أقرب إلى القلب :
Jamalim1@hotmail.com
(إذا شـعَرتُ جسـدياً كما لوْ أنّ قِمّة رأسـي قَـد تـمّ خلعُها، أدركُ
عنـدها أنّ ذلك هـوَ الشّـعر. .)
إيميلي ديكينسون
(1)
لا بدّ بداية من التأكيد على أمرٍ مُهم ، وأنا أتناول كتاب كتاباً صدر مؤخراً للأستاذة آمنة الفضل، بعنوان “قصاصات: ما تبقى من دمع”، الصادر عن “دار المصوّرات للنشر والطباعة والتوزيع” في الخرطوم عام 2017. ذلك إني أبتدرً مقالي عن ذلك الكتاب ، بكلامٍ يصدر من موقع المتابع، لا من موقع الناقد. إذ الناقد الحقيقي المحترف، يمسك بمباضع التحليل يعملها في العمل الإبداعي الذي يتناوله، تقييماً ومقايسة وتقويماً، وذلك مما لا أنتويه هنا.
لقد درجتُ خلال فترة إمتدت لعدة سنوات، على تناول بعض ما يعرض لي من أعمال وإصدارات أدبية ، سواءاً في القصة أو الشعر أو كتب السيرة الذاتية أو المذكرات، قصد تقديم العمل والترويج له ، إمّا بالكتابة في الصحف الورقية، أو بتقديم دراسة تقدم في ندوة أدبية ، فيجد العمل اهتماماً لدى المتابع
ويلتفت إليه المتلقي. ذلك النوع من الكتابة الأدبية ، قد لا يعتمده النقاد المحترفون “نقداً”، بل هو- وإن تضمن إشارات وتلميحات نقدية- يعتبر كتابة ترويجية محضة ، ممّا يسمّى في الآدبيات الأجنبية الـ “ريفـيـو” وهو بالإنجليزية: book review . .
(2)
إنّ العرضَ المكتوب عن مخطوطةٍ كتابٍ ما، قد يقصد منه إجازته للنشر، ومنحه فسحة الإنتشار، وهو ما قد يمهّد لطباعة ذلك العمل العلمي أو الإبداعي،
فيعتمد كاتبه ضمن فئة المبدعين. وربما لا يخرج العرض عن تقديم الكتاب لجمهور القراء، لا أكثر. في الحقيقة إني لا أعرف عِلماً أو تخصّصاً أكاديمياً، يتصل بتعريف ذلك النوع من الكتابة، ولربما عن غفلة مني أو قلة انتباه. إني وإن أزمعتُ كتابة عرضٍ لكتابٍ قصد الترويج له، فإنه سيتضمن قدراً من التقييم ومن فحص ذلك العمل الابداعي. لعلّ ذلك ما يدفعني اتوصيف تلك الكتابة توصيفاً اعتباطياً، إذ هيَ عندي أكثر من “خبر” غن تلك الإصدارة وأقل من “نقأد” لها.
فما الذي يُعين كاتب ذلك العرض من الاشتراطات ومن معايير “الترويج” لأي عمل إبداعي يتناوله. .؟
(3)
أقول لك عن بعض هذه الاشتراطات والمعايير ما يلي :
– إن من أوّل مطلوبات كتابة العرض “الريفيـــو”، هو أن يكون كاتبه، أقرب مزاجاً إلى نوع الكتاب او المخطوطة المقصود عرضها. فكتاب عن الطب مثلاً، أفضل من يتناوله طبيب.
– من المطلوبات أيضاً أن لا يأتي العرض بأكثر ممّا في الكتاب المُحدّد، وأن لا يخرج عن موضوعه، بداهةً. .
– من المتوقع أن يجد من يتعرض لكتابة العرض، فرصة لتوسيع مداركه الخاصة، وله أن يتعامل بعقل مفتوح مع الكتاب المطلوب عرضه. .
– من المهم لتقديم عرضٍ مفيد يعين المتلقي، أن يلمّ كاتبهُ بقدرات الكاتب والتعرّف على مهاراته الشخصية، وتفاصيل خبراته، وذلك حتى يتسنّى له الحديث عن ذلك المؤلف وتبيان نجاحاته وإخفاقاته، وذلك ما يشجّع المتلقي على التفاعل مع العمل. .
(4)
إن كان المعنى القاموسي لكلمة “ريفـيـــو”، هو “إعمال النظر مجدّدا” في الكتاب موضوع العرض، فذلك بالفعل ما ينبغي أن يفعله كاتب العرض، فلا يتوقع أن يكون عرضه مسهباً، بل عليه التزام التواضع والاختزال، مقارناً بما أنجز صاحب الكتاب. في تقديري أن النقد المعمّق والمناقشة التحليلية الرصينة، هما أمران مطلوبان في ندوات تخصّص لذلك، ولكن ليس في ندوات الترويج أوالتعريف بالعمل الإبداعي. إن جاز لي أن أعرّف كتابة “الريفيــو” فهو عندي أقرب إلى عملية إشهار عقد الزواج بين عروسين . لك أن ترى في هذا التشبيه طرافة تثير الانشراح، خاصة إذا ما اعتمدنا ذلك الفعل نوعاً من “النقد الترويجي”، فسترى دور كاتبه، لا يخرج عن دور “المأذون”، كاتب العقودات ومعتمدها. .
تلك مقدمة وددتُ أن لا تكون مطوّلة ، وإني لأدعو أصدقاءنا النقاد، للمضي قُدماً في تسليط الضوء على عملية “عرض” الأعمال الإبداعية (“الريفيو”)، لتكون مادة تدرّس في قاعات الدرس، مثلها مثل “النقد الأدبي” و “الكتابة الإبداعية” وقد صارا من ضمن التخصصات التي تدرّس في الجامعات.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم