قضية الوحدة والانفصال فى السودان وأسسها الفكرية .. بقلم: د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

Sabri.m.khalil@gmail.com

تمهيد: يحاول هذا المقال تقديم تحليل منهجي ، للأسس الفكرية التى تكمن وراء الدعوات المتعددة للوحدة او الانفصال ، والتي تتبناها التيارات الفكرية والأحزاب والحركات السياسية السودانية المختلفة. فهو تحليل ينظر إلى قضية الوحدة والانفصال من زاوية ” كلية – تجريدية” اى فكرية فلسفية. وهذا التحليل على الوجه يكمل – ولا يلغى – النظر إلى ذات القضية من زاوية “جزئيه – عينيه” اى علميه، متمثلة في العلوم ذات الصلة كعلوم السياسة والقانون والعلاقات الدولية والاستراتيجيه…
قضيتا الهويه والوحدة والتعدد: وتكمن الأسس الفكرية لقضية الوحدة والانفصال فى الموقف من قضيتين فكريتين لهما ابعاد سياسيه ،اقتصاديه ،اجتماعيه… ” متعددة والعلاقة بينهما. القضية الاولى هى قضية الهوية ،التى تحاول ان تجيب على السؤال : ما هى طبيعة العلاقة بين علاقات الانتماء المتعددة للشخصية الحضارية العامة السودانيه ؟ هل هى علاقه تناقض ام تكامل.. والقضية الثانية هى قضية الوحدة والتعدد، التى تحاول ان تجيب على السؤال : هل نقول بوحدة مطلقه تلغى اى شكل من أشكال التعدد ، أم نقول بتعدد مطلق يلغى اى شكل من أشكال الوحدة ، أم نجمع بين الوحدة والتعدد ، اى نقول بوحدة نسبية وتعدد نسبى.
الأسس الفكرية للدعوة للانفصال:تتبنى الدعوة الى الانفصال تيارات فكرية وأحزاب وحركات سياسية سودانية متباينة . غير انه يجب – لا الفصل – بين شكلين من أشكال الدعوة الى الانفصال ، مع الاقرار بان هذين الشكلين يتداخلان فى كثير من الاحيان .
اولا: الدعوة للانفصال كرد فعل او كمحصله للفشل( مذهب الوحده المطلقة): وهناك الدعوة الى الانفصال كرد فعل على مذهب الوحدة المطلقة ، او كمحصله لفشله فى التطبيق فى الواقع ، ويتمثل مذهب الوحدة المطلقة في العديد من المذاهب التي ترى أن العلاقة بين علاقات الانتماء المتعددة للشخصية الحضارية السودانية هي علاقة تناقض، وبالتالي فان استنادها إلى علاقة الانتماء المعينة يقتضى إلغاء علاقات الانتماء الأخرى.. هذه الوحدة المطلقة في مجال الهوية ترتبط بوحدة مطلقة في المجال السياسي الاقتصادي القانوني… مضمونها وجوب انفراد جماعات قبلية سودانية معينة ” باعتبارها ممثلا لعلاقة الانتماء المعنية” بالسلطة و الثروة … دون باقي الجماعات القبلية أو الشعوبية السودانية ، فهذا المذهب يؤكد على وحدة المجتمع السوداني، ولكنه يتطرف في هذا التأكيد لدرجه إلغاء حرية الجماعات العشائرية والقبلية والشعوبية المكونة له ،فهو يتجاهل حقيقة أن الوجود العام(كالوجود الوطني السوداني) هو إضافة إلى وليس انتقاص من الوجود الخاص(كالوجود القبلى او الشعوبى).فالدعوه الى الانفصال هنا اما مضادة في الاتجاه لمذهب الوحدة المطلقة ، ولكنها مضادة له كما يضاد اتجاه رد الفعل اتجاه الفعل بدون ان يفقد صلته به أو نسبته إليه. او نتيجه لفشل تيار معين فى تطبيق الوحدة المطلقة التى يتبناها فى الواقع.
مذاهب الوحدة المطلقة:
1- مذهب العصبية القبلية العربية: وهو المذهب الذي يتحدث عن العرب الحاليين – في السودان وغيره من بلاد عربيه – اى العرب في طور الأمة “الطور القومي” – كما لو كانوا سلالة عرقية لعرب الجاهلية- اى العرب في الطور القبلي.
