اتضح جلياً خلال فترة الانتقال أن جل ممارسة الأحزاب السياسية تنظيمياً كان منصباً فيما يمكن تسميته ” ((الديموقراطية الإجرائية)) دون اهتمام بالديموقراطية كثقافة وسلوك ومبدأ وقيّم. ونقصد بالديموقراطية الإجرائية” الاحتفاء بالجانب الشكلي والمظهري من الديموقراطية مثل الانتخابات، الاجراءات، الأحاديث العامة؛ دون التركيز على جوهر الديموقراطية.
وبالتالي ممارستها، ويأتي اكتساب ثقافة الديمقراطية بالتعلم، والتدريب، وقبول قضايا التنوع الثقافي والعرقي والديني والنوعي، وبالتالي احترام الاختلاف دون الوقوع في أفخاخ الشخصنة، أو القبلنة، والجهونة. وبلا شك فلكل القوى السياسية مكاتبها القيادية ومجالسها المركزية، إلا أنها تهمل ممارسة الديموقراطية وثقافتها في إدارة الخلافات في داخلها وفيما بينها، ويتجلى ذلك عند بروز أي خلاف على منعطف طريق السياسة من جهة، وفي طبيعة كوادر هذه الأحزاب المدجنة، حيث تفتقر كثير من العناصر الحزبية إلى امتلاك عقل نقدي مستقل.
وفي كثير من الأحيان تتحول إلى مسخ مشوه ونسخ مصغرة من قيادات كياناتها، أو تتحول إلى جوقة تردد ما يقوله القادة، بل تعتبره منزهاً عن كل عيب.
لقد أصاب الأحزاب السياسية العجز التام، وفشلت في الاستفادة من أجواء الحرية التي وفرتها ديسمبر المجيدة، فاستمرت في ممارساتها القديمة، وبذات العقلية الموروثة.
بقراءة التاريخ بدون قدسية نخلص إلى سقوط قادة كبار في امتحان الديموقراطية؛ بعد أن أصدرت الجمعية التأسيسية قرارات قضت بطرد نواب “الحزب الشيوعي السوداني” من الجمعية التأسيسية في ٢٥ نوفمبر ١٩٦٥، وحل الحزب، وتعديل الدستور؛ على خلفية أحداث معهد المعلمين، وإساءة أحد الطلاب إلى السيدة عائشة رضي الله عنها، ونسب الطالب للحزب رغم تأكيد الشيوعيين بعدم انتماء الطالب شوقي لهم، وحتى لو كان عضواً فهو يعبر عن نفسه لأنه ليس ناطقاً باسم حزب،
استغل الأخوان المسلمون الحادثة للتأليب ضد الحزب الشيوعي، وقادت التيار الدكتورة سعاد الفاتح، وسارت المسيرات نحو دار إسماعيل الأزهري الرئيس السيادي، الذي انتهاك صلاحيات البرلمان ودعاه لحل الحزب، فيما وجد الدكتور حسن الترابي الفرصة مواتية للتشفي والانتقال والصيد في الماء العكرة حين قال” نحن لا نطالب بحل الحزب الشيوعي لأنَّ طالباً أساء للنبي، ولم تكن تلك عاصفة هوجاء، فما قاله الطالب ثمرة لشجرة خبيثة زرعت في هذه الأرض، هى الشيوعية.
ولقد طالب الشعب بحل الحزب لأنه حزب بلا إيمان بالله ).من الطبيعي أن يقف الترابي ضد المبادئ الديموقراطية، لكن كانت المأساة في وقوف الأزهري والسيد الصادق المهدي، ويستمر السقوط في الديموقراطية بعد أن شارك الحزب الشيوعي في انقلاب جعفر نميري في ٢٥ مايو ١٩٦٩.لم تفكر القوى السياسية في استغلال مساحات الحرية التي توفرت بعد الحادي عشر من أبريل ٢٠١٩ في بناء قواعدها وتقوية تنظيماتها، والانتقال الى الأحياء والقرى، وبناء قواعد اجتماعية وحواضن شعبية، وتأسيس دور في القرى النائية، والمدن الصغيرة مع أن ثورة ديسمبر التي لم تكتمل كانت أكثر قوةً وصخباً خلال حراكها ومواجهة النظام القمعي. إلا أنها أقل الحقب الزمنية التي تخلت فيها القوى السياسية عن وسائلها للتواصل مع الجماهير مثل تنظيم ليالي سياسية وثقافية حتى في داخل العاصمة الخرطوم، كما أهملت كادرها، الافتقار لحلقات الفكر والتوعية، والتدريب السياسي والأمني، والمهني، من خلال البعثات العلمية والمنح الدراسية لبناء كوادر مهنية مؤهلة لإدارة الدولة ،
لم تستغل فرص انتشار منظمات مجتمع مدني لتقديم جرعات للتدريب التنظيمي والإعلامي للكوادر وتهيئتهم للعمل السياسي والتنظيمي والتنفيذي.ومع ذلك لا يمكن الحديث عن ديموقراطية بدون وجود أحزاب سياسية، أو كيانات منظمة،
وفي ذات الوقت؛ ليس بالضرورة أن ينتمي كل فرد في المجتمع لحزبٍ سياسي، فالأحزاب لا هي مثلها مثل أي مؤسسة يؤدي أفرادها مهامها المحددة وعلى الآخرين دعم من يرونه معبراً عن هم، فللحزب عضويته، ثم قاعدته الجماهيرية ثم شعبيته، فهي عناصر تحديد مدى تأثير كل حزب داخل الفضاء العام.
السليك
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم