قرارات دولية لا تنقذ أحداً

زوايا
حمّور زيادة
تُنسب إلى رئيس الوزراء البريطاني الأشهر ونستون تشرشل مقولة “الأميركان يفعلون الشيء الصحيح في النهاية، بعد أن يكونوا قد جرّبوا كلّ الأخطاء الأخرى”…. يمكن لهذه العبارة أن تلخّص، إلى حدّ كبير، طريقة تعامل المجتمع الدولي، والولايات المتحدة، مع أزمات العالم، وخصوصاً السودان.

منذ 1989، عندما نفّذت الحركة الإسلامية السودانية انقلاباً عسكرياً على الحكومة المدنية المنتخَبة، ارتبط اسم النظام بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، منها الاعتقالات التعسّفية والتعذيب في ما عُرفت بـ”بيوت الأشباح”، وهي مراكز احتجاز سرّية استخدمتها الأجهزة الأمنية ضدّ المعارضين السياسيين. كما وثّقت تقارير دولية عديدة شبكات الفساد الواسعة داخل مؤسّسات الدولة، واستغلال المال العام لصالح التنظيم الحاكم وأفراده. كما تورّط النظام في أزمات إقليمية خطيرة، مثل تورّطه في محاولة اغتيال حسني مبارك عام 1995 في إثيوبيا، ما أدّى بمجلس الأمن إلى فرض عقوبات دبلوماسية على السودان والتهديد بحظر الطيران الحكومي، وفرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على السودان. وكانت الحركة الإسلامية قد تورّطت قبلها في دعم غزو نظام صدّام حسين الكويت، وخسرت أصدقاء السودان في الخليج، فسارعت إلى التقارب مع إيران، واستعانت بها في التصنيع الحربي، وفتحت البلاد أمام استثمارات تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن لتعمل في الزراعة والتنقيب عن البترول والإنشاءات. يشير تقرير الكونغرس الأميركي عن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول (2001) إلى أن أحد القادة العسكريين في النظام (لم يسمّه التقرير) حاول أن يبيع يورانيوم لتنظيم القاعدة، لكنّهم اكتشفوا في التنظيم أن العينة التي قدّمها لهم مغشوشة. أمّا أخطر الاتهامات التي تلاحق نظام الحركة الإسلامية في السودان فهي الإبادة الجماعية في دارفور في غرب البلاد. وهي اتهامات تلاحق بسببها المحكمة الجنائية الدولية الرئيس السابق عمر البشير وقادةً في نظامه. لكنّها فشلت خلال أكثر من عقد في القبض عليه، أو إلزام دول المنطقة بتسليمه.

اليوم، تعود الولايات المتحدة إلى معاقبة الحركة الإسلامية السودانية بوضعها في قوائم الإرهاب، في محاولة للضغط على طرفي الحرب السودانية للقبول بالهدنة الإنسانية. بدأت سلسلة العقوبات المرتبطة بـ”حرب 15 إبريل” في الرابع من مايو/ أيار 2023 بأمر تنفيذي من الرئيس الأميركي يفرض عقوبات على الأفراد والكيانات التي تقوّض السلام والاستقرار في السودان. بعد أقلّ من شهر منه، أعلنت أميركا عقوباتٍ على شركتين للجيش السوداني وأخريين لقوات الدعم السريع. في الأعوام الثلاثة الماضية، فُرضت عقوبات دولية على قائد الجيش عبد الفتّاح البرهان، وعلى قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) وأشقائه، وعلى مدير منظومة الصناعات الدفاعية، وعدة قادة ميدانيين لـ”الدعم السريع” وشركات ومؤسّسات تابعة للطرفَين، وعلى زعيم الحركة الإسلامية السودانية علي كرتي.

لم تمنع هذه العقوبات تحوّل مدن كاملة إلى أطلال، ولم تساعد في حماية المدنيين. واحتاج دخول القليل من العون الإنساني إلى كثير من الوسطاء والتنازلات الدولية. ولم تنجح خطة “قطع شرايين التمويل” في وقف تدفّق الطائرات المسيّرة والمضادات وقاذفات القنابل. كما لم ترفع قرارات مجلس الأمن الحصار عن الفاشر، ولم ينقذ اتهام “الدعم السريع” بارتكاب إبادة جماعية أيّ روح. لكن تظلّ تلك إشارات سياسية، ربّما في يوم ما تتحوّل إلى أفعال حقيقية تقود إلى محاسبة مرتكبي الجرائم المتتالية في السودان. لكن لا قيمة لهذه المحاسبة إن لم تتم بإرادة سودانية، وهو أمر لا يبدو أن المجتمع الدولي يحسب حسابه. لذلك يتكرّر تجريب كلّ الأخطاء الأخرى، مثلما تقاعس الفاعلون الدوليون عن دعم الإرادة السودانية والتغيير الديمقراطي لينتهي الانتقال المرتبك إلى انقلاب عسكري، ثم إلى حرب أهلية بين شركاء الانقلاب.

بإعلان الحركة الإسلامية السودانية وجناحها العسكري تنظيماً إرهابياً تكون كلّ الأطراف الرئيسة لحرب السودان تحت طائلة العقوبات الدولية، لكنّ التاريخ القريب يخبرنا بأن الحركة الإسلامية ذاتها، مثل مليشيا الدعم السريع، قد وجدا من يمدّ إليهما الأيدي الصديقة بالتمويل والتحالف رغم كلّ الجرائم المرتكَبة. لذلك التعويل على جدّية العقوبات الدولية تكرار لما حدث طوال عهد نظام البشير. الفرق هذه المرّة أن العقوبات تصدر ضدّ سلطتَين تتقاسمان السيطرة على ما تبقّى من السودان، وتحاول دفعهما إلى التعاون والقبول بالهدنة الإنسانية، الهدنة ذاتها التي بدأ البحث عنها في مفاوضات جدّة في مايو 2023، ولم تُنفّذ.

العربي الجديد

عن حمور زيادة

شاهد أيضاً

انتهاكات على طاولة السياسة

زواياحمّور زيادة تُقدّر أعداد النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب في الحرب العالمية الثانية بالملايين، بحسب بعض …