نقد المذهب: وأوجه الخطأ في هذا المذهب هي:
ا/ الخلط بين العربي والأعرابي:هذا المذهب يخلط بين إحدى دلالات لفظ “عربي” بمعنى البدوي- ما يقابل الأعراب في القرآن- وهي دلالة لا تزال تستخدم حتى الآن للدلالة على من لا يزال في طور البداوة، ولم ينتقل إلي التمدن ، والعروبة كطور تكوين اجتماعي متقدم عن أطوار التكوين الاجتماعي القبلي والشعوبي يتضمنهم فيكملهم ويغنيهم ولكن لا يلغيهم، وهو طور الأمة “الطور القومي”.
ب/ الاستناد الى معيار عرقي: هذا المذهب يفهم العروبة على أساس عرقي لا لغوي حضاري، هذا الأساس العرقي يتناقض مع الإسلام كين الذي نهى عن العصبية.
ج/ قصر العروبة على الجماعات ذات الأصول العرقية العربية : ويترتب على ما سبق انه يقصر العروبة على الجماعات القبلية السودانية ذات الأصول العربية، بينما العروبة تشمل كل الجماعات القبلية والشعوبية السودانية بصرف النظر عن أصولها العرقية،لأنها لا تستند إلى معيار عرقي ، بل معيار لغوى “مضمونه أن اللغة العربية هي اللغة القومية المشتركة لكل الجماعات القبلية والشعوبية السودانية، بصرف النظر عن أصولها العرقية ولغاتها الشعوبية القديمة أو لهجاتها القبلية الخاصة.
د/افتراض النقاء العرقى على المستوى القومى : كما يقول هذا المذهب يقول بمفهوم “النقاء العرقي”- على مستوى الوطني و القومي- وإذا افترضنا أن هذا المفهوم ممكن التحقق على مستوى الاسره او العشيرة أو حتى القبيلة ، فانه مستحيل التحقق على مستوى الوطن” الذي معيار انتماء إليه جغرافي – اقليمى ” ،أو الأمة ” الذي معيار الانتماء إليها لغوى” ، فكل الأمم تكونت اختلاط قبائل وشعوب معينه ، فهذا المذهب ينكر حقيقة اختلاط اغلب الجماعات القبلية السودانية ذات الأصول العربية (السامية) بالجماعات القبلية والشعوبية السودانية، ذات الأصول السامية –الحامية( كالبجه والنوبة) ، أو ذات الأصول الحامية الخالصة ، يقول الشيخ على عبد الرحمن الأمين (…أثناء ذلك تم امتزاج الدم العربي بدماء البجه والنوبة والفور والحاميين النيلين والزنوج الإفريقيين وبعض العناصر الشركسية والتركية في أقصى الشمال وذلك بالمصاهرة والاختلاط حتى لا يستطيع الإنسان الآن أن يجزم بان هناك عربي يخلو دمه من قطرات من تلك الدماء غير العربية)(الشيخ على عبد الرحمن،الديمقراطية والاشتراكية في السودان،منشورات المكتبة العصرية، صيدا بيروت،1970 ص22)،ويقول د.محجوب الباشا (تشير اغلب الدراسات إلى أن القبائل المسماة بالعربية في شمال السودان(كذا) هم في الحقيقة مجموعه من العرب الذين اختلطوا بالقبائل النوبية المحلية فتولد عن ذلك العنصر الموجود الآن في اغلب شمال السودان) (د.محجوب الباشا ،التنوع العرقي في السودان، سلسلة أوراق استراتيجية الخرطوم، طبعة أولى،1998،ص17) .
ه/الاستناد الى الافتراض الذى تستند اليه المذاهب المناقضه له: فهذا المذهب يستند إلى ذات الافتراض الخاطئ الذي تستند إليه المذاهب المناقضة له ، اى فهم العروبة طبقا لمعيار العرقي وليس لغوى لغوي ، بالتالي إنكار عروبة السودانيين استنادا إلى أنهم ليسوا سلالة عرقيه لعرب الجاهلية، ومثال لهذه المذاهب المذاهب التي تحاول تحويل الزنوجة- التي هي في الأصل علاقة انتماء عرقيه “، و الافريقيه” التي هي في الأصل علاقة انتماء جغرافيه قاري” إلى علاقة انتماء اجتماعية – حضارية .
و/ الوحدة المطلقة : وهذا المذهب احد أشكال مذهب الوحدة المطلقة ، الذي يرتب على إقرار علاقة انتماء معينة ( وهي هنا علاقة الانتماء العربية) إلغاء علاقات الانتماء الأخرى.. هذه الوحدة المطلقة في مجال الهوية ترتبط بوحدة مطلقة في المجال السياسي الاقتصادي القانوني… مضمونها وجوب انفراد جماعات قبلية سودانية معينة(هي الجماعات القبلية ذات الأصول العربية ) باعتبارها ممثلا لعلاقة الانتماء الاساسيه أو الوحيدة للشخصية السودانية “اى علاقة الانتماء العربية” بالسلطة و الثروة … دون باقي الجماعات القبلية أو الشعوبية السودانية.
الدعوه للانفصال كرد فعل على المذهب او كنتيجه لفشله: وهنا نلاحظ ان كثير من الدعوات الانفصالية جاءت كرد فعل على هذا المذهب، فضلا عن ان بعض الدعوات الانفصالية جاءت كنتيجة لفشل هذا المذهب فى تطبيق هذه الوحدة المطلقة على الواقع السودانى،لانه واقع يجمع بين الوحدة والتعدد.
2- مذهب الافريقانيه: يستخدم مصطلح “الافريقانية ” بدلالات متعددة ، ونستخدمه في هذه الدراسة للدلالة على العديد من المذاهب التي تنطلق من إيديولوجيات مختلفة – لدرجه التناقض- ” ماركسيه، ليبراليه”علمانيه”، قبليه وشعوبيه ” انفصاليه “، وحتى مذاهب ينسبها أصحابها للدين …” لكنها تخلص إلى ذات النتيجة “الخاطئة”، وهى أن الأصل في علاقة الانتماء الافريقيه ، للشخصيات العامة الحضارية المتعددة، للأمم والشعوب والقبائل القاطنة في قاره إفريقيا ، انها علاقة انتماء اجتماعية حضاريه .
وجه الخطأ في النتيجه : ووجه الخطأ في هذه النتيجة أن لعلاقة الانتماء الافريقيه مضمونين: مضمون رئيسي وهو مضمون جغرافي قاري ، وهذا يعنى أن الأصل فيها هو كونها علاقة انتماء جغرافيه قارية ، ومضمون ثانوى وهو مضمون اجتماعي حضاري ، اى وجود قيم اجتماعية وحضارية مشتركة بين الأمم والشعوب والقبائل القاطنة في أفريقيا، لكن لا توجد وحدة اجتماعية وحضارية بينها.
افتراضات خاطئة: ويترتب على هذه النتيجة “الخاطئة”عدد من الافتراضات الخاطئة أيضا ومنها:
ا/المطابقة بين مصطلحي افريقى وحامى “زنجى”: وهو ما يتناقض مع حقيقة أن الجنس الحامي (الزنجي) يتوزع في كل قارات العالم ،كما أن قارة إفريقيا تضم بالإضافة إلى الحاميين، الحاميين- الساميين (كالسودانيين والارتريين الصوماليين والأثيوبيين…)،والسامين(كشعوب العربية شمال القارة)،وحتى بعض الآريين (ومنهم بعض الأوروبيين الذين استوطنوا في جنوب إفريقيا وغيرها…)، أما تقسيم سكان أفريقيا إلى محليين ووافدين ، لتبرير هذا التنوع العرقي في أفريقيا، فهو لا يصح إلا في حالة الحديث عن بعض الأوروبيين الذين استوطنوا جنوب القارة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، فان الشعب المصري الافريقى الانتماء الجغرافي، رغم انه لا ينتمي إلى الجنس الحامي، فهو محصلة اختلاط الشعب المصري القديم (الفرعوني)(السامي) مع العرب (الساميين)، فان جذوره ترجع إلى أربعه ألف عام .
ب/علاقة الانتماء الافريقيه تلغى علاقات الانتماء الحضارية الأخرى: فهي تقتضى مثلا إلغاء علاقة الانتماء القومية “العربية” للشعوب العربية المسلمة القاطنة في إفريقيا – وخاصة الشعوب التي تشكلت – من ناحية عرقيه من خلال اختلاط العرب مع جماعات قبلية وشعوبية غير عربيه كالسودانيين والصوماليين والارتريين…في حين أن علاقة الانتماء العربية ذات مضمون لساني – حضاري غير عرقي،فمضمونها أن اللغة العربية هي اللغة المشتركة بين الجماعات القبلية والشعوبية لهذه الشعوب بصرف النظر عن أصولها العرقية، أو لهجاتها القبلية ولغاتها الشعوبية الخاصة .كما تقتضي إلغاء علاقة الانتماء الدينية ” الاسلاميه ” لهذه الشعوب ، في حين أن علاقة الانتماء الاسلاميه ذات مضمون ديني- حضاري ، و تعنى أن الإسلام لا يقتصر على الإسلام كدين، بل يمتد فيشمل الإسلام كحضارة، وبالتالي فإنها اذا كان الإسلام كدين يقتصر على المسلمين من هذه الشعوب ،فانه كحضارة يشمل المسلمين وغير المسلمين من هذه الشعوب، فهو مصدر لكثير من القيم الحضارية للشخصية العامة الحضارية “الوطنية” “المسلمة وغير المسلمة” لهذه الشعوب .
ج/ تدعيم التمييز العنصري بدون قصد(العنصرية المضاده): كما أن هذا المذهب رغم انه ظهر كرد فعل على مذاهب التمييز العنصري، إلا انه يلتقي معها في بعض أسسها النظرية، وهو بهذا يساهم في تدعيم هذه المذاهب بدون قصد( فهو عنصرية مضادة) ، ذلك أن مذاهب التمييز العنصري تعطى للون الأسود وغيره من الخصائص الفسيولوجية للجنس الحامي دلاله اجتماعيه سالبه، بينما هذا المذهب يعطيها دلالة ايجابيه، بينما مناهضة التمييز العنصري تستند إلى مقوله علمية ، هي أن الناس لا يتميزون فيما بينهم بألوانهم وخصائصهم الفسيولوجية الأخرى، وبالتالي تستند إلى أن اللون وغيره من الخصائص الفسيولوجية ذو دلاله محايدة اجتماعيا(وليست سالبه أو ايجابيه)
د/ استبدال وحده مطلقه بأخرى: هذا المذهب يؤسس لوحدة مطلقة في مجال الهوية يلزم منها استبدال وحدة مطلقة في المجال السياسي الاقتصادي القانوني…بأخرى ، فهذا المذهب يتجاوز الرفض”المشروع” لمذهب العصبية القبلية العربية ، الذي يجعل معيار العروبة معيار عرقى ، لان هذا المذهب يلزم منه إقصاء الجماعات ذات الأصول العرقية غير العربية، فنتقل إلى الرفض “غير المشروع ” لعلاقة الانتماء العربية ذات المضمون اللساني غير العرقي. أو يتجاوز الرفض “المشروع” للمذاهب التي ينسبها أصحابها إلى الإسلام ، والتي يلزم منها إقصاء غير المسلمين- والتي تتناقض في حقيقة الامر مع جوهر الإسلام- إلى الرفض”غير المشروع ” إلى الإسلام كدين ، والذي اقر مفهوم المواطنة “وثيقة المدينة”، وحمى حقوق الأقليات الدينية…وأسس للتعايش الديني… ، وبهذا تحول هذا المذهب إلى محاوله فاشلة لإلغاء علاقات الانتماء العربية الإسلامية للشخصية الحضارية لهذه الشعوب وتأخذ هذه المحاولة أشكال عده منها: الهجوم على الثقافة العربية الإسلامية كالقول بوجود مركزية عربية إسلامية على غرار المركزية الاوربيه، وتبنى مقولات نقاد المركزية الأوروبية (الاغتراب،المركز والهامش، الاستعمار…) وتطبيقها على الهوية الحضارية لهذه الشعوب في علاقتها بعلاقات انتمائها العربية الإسلامية ، والدعوة إلى استبدال اللغة العربية بلغة أخرى(كالانجليزية “لغه المستعمر”). ، وسبب فشل هذه المحاولة أنها محاوله لاقتلاع الشخصية الحضارية لهذه الشعوب من جذورها الحضارية، وهنا وجه الالتقاء بين هذا المذهب والتغريب.
