحة المشتركة، والتخطيط الاستراتيجي، والتنمية المتوازنة، ونظامٍ فدرالي علماني يجعل الوحدة، إن اختارتها الشعوب يومًا، خيارًا حضاريًا حرًا، لا واجبًا تفرضه القوة أو الأيديولوجيا.
وفي هذه المناسبة، أجدد تهنئتي الصادقة لشعب جنوب السودان باستقلاله، فذلك الاستقلال كان ضرورةً تاريخية فرضها ظلمٌ تاريخي. غير أن الاستقلال الدستوري لا يكتمل إلا باستقلالٍ سياسي يحرر الدولة من الاستبداد، واستقلالٍ اقتصادي يحررها من الريع، واستقلالٍ مؤسسي يجعل القانون فوق الأشخاص، والوطن فوق القبائل، والمواطن فوق السلطة.
ذلك هو الاستقلال الذي حلم به الآباء المؤسسون والمناضلون الحقيقيون.
وذلك هو الاستقلال الذي ما يزال ينتظر جنوب السودان. ولعل الغرب والشمال والشرق، هو الآخر، ما يزال ينتظره.
auwaab@gmail.com
