في ذكرى شعلة النِّضال ومنارة الحريَّة: يوسف كوَّة مكِّي .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
بادئ ذي بدء، كان يوسف كوَّة مكِّي متزمِّتاً في قضيَّة النُّوبة وهُويَّتهم، وكانت له عاطفة جيَّاشة، وأسلوب فريد في الحوار والإقناع، وبصيرة نافذة، وحكمة راجحة. وفي القول المأثور: “الحكمة تتبرَّر بأعمالها”، أي تتبرَّر أو تتبرهن فاعليتها حين تبرز أفضل ما في شخصيتنا، حتى يمسي الحكم على الأفعال بنتائجها لا بصورتها ومراميها. فلم يعتل يوسف ما اعتلاه من القيادة الرَّائدة من قيمة الدَّم والنَّسب، أو ما يجنيه البعض من توارث المكانة الاجتماعيَّة بعيداً عن المعايير الموضوعيَّة من كفاءة شخصيَّة أو قيمة أخلاقيَّة، بل كان أهلاً لذلك. هكذا نجد أنَّ الميزات إيَّاها هي التي أهَّلته أن ينال إعجاب النُّوبة على وجه الخصوص، وأهل السُّودان بشكل عام. ولعلَّ الخصال، التي ذكرناها لكم آنفاً، لا تتَّسع أن تتوفَّر إلا في شخصيَّة ذات فضيلة، وهي ثمرة من الأثمار المرغوبة في الرِّجال العظام. ولا ريب في أنَّ الحديث المقنع يعتبر أعظم إنجاز من التفكير المجرَّد الحاد، لأنَّ التفكير ينتهي بصاحبه في نفسه لنفسه؛ أما الكلام المسموع فإنَّه ليصل بعيداً، ويفيد أولئك وهؤلاء الذين يتشاركون في نفس المجتمع. والناس يُعرَفون – إلى حدٍ بعيد – بالطريقة التي بها يتحدَّثون. ومن مميّزات القائد الناجح هو الاستفادة من الناس الأفاضل والجديرين، وأن ينشرح صدره للآراء المتباينة، وينشد العدالة والمساواة والسَّلام، وأن يعطي الشَّعب ما يريد. إذاً، من هو يوسف كوَّة مكِّي؟
كان الجيش الشعبي لتحرير السُّودان – وما يزال – يعتمد كليَّاً على الأسلحة التي أمسى يغتنمها من جنود الحكومة السُّودانيَّة وميليشياتها المسلَّحة. ففي إحدى المعارك هزم الجيش الشعبي قوات النِّظام الخرطومي، واستولى على طوف عسكري كان مكوَّناً من أربع سيَّارات “تويوتا بيك أب”، وهي كانت محمَّلة بقطع مدافع صغيرة مثبَّتة في الخلف. إذ ذهب القائد يوسف مع بعض ضباطه ليتفقدون هذه الغنائم، فإذا هم يكتشفون أنَّ أفراد الجيش الشعبي قد قطَّعوا إطارات هذه المركبات إلى قطع ليصنعوا منها أحذية “تموت تخلي”، ومن ثمَّ أمست هذه العربات عديمة الجدوى، وبعدئذٍ تمَّ حرقها حتى لا تستطيع جنود النِّظام إعادة امتلاكها واستخدامها. كان يوسف يحكي هذه الحكاية بشيء من اليأس والتسلية معاً. وقد ظل – وما يزال – الهدف من الحرب من جانب الجيش الشعبي لتحرير السُّودان هو تدمير ماكينة الدولة الغشوم؛ أما من جانب الحكومة فإنَّها كانت – وما تزال – ترى بأنَّ لها الحق كل الحق في قتل المدافعين عن أنفسهم في مناطقهم التي فيها تدور دائرة الحرب. لذلك كان إذا وضع جند النِّظام سلاحهم واستسلموا، لا يصبحون أعداءً بعدئذٍ، بل مجرَّد مواطنين سودانيين ينبغي حفظ أرواحهم، لذلك كان هناك أسرى من قوات النِّظام وميليشياته لدي الجيش الشعبي لتحرير والسُّودان، بينما بالكاد لا تستطيع أن تجد أسيراً واحداً من الجيش الشعبي في سجون حكومات السُّودان. وحينما طلبت الحركة الشعبيَّة بتبادل الأسرى لم تستجب الحكومة السُّودانيَّة لذلك الطلب لعدم وجود أسرى عندها. أفلم يصرِّح الوالي السابق لولاية جنوب كردفان أحمد محمد هارون لوسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمنظورة وهو يخاطب جنده بأنَّه لا يريد أسرى، ولا يريد أعباءً إداريَّة، بمعنى تصفية الأسارى. وإذا كانت الحكومة لا تدِّخر حياة المتعاطفين مع الحركة الشعبية لتحرير السُّودان، ولا حتى المشتبه فيهم، فما يدريك بأولئك وهولاء الذين يأسرون في الحروب، برغم من أنَّ معادة جنيف تحث على صيانة أرواح الأسرى والاعتناء بهم.
والسَّلام عليكم،،،
لا توجد تعليقات