الدعوه للانفصال كمحصله للفشل فى تطبيق الوحده المطلقه: فالدعوه الى الانفصال هنا هى محصلة للفشل فى تطبيق الوحدة المطلقة التى تلزم من هذين المذهبين.
مذهب إلغاء الانتماء الطبقي لكل علاقات الانتماء (المذهب الماركسي التقليدي): وهناك المذهب الماركسي التقليدي الذي يلغى كل علاقات انتماء الشخصية الأخرى بحجه أن انتماء كل إنسان إنما يكون إلى طبقته، و ان شخصية كل إنسان هي شخصية طبقته استنادا إلى المقولة المنهجية المادية القديمة أن أسلوب إنتاج الحياة المادية هو الذي يحدد الانتماء الاجتماعي حتما.فهو يلغى علاقة الانتماء الدينية للشخصية السودانية كمحصلة للموقف الماركسي المادي المعادي للأديان كلها والذي كان أقصى ما وصل إليه هو الدعوة إلى تجاهلها بدلا من الدعوة إلى إلغائها. كما يلغى علاقة الانتماء القومية للشخصية السودانية استنادا إلى التحليل الماركسي الستالينى الذي يربط بين القومية والرأسمالية ذات الجوهر العدواني(نتيجة لتعاصر النمو الرأسمالي والنمو القومي في أوربا) وبالتالي يربط بين القومية والعدوان ويدعو إلى استبدال علاقة الانتماء القومي إلى أمه إلى علاقة انتماء اممى إلى الطبقة العاملة. وهنا نلاحظ التباين (الذي يصل إلى درجة التناقض) بين التيارات الماركسية في تحليلها لأطوار(وحدات)التكوين الاجتماعي التي تميز المجتمع السوداني بين القول بالوحدة المطلقة (أن السودان أمه مكتملة التكوين أو في طور التكوين) أو التعدد المطلق(السودان يتضمن عده أمم مكتملة التكوين أو في طور التكوين). فضلا عن محاولات استبدال الصراع الاممي بين الطبقة البرجوازية السائدة والطبقة العاملة المسودة في ظل النظام الراسمالى بالصراع القبلي بين الجماعات القبلية السائدة والجماعات القبلية المسودة لتهبط هذه المحاولات بالماركسية من الأممية إلى القبلية ومن الإنسانية إلى العنصرية. ووجه الخطأ في هذا المذهب أن الانتماء الطبقي مرتبط بعنصر التفرد في الشخصية اى ما يميز شخص عن آخر ،أما علاقات الانتماء الأخرى فمرتبطة بعنصر الوحدة (الاشتراك) في الشخصية اى مكونات وحده الشخصية المتجانسة بين الأفراد الذين ينتمون إلى مصدر حضاري واحد. ولقد أثبت واقع الدول الماركسية أن التجانس الاقتصادي والفكري والسياسي (والايديولوجي) في المجتمع الاشتراكي لم يلغى عدم التجانس الحضاري حتى بين أعضاء وقيادات الحزب الشيوعي.فضلا عن أن المحاولات الفكرية الماركسية الجديدة قد تجاوزت مقوله أن أسلوب إنتاج الحياة المادية هو الذي يحدد الانتماء الاجتماعي حتما(انظر على سبيل المثال د.مراد وهبه،محاورات فلسفية في موسكو، القاهرة،1974).
ما سبق من تحليل يفسر لنا تأييد بعض المفكرين الماركسيين وبعض الحركات الماركسيه لمذهبى الزنوجه الافريقانية كعلاقات انتماء حضاري اجتماعي وما يلزم منهما من وحده مطلقه،كما يفسر لنا تبنى بعض الحركات التى تتبنى هذين المذهبين للماركسيه.
تيار- مذهب- التقليد والاستناد الى مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي: يجب التمييز(لا الفصل) بين الإسلام كدين ، اى كوضع الهي مطلق يخاطب الناس في كل زمان ومكان،ممثلا في أصوله الثابتة التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة التي لا تحتمل التأويل أو الاجتهاد والتي لا يجