قراءة وملاحظات في كتاب التاريخ للصف الثالث الثانوي .. بقلم: د. محمد عبد الحميد
4 يوليو, 2020
محمد عبد الحميد, منبر الرأي
194 زيارة
بشغف قديم متجدد اخذت اراجع كتاب التاريخ المقرر على الصف الثالث الثانوي. وقد تنقلت بين الحقب التاريخية من مرحلة لأخرى. فقرأت فيه عن “الحركات الإصلاحية” ولاحظت إفتتان وولع غير يسيرين بالحركة الوهابية. وأنها تصدت لظلامات الدولة العثمانية. وما نشب بين الطرفين من معارك حيث يقول الكتاب: (عزمت الدولة العثمانية على القضاء نهائيا على الحركة الوهابية واسترداد الحجاز والحرمين الشريفين، وذلك بعد فشل ولاتها في العراق على القضاء على تلك الحركة. وكذلك كلف السلطان والي مصر آنذاك- محمد علي – بتجهيز حملة كبيرة للقضاء على الحركة وإعادة الحرمين الي نفوذ السلطان العثماني ) (ص160) وقد ركز الكتاب على إبراز صورة ذهنية إيجابية للحركة الوهابية في مخيلة الطالب حيث أورد الكتاب ما نصه:(و لاشك أن الحركة الوهابية التي تميزت بالنشاط والوضوح كانت بذرة من بذور الوعي الإسلامي وعاملا مهما من عوامل اليقظة الإسلامية ) ص 165- 164. من السياق العام للأحداث التاريخية التي تناولها واضعو كتاب التاريخ يبدو أنهم كانوا مدفوعين لإصدار أحكام قيمية على التاريخ عوض أن يتم سردها بصورة محايدة حتى يتمكن الطالب من استخلاص موقف يخصه هو من كل تلك السياقات. فعندما تحدث الكتاب عن حقبة مهمة في تطور الإمبراطورية العثمانية خاصة في آخر عهدها ومع ظهور كمال أتاتورك تجلت الانحيازات الأيديولوجية لواضعي الكتاب بصورة تخلق تشويش في ذهن الطالب بحيث فجأة انقلبت تلك الإمبراطورية لضحية في حين أنها في نظر كل من الحركات “الإصلاحية” التي أتى عليها الكتاب كانت تتسم بالظلم والقسوة والفساد. وعند ظهور أتاتورك ولأسباب ايدولوجية مسبقة تم رسم صورة ذهنية له باعتباره معاديا للإسلام. ووصف انتصاراته التي حققها (بالوهمية). ولهذه الكلمة مدلولات وصفية تأخذ المتلقي لتكوين فكرة وانطباع سالبين عن الشخصية في حين أن الطريقة العلمية السليمة ترك المتلقي يصل للخلاصات القيمية لوحده دون دفعه دفعا لتبني رأيا مسبقا. لم يكتف وضعوا الكتاب بهذا بل ربطوا كل تحركات أتاتورك باليهود. وحتى عزله للسلطان عبد الحميد الثاني كان على خلفية وقوف الأخير ضد الأطماع اليهودية. ولعدم اتساق المنطق بين ماضي الخلافة العثمانية وبقية دول العالم الإسلامي التي لم تكن خلافة يمكن التباكي عليها بدليل قيام الثورات العربية عليها فقد حول واضعوا الكتاب ما قام به أتاتورك من تفكيك دولة الخلافة العثمانية الي موبغة يُدان عليها رغم ما كانت تحيقه هذه الخلافة بالدول الإسلامية من مظالم بدليل الثورة عليها في أكثر من دولة مسلمة فقد أورد الكتاب:( و بإلغاء أتاتورك للخلافة الإسلامية والقوانين الإسلامية وإصداره للقوانين العلمانية انقلبت الأوضاع في تركيا وأدى هذا الانقلاب الي قطيعة صعبة بين تركيا وماضيها الإسلامي من جهة وبينها وبين الدول الإسلامية من جهة اخرى. ومن أبرز اتجاهات تركيا العلمانية تبعيتها للغرب في نظمها السياسية والاقتصادية الاجتماعية، ثم اعترافها المبكر بإسرائيل دولة لليهود العنصرية، وعلاقتها الاستراتيجية معها. كل ذلك بسبب أفكار وتوجهات أتاتورك ) (ص 156). يُلاحظ هنا أن التأكيد انصب على العلاقات الدولية لتركيا واختياراتها في السياسة الخارجية بالتركيز – من طرف خفي – على ضياع الهوية الاسلامية والتبعية للغرب، كأن الدولة العثمانية كانت معزولة عن ذلك الغرب ولم تكن جزء من حروبه وخصوماته وصداقاته واحلافه، إن تفاصيل العلاقات الخارجية لأي دولة قد صارت تُدرس ضمن علم العلاقات الدولية والذي تبلور كمنهج اكاديمي مستقل As an independent academic discipline في أعقاب انتهاء الحرب الكونية الأولى، وليس ضمن علم التاريخ. فما يجب إعادة التأكيد عليه هو أن دولة تركيا حتى في عهد حكم الإسلاميين الحالي ما زالت تبقي على نفس النهج المتطلع للغرب سواء في الخيارات الاقتصادية أو الإجتماعية أو حتى العسكرية.
تحدث الكتاب عن نشؤ وتطور الحركات السياسية السودانية. وعند الحديث عن الحزب الشيوعي رغم أنه جاء مختصرا جدا إلا أنه تطرق لحادثة طرد الحزب الشيوعي من الجمعية التأسيسية. فتناولها واضعوا الكتاب بطريقة لا تاريخية وتفتقر لأدنى مقتضيات المهنية والأمانة العلمية. فبغض النظر عن صوابية أو عدم صوابية تلك الخطوة وموقف المرء منها، إلا أنها كانت نقطة فارقة في مسار التطور الديمقراطي المؤسسي في السودان. فالواضح أن واضعوا الكتاب لم يكونوا يهتموا بذلك التطور للعملية الديمقراطية لا سيما في بعدها الليبرالي وما يحمله من قيم احترام الآخر وحقه في التنظيم و التعبير والتمثيل النيابي. وذلك تطبيقاً للمقولة الشائعة أن (التاريخ يدونه المنتصر). والمنتصر هو الحركة الإسلامية العدو الأول للشيوعيين التي عهدت لواضعي الكتاب بتدوين التاريخ من وجهة نظر الإسلاميين. فقد أورد الكتاب في هذا السياق( فَقَدَ الحزبُ شرعيته في نوفير 1965م بقرار من الجمعية التأسيسية وحظر نشاطه) (ص 108). فلو وقف واضعوا الكتاب عند حد تحول الجبهة المعادية للاستعمار الي حزب شيوعي لكان اكثر فائدة للطالب لأنها في نهاية الأمر تشكل معلومة “خام” ، اما ان يخوضوا في قضية قانونية شكلت نقطة تحول كبرى في الممارسة السياسية السودانية وبترها مما أعقبها من جدال قانوني وأحكام قضائية قضت ببطلان قرار الجمعية التأسيسية بحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه منها ، فتلك هي أدلجة التاريخ بعينها وإعادة صياغته بكيفية خاصة تخدم أغراض واضعيه. وذلك يؤكد أن من كان يمسك بالقلم ولظروف خاصة بالصراع مع الشيوعيين شاء أن يبرز عدم شرعية الحزب الشيوعي دون الخوض في ملابسات ذلك الحدث. لكأن شرعية حزب ما تُستمد مما يجود به غيره من الأحزاب عبر تكتلات برلمانية.
ما يلفت الإنتباه هنا أن هذا الكتاب المدرسي قد تم “تنقيحه” بواسطة لجنة مكلفة من المركز القومي للمناهج من بضع أساتذة من ضمنها د. فدوى عبد الرحمن على طه مدير جامعة الخرطوم الحالية في عهد الثورة.
د.محمد عبد الحميد
Wadrajab222@gmail.com