في وداع الدكتور عبدالسلام صالح عيسى
— عزاءٌ يقطر دمًا، ورثاءُ وطن —
ليس كلُّ من مات غاب، ولا كلُّ من غاب سقط من الذاكرة؛ فثمّة رجالٌ إذا انصرفوا عن الدنيا تركوا فيها أثرًا كالسِّراج: لا يُمسَك، ولكن يُهتدى به. والدكتور عبدالسلام صالح عيسى من أولئك الذين إذا ذُكروا ذُكرت المكارم، وإذا غابوا بان الخلل.
كان — رحمه الله — خلوقًا ضحوكًا بغير ابتذال، صارمًا بغير قسوة، بل الرأفة كل الرأفة، حكيمًا وارف الظل، صادق الخبر، كريم المعشر، ودودًا تُؤنسك صحبته قبل أن تُعلّمك كلمته. اجتمعت على شخصه ألوان الطيف السياسي والاجتماعي، فكان جامعًا لا مُفرِّقًا، واسع الأفق، قادرًا على مخاطبة المختلف دون أن يُفرِّط في جوهره. هو من طينة الرجال الصافية، أصحاب الطرفة الباهية، والهمم العالية، ممن لا يُجارون على حساب الحق، ولا يُساومون على حساب الضمير.
اشتهر بالأمانة، فلم يُطفّف يومًا في الميزان، ولم يُداجن في قول الحق، ولم يعرف المواربة طريقًا إلى منطقه. قال ما اعتقد، وفعل ما قال، فبقيت سيرته أثقل وزنًا من مناصبه، وأصدق حضورًا من ألقابه، وكأنما كانت حياته كلها شاهدًا على القول المأثور:
«من صدق في فعله نطق عنه أثره، ولو صمت لسانه.»
وكان موقفه من الشهيد محمود محمد طه موقف ضميرٍ حيٍّ لا حساب فيه إلا للحق؛ فقد عنّف النميري — بحكم الصحبة والقرابة — تعنيف الناصح الأمين لا تشهير الخصم الليئم، وحذّره بوضوح من مغبّة الظلم، ومن الانجرار وراء الإخوان المسلمين، ومكرهم، وسوء فعالهم، حين ظنّ أنهم يمنحونه مشروعية سياسية ودينية.
نبّهه إلى أن الدم إذا استُبيح لا يقف عند حد، وأن الدين إذا استُخدم سلّمًا للسلطة انقلب لعنةً على الدولة. لكن النميري — وقد أضناه هاجس البقاء — آثر شفاعة السوء على كلمة الحق، ففتح بذلك على السودان أبواب الجحيم، أبوابًا ما تزال مفتوحةً إلى اليوم.
أفنى الفقيد عمره في خدمة بلاده: طبيبًا جاب أقاليم السودان لا يفرّق بين منطقة رخاء أو ساحة شدة، وأستاذًا درّس في معظم جامعاته، وقائدًا للسلاح الطبي، ووزيرًا للصحة حمل المنصب أمانة لا متكأ. كان قوميَّ الهوى، حنيفيَّ المعتقد، لا يعرف اليأس إلى قلبه سبيلًا، ولا القنوط إلى فكره طريقًا.
ورغم ما أصاب جيله من انكسارات، وما فعلت الحرب بأناس في عمره شُرِّدوا من بيوتهم في خريف أعمارهم، لم ينطفئ يقينه، ولم تخبُ جذوة إيمانه بنهضة السودان؛ احتسب ذلك عند الله، وبقي يحضّنا على العمل لا الشكوى، وعلى الرجاء لا الاستسلام، مؤمنًا بأن الأوطان لا تنهض بالأماني، بل بعزائم لا تخون الأمل ولا تساوم على الفعل.
ولم تكن حكمته تنظيرًا عابرًا، بل خبرة عيش ومعاشرة؛ فقد كان يقول لي حينما اصطحبت يومًا صديق العمر ونجله الأكبر نزار إلى البادية: إن الحكمة ليست حكرًا على المدن ولا دخرًا في الشهادات، بل مودعة في صدور الأهالي الذين شادوا هذا السودان بخلقهم وكريم فعالهم، وإن من لا يُحسن الإصغاء لا يحق له الادّعاء.
برحيله لا نبكي رجلًا فحسب، بل نرثي ميزانًا كان قائمًا بالقسط، فإذا غاب بان اختلاله، ونودّع قامةً إذا حضرت استقام الكلام، وإذا صمت صار للصمتُ معنى. وما ضاع حقٌّ وراءه طالب، ولا خذل الله أمةً صدقت في العمل ولم تخن الأمل.
«كذا فليجلَّ الخطبُ وليفدحِ الأمرُ
فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذرُ».
رحم الله الدكتور عبدالسلام صالح عيسى رحمةً تليق بنقاء سريرته وسعة قلبه، وتصالحه مع ذاته ومع الآخرين، وأسكنه فسيح جناته مع الصدّيقين والصالحين، وألهم أهله وبنيه ومحبيه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
دكتور الوليد آدم مادبو
December 16, 2025
auwaab@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم