اسماعيل ادم محمد زين
فقدت البلاد احد بنيها الافذاذ وهو عمار عبدالوهاب موسي وهو فنان تشكيلي، يحب الرسم و يعشقه! لم يتخرج في كلية للفنون و لكنها موهبة قام بتطويرها،فجاء إليه طلاب الكلية ليتدربوا معه. وهو يقوم بخدمتهم حبا وولعا.. بالفنون والالوان..
ذهبت إليه لتصميم غلافا لكتاب قمت والصديق ابراهيم خالد بترجمته و قد ساعدنا فيه اخرون،فلهم الشكر،طلب عمار نبذة عن الكتاب و محتواه ،حتي يقوم بتصميم الغلاف! فجاء التصميم ذكيا و معبرا…
فانا لله واليه لراجعون…فقد كبير ليس لأهله و لكن للبلاد بأسرها،فقد كان مبدعا و شغوفا بالفنون بالرسم و التشكيل و صناعة الافلام و الكتب! كان علي خطي والده المخترع عبدالوهاب موسي ،عليهما الرحمة والمغفرة ،فقد غادرا خفافا…و تركا وراءهما عالما ليس لهما فيه هباءة!
عرفتهما كليهما فقد كان الابداع يقودهما لما ينفع الناس وكل بالطريق الذي اختاره! عبدالوهاب موسي ،اختار معافرة الحديد و تطويعه لخدمة الناس ،كل الناس! و بعضهم يسأل “عبدالوهاب موسي ،عمل لناس دلقا شنو؟” لقد عمل الكثير! و لكن الناس لا تعلم صنيعه! ابتكر و صمم و صنع قلاعة للقطن! ولما كان القطن يزرع جماعة في الحفرة،لم تقوي قلاعته علي نزعه! فقام بتصميم و تطوير و تصنيع زراعة للقطن ،لتضع البذور واحدة..واحدة..حبة أثر حبة! لينمو نبتة.. نبتة. ومن ثم لتعمل فيه قلاعته و نزعه من جذوره…
صمم وصنع مكنة الكسرة..و وضع لها شعارا ،خفيفة نظيفة رهيفة لم ينافس بائعات الكسرة و لكنه ضمهن في مشروعه الكبير…فصنع لهن طاولات جميلة ،تزينها خلفية قد تكون من رسم عمار! وهو طبق ،الطبق الملون الجميل..و تري بائعة الكسرة تضع انتاجها بجنب انتاج المصنع! وكلها تذهب في أيادي المشترين و الجميع رابح ،كاسب!
اراد راحة المراة و في ذهنه عمات و خالات و أخوات يكابدن رائحة دخان الحطب في التكل و الحر ومعاناة انتاج الكسرة! طرقة..طرقة..فقام ابن دلقا النجيب بتصميم و تصنيع و تطوير مكنة متينة و جميلة لتصنيع الكسرة الرهيفة! فجاءت رهيفة و نظيفة و خفيفة! دون دموع أو عرق ادو تعب..إذ الصاج عبقري في فكرته! أسطوانة يتم تسخينها بتسليط نيران الغاز بداخلها و ينزل العجين المخمر من فتحة اسفل الاناء لينزل علي الاسطوانة الجاهزة تمسحها معراكة بطول الاسطوانة! وهي مشبعة بذات المواد التي تضعها الامهات و الاخوات بدلقا! فقد كانت دلقا امامه! وما كان لأحد في العالم ان يعرف سر تلك المادة..وهي الطايوق مع الزيت! ولا افضل منه!
ورث عمار مكتب ابيه و معه السكرتيرة التي كانت تعمل مع والده..لم يأتي بغيرها! كما يفعل اخرين! و ظلت تعمل ،يعرفها المكتب و تعرفه و تحسن التعامل مع رواده…
أخبرني عبدالوهاب بأن ابنائه لا يرغبون في نشاطه و هو الاختراع و الابتكار و كذلك البنات ،فلهم همومهم و أنشطتهم! فقد كان عبدالوهاب متمردا علي القديم في السياسة كما في المعدات و يرغب في تطويرها،لذلك انشق من حزب الازهري مع صديقه محمد توفيق..ليعملا في بناء حزب جديد و كان له عمودا صحفيا! مبتكرا و بديعا ترسخه الرسوم البيانية ولغة رصينة متينة! كتب ناقدا استخدام كلمة طرح و مشتقاتها من قبيل هذا الطرح والطرح هو المتساقط من جني النخل أو التمر! إذ نقول طرحت الماعز! عندما تلد خداجا !وهو يعتقد في عدم ملاءمتها و سؤ تلميحها!فعمل علي تشريحها…فقد كان ذكي الفؤاد ،سبق عصره،اذ أقدم علي الاستقالة راكلا وظيفته نائبا لمدير مكتب العمل بالخرطوم و كان رئيسه محمد توفيق اقبل لوقوفه ضد ترحيل اهالي حلفا..وبدلا من تسليم الوظيفة لعبدالوهاب..وضع ضابط جيش علي رأسه و ترك الخدمة في زمن لم يكن القطاع الخاص مطروقا! وانشأ مكتبا للاستشارات ،فعمل علي تطوير الصناعة في البلاد و كذلك الزراعة ،اذ ساهم في استجلاب دعم خارجي لبعض التجار و رجال الاعمال عند اقدامهم علي إنشاء مشروع السليت الزراعي في جهة بحري!
عند دخولك مكتب عمار و الذي كان مكتبا لعبدالوهاب ،تجد لافتة صغيرة الابداع يسارك ،تكاد لا تري! إذ الابداع لا حاجة له الي لافتة كبيرة! و تواجهك رسمة تكاد تخرج من الجدار في بعد ثالث جميل! ويحدثك عن مشاريعه و عن الافلام ، حتي في انتاج الدعاية كان مختلفا..عندما سطت شركة تعمل في بيع الشاي أبو غزالتين قامت شركة أخري واطلقت علي انتاجها شاي………،وجاء الفيلم القصير،لتري لصا و هو يتسلل يحمل مصباحا و سلما و لافتة تحمل دعاية للشاي المنافس! وصعد اللص ليعلق اللافتة و هي تتأبي الثبات! يحاول و اللافتة تتملص و ترفض التعلق! فما كان من اللص ،ألا و هو يعمل في اللافتة تمزيقا و تقطيعا وهو يتمتم “بلا شاي الهنايتين و إلا شاي..الغنمايتين..” كان الرسم جميلا و معبرا و قصيرا! من الشعب الممتنع.
ismailadamzain@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم