د. صلاح أحمد الحبو
تأتي دراسة Munzoul A. M. Assal وAbdelmageed Yahya، الموسومة The Failure of Mediation and Peacemaking Efforts in the Sudan Crisis، المنشورة في African Journal on Conflict Resolution، المجلد 25، العدد 2، 2025، ص 7–32، في لحظة تبدو فيها أزمة السودان وكأنها قد تحولت من فشل في الوصول إلى السلام إلى فشل في فهم لماذا يفشل السلام أصلاً. وتكتسب الدراسة أهميتها من أنها لا تنظر إلى حرب أبريل 2023 بوصفها مجرد مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بل تربطها بالبنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإقليمية التي أنتجت الحرب وأعادت إنتاجها. وتعتمد الدراسة منهجاً نوعياً يجمع مراجعة الأدبيات ومبادرات الوساطة وتحليل الأحداث، إلى جانب اثنتي عشرة مقابلة مع فاعلين من السياسة والمجتمع المدني والأكاديميا والمنظمات الدولية والإقليمية.
لكن القيمة الحقيقية للدراسة لا تكمن فقط في تشخيص فشل الوسطاء، بل في السؤال الذي تفتحه من حيث لا تقصد: هل فشلت الوساطة السودانية، أم أن نموذج السلام الذي حملته الوساطة كان فاشلاً منذ البداية؟
هذه نقطة جوهرية؛ لأن السودان يملك سجلاً طويلاً من الاتفاقيات التي نجحت في إنتاج الوثيقة أكثر مما نجحت في إنتاج السلام. اتفاق أديس أبابا 1972 أوقف الحرب الأولى ومنح جنوب السودان حكماً ذاتياً، لكنه انهار بعد عقد تقريباً. ثم جاءت اتفاقية السلام الشامل 2005، واتفاقية أبوجا 2006، واتفاقية الشرق 2006، ووثيقة الدوحة 2011، ثم اتفاق جوبا 2020/2021؛ وكلها قدمت نفسها بوصفها محطات لإنهاء النزاع، لكنها لم تنجح في بناء نظام سياسي قادر على منع إنتاج نزاع جديد. وتذهب الدراسة إلى أن معظم هذه الاتفاقيات، باستثناء أديس أبابا، افتقرت إلى الشمول، وأن اتفاق جوبا تحديداً لم يكن شاملاً، وأن ضعف الالتزام بتنفيذه أسهم في انهيار الانتقال وانفجار حرب 2023.
وهنا ينبغي أن نتجاوز العبارة التقليدية: «فشل تنفيذ اتفاقيات السلام». فالمشكلة ليست في التنفيذ وحده؛ لأن الاتفاقية التي تُصمم من البداية على قاعدة توزيع المقاعد بين النخب المسلحة والسياسية، ثم تترك المجتمع خارج غرفة التفاوض، تحمل في داخلها بذرة فشلها. الاتفاقية ليست سلاماً؛ إنها مجرد هندسة مؤقتة لتوازن القوى. وإذا لم تتحول إلى إعادة بناء للدولة، وإعادة توزيع للسلطة والثروة والفرص، وإصلاح للمؤسسات الأمنية والقانونية، فإنها لا تنهي الحرب؛ بل تؤجلها.
وهذا هو الجانب الذي تحتاج فيه الدراسة إلى دفع حجتها خطوة إضافية. فهي محقة في تشخيص محدودية الشمول، لكنها تجعل الشمول في بعض المواضع قريباً من مسألة عدد المشاركين في التفاوض. والحقيقة أن الشمول أعمق من أن يجلس الجميع حول الطاولة. فقد تكون الطاولة مزدحمة، لكنها تظل طاولة نخبوية. يمكن أن تضم الحكومة والحركات المسلحة والأحزاب والمجتمع المدني، ومع ذلك يظل المواطن الذي فقد منزله وأرضه ومصدر رزقه خارج المعادلة الحقيقية للسلام.
الشمول ليس كثرة الكراسي؛ الشمول هو إعادة تعريف من يملك الحق في صياغة المستقبل.
وهنا تكمن المفارقة السودانية: اتفاقيات السلام السابقة كانت شديدة الكرم مع النخب وشديدة التقشف مع الدولة. أعطت وزارات ومقاعد برلمانية ومناصب سيادية وامتيازات للحركات، لكنها لم تستطع أن تنتج مؤسسة سياسية تجعل اللجوء إلى السلاح أقل ربحاً من اللجوء إلى السياسة. ولذلك تحولت اتفاقيات السلام إلى سوق سياسية: كلما حملت جماعة السلاح، ارتفعت قيمتها التفاوضية. وهكذا أصبح السلاح، paradoxically، رأس مال تفاوضياً، وأصبح السلام نفسه آلية لإعادة توزيع عوائد الحرب.
الدراسة تقدم ملاحظة بالغة الأهمية حين تشير إلى أن اتفاقيات مثل اتفاق دارفور لم تتضمن آليات تنفيذ كافية، وأن الوسطاء كرروا نماذج سابقة من تقاسم السلطة والثروة دون تكييفها بصورة كافية مع خصوصية النزاع. وهذا يكشف أحد أمراض الوساطة الدولية في السودان: الوسيط يأتي أحياناً ومعه نموذج للسلام قبل أن يأتي بفهم كافٍ للحرب.
فالسلام ليس قالباً يُستورد. لا يمكن تحويل نزاع تاريخي متعدد الطبقات إلى جدول تفاوض يتكون من: وقف إطلاق النار، تقاسم السلطة، تقاسم الثروة، الترتيبات الأمنية، ثم الانتخابات. هذه ليست وصفة سلام، بل قائمة مشتريات سياسية. وما لم يُفكك السؤال الأكبر: من يملك الدولة؟ ومن يملك السلاح؟ ومن يملك الاقتصاد؟ ومن يحدد تعريف المواطنة؟ ومن يسيطر على الموارد؟ ومن يدفع ثمن الحرب؟ فإن الاتفاق سيبقى مجرد هدنة بين نخب متنافسة.
وتصيب الدراسة كذلك حين تنتقد مبادرات الوساطة الداخلية، بما فيها المبادرات المدنية، وتكشف مشكلات النخبوية والانقسام وضعف القدرات والتسييس والتأثير الخارجي. كما تشير إلى أن المجتمع المدني نفسه ليس كتلة متجانسة، وأن المبادرات المدنية السودانية كثيراً ما عانت من محدودية الانتشار والموارد والخبرة والقدرة التنظيمية. لكن النقد هنا يجب أن يمتد إلى مفهوم «المجتمع المدني» ذاته؛ فليس كل من يرتدي بدلة سياسية ويتحدث باسم المدنيين ممثلاً للمجتمع. السودان ليس الخرطوم، والمجتمع المدني ليس مؤتمراً صحفياً، والسلام لا يُبنى من بيانات النخب وحدها.
الأكثر دلالة في الدراسة هو نقدها لمنصة جدة؛ فقد نجحت في جمع طرفي الحرب إلى طاولة التفاوض، لكنها عانت من غياب آليات تنفيذ فعالة، ومن اختزال الحرب في بعدها العسكري، ومن استبعاد المدنيين، ومن ضعف الالتزام بوقف إطلاق النار. وهذه ليست مشكلة تقنية في تصميم الوساطة بقدر ما هي مشكلة في تعريف النزاع نفسه. فإذا كان النزاع حرباً على الدولة وليس مجرد نزاع بين قوتين عسكريتين، فإن جمع القوتين المسلحتين وحدهما حول الطاولة يشبه دعوة السارقين للتفاوض حول ملكية المنزل بينما سكانه في الخارج.
أما تعدد الوسطاء ــ جدة، وإيغاد، ومبادرات دول الجوار وغيرها ــ فقد أنتج ما تسميه الدراسة عملياً تناقض الأجندات وforum-shopping، أي انتقال الأطراف بين منصات تفاوضية بحثاً عن المنصة الأكثر ملاءمة لمصالحها. وهنا تتحول كثرة الوساطات من ميزة إلى عيب: عندما تتعدد الطاولات، يصبح ممكناً أن يهرب السلام من بينها جميعاً.
غير أن الدراسة، رغم قوتها، تحتاج إلى مفهوم أكثر جذرية: فشل السلام في السودان ليس فقط فشل وساطة؛ إنه فشل بنية سياسية كاملة في تحويل الاتفاق إلى عقد دولة. فالمشكلة ليست أن السودان لم يجد الوسيط المناسب، وإنما أن الوساطة ظلت تتعامل غالباً مع أعراض الأزمة لا مع اقتصادها السياسي. الحرب لها منتفعون، والسلام له خاسرون. وكل مشروع سلام جاد يجب أن يسأل: من يخسر إذا توقفت الحرب؟ ومن يربح إذا استمرت؟ ومن يملك القدرة على تمويل استمرارها؟ ومن يملك القدرة على تعطيل السلام؟
من هنا يصبح تنفيذ اتفاقية السلام ليس ملحقاً فنياً بعد التوقيع، بل جوهر الاتفاق ذاته. فلا قيمة لاتفاق لا يملك آليات إلزام، ولا موارد تنفيذ، ولا جدولاً زمنياً، ولا مؤسسات رقابة مستقلة، ولا ضمانات سياسية وأمنية، ولا مشاركة شعبية، ولا معالجة لجذور الاقتصاد السياسي للحرب.
الخلاصة التي ينبغي أن نخرج بها من دراسة عسّال ويحيى ليست أن «الوساطة فشلت»، بل أن السودان ظل يحاول صناعة السلام بالأدوات التي صنعت الفشل نفسه. اتفاق جديد على الطريقة القديمة لن يكون سوى هدنة مؤجلة الانفجار. المطلوب ليس اتفاق سلام آخر يضاف إلى أرشيف الدولة، وإنما إعادة تأسيس لفكرة السلام نفسها: من صفقة بين النخب إلى عقد وطني؛ من تقاسم السلطة إلى بناء المؤسسات؛ من استرضاء حملة السلاح إلى تجفيف اقتصاد الحرب؛ ومن سؤال «من يجلس إلى الطاولة؟» إلى السؤال الأكثر قسوة: من يملك الطاولة، ومن يحدد شكلها، ومن يظل خارجها؟
فالسودان لا يحتاج إلى اتفاقية سلام جديدة بقدر ما يحتاج إلى دولة تجعل الحرب صفقة خاسرة، والسياسة صفقة رابحة، والمواطنة أعلى قيمة من البندقية. وعندها فقط يمكن أن يتحول السلام من ورقة موقعة إلى نظام اجتماعي وسياسي قابل للحياة.
المرجع: Munzoul A. M. Assal & Abdelmageed Yahya, “The Failure of Mediation and Peacemaking Efforts in the Sudan Crisis,” African Journal on Conflict Resolution, Vol. 25, No. 2, 2025, pp. 7–32.
النص الكامل للدراسة لدى ACCORD
habobsalah@gmail.com
