زهير عثمانبعض الناس يرحلون فتغيب أجسادهم، لكن أصواتهم تظل تتردد في الذاكرة، وكلماتهم تبقى حاضرة في المجالس والكتب ووجدان التلاميذ
ومن هؤلاء كان أستاذي وصديقي البروفيسور عز الدين عمر موسى، الذي غادر دنيانا في الولايات المتحدة الأمريكية، مخلفاً وراءه إرثاً لا يغيب، ورحلة طويلة من العلم والعطاء الدؤوب في خدمة المعرفة والإنسان
تلقيت نبأ رحيله بحزن عميق، ليس لأن السودان فقد مؤرخاً كبيراً فحسب، بل لأننا فقدنا إنساناً نبيلاً، وصاحب روح كريمة، وعقلاً متقداً ظل حتى سنواته الأخيرة مشغولاً بقضايا الفكر والثقافة والتاريخ ومستقبل السودان
مسيرة حافلة- من توتي إلى العالمية
وُلد البروفيسور عز الدين في جزيرة توتي عام 1936، ونشأ في أسرة عُرفت بالعلم والصلاح
ولم يكن مجرد أكاديمي أو أستاذ جامعي، بل كان من ذلك الجيل الذي آمن بأن المعرفة رسالة وليست وظيفة، وأن الجامعة ليست مبنى وشهادة فحسب، وإنما مشروع لبناء الإنسان والعقل والمجتمع
بعد تعليمه الأولي في السودان، انطلق في رحلة علمية واسعة قادته إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم إلى نيجيريا في جامعة أحمدو بِلُّو، وصولاً إلى جامعة الملك سعود بالرياض، حيث أمضى خمسةً وعشرين عاماً من التدريس والبحث العلمي والإشراف الأكاديمي
ثم عاد إلى وطنه حاملاً مشروعه الثقافي والمعرفي، مؤمناً بأن العلم لا قيمة له إن لم يتحول إلى خدمة للمجتمع
لقد كان واحداً من أبناء السودان الذين حملوا اسم بلادهم إلى فضاءات العلم والمعرفة، فاحترمه طلابه وزملاؤه داخل السودان وخارجه، وأصبح اسمه مرتبطاً بالدراسات التاريخية الإسلامية والأفريقية الرصينة
التاريخ كأداة لفهم الحياة
كان البروفيسور عز الدين من المؤرخين الذين نظروا إلى التاريخ بوصفه حياة كاملة لا مجرد تواريخ وأسماء
لم يكن مشغولاً بالملوك والحروب وحدها، بل بالناس العاديين أيضاً؛ كيف عاشوا؟ وكيف بنوا مجتمعاتهم؟ وكيف تحركت مواردهم واقتصاداتهم؟ ولذلك جاءت كتاباته مختلفة، تجمع بين الدقة الأكاديمية واتساع الأفق الإنساني
لم يكن مؤرخاً يكتفي بسرد الحوادث أو “تحنيط” الماضي، بل كان يؤمن بأن التاريخ وسيلة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل
وكان يزن الكلمات بميزان العلم، مبتعداً عن التعصب والانفعال، وهو ما تجلى في مؤلفاته الرصينة، وعلى رأسها كتابه الشهير “النشاط الاقتصادي في المغرب الإسلامي في القرن السادس الهجري”، الذي نال عنه جائزة الملك فيصل العالمية
كما تميزت أعماله بالمراجعة النقدية للمفاهيم والمنظورات التاريخية، والسعي الدائم إلى توسيع آفاق البحث العلمي، وربط العالم العربي والإسلامي بامتداداته الأفريقية، بعيداً عن النظرات الضيقة والحدود المصطنعة ولهذا بقيت مؤلفاته مراجع مهمة للباحثين والمهتمين بالتاريخ الإسلامي والأفريقي
الإنسان الذي تجاوز منصبه
لكن ما سيبقى في ذاكرتي أكثر من مؤلفاته ومكانته العلمية الرفيعة هو تواضعه الإنساني
كنت كلما التقيته أشعر أنني أمام عالم كبير يخفي خلف علمه الغزير تواضعاً نادراً
لم يكن يتحدث من موقع الأستاذ الذي يملي المعرفة، بل من موقع الإنسان الذي يشارك الآخرين خبرته بمحبة وهدوء
ظل قريباً من الناس، بسيطاً في حديثه، كريماً في نصحه، يفتح لتلاميذه أبواب قلبه قبل أبواب المعرفة
وكان يؤمن بأن العلم الحقيقي لا يقاس بعدد الكتب المنشورة أو المناصب التي شغلها الإنسان، وإنما بالأثر الذي يتركه في حياة الآخرين
وقد تجسد هذا الإيمان عملياً في تأسيسه لمركز العز بن عبد السلام للدراسات العربية الإسلامية الأفريقية عام 2005، الذي تحول إلى منارة للفكر والحوار والبحث العلمي، وإلى فضاء رحب لتكريم العلماء والمفكرين وخدمة الثقافة السودانية والعربية والأفريقية
وداعاً أيها المعلم
وما أشد وقع كلماته التي كتبها بعد مغادرته السودان في سنوات الحرب، حين عبّر عن أمنيته أن يموت بين أهله ويُدفن في تراب وطنه الذي أحبه كانت كلمات موجعة تكشف حجم تعلقه بالسودان، وعمق انتمائه إليه، رغم ما أصابه من وهن المرض وتقدم العمر
لكنها إرادة الله التي لا راد لقضائه؛ فقد اختار له أن يرحل بعيداً عن الأرض التي أحبها، بينما ظل قلبه معلقاً بها حتى آخر أيامه
رحل البروفيسور عز الدين عمر موسى، لكن العلماء لا يرحلون تماماًة ,و يبقون في الكتب التي ألّفوها، وفي المؤسسات التي أسسوها، وفي القيم التي غرسوها في نفوس أجيال من الباحثين والطلاب والمثقفين
لقد خسر السودان اليوم واحداً من رجاله الكبار، وخسر المؤرخون علماً من أعلامهم، وخسر كثير منا أستاذاً وصديقاً ومعلماً. غير أن عزاءنا أن أثره باقٍ، وأن سيرته ستظل حاضرة في ذاكرة الثقافة السودانية والعربية زمناً طويلاً.
رحم الله البروفيسور عز الدين عمر موسى رحمة واسعة، وجعل علمه وعطاءه في ميزان حسناته، وألهم أسرته وتلاميذه ومحبيه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
zuhair.osman@aol.com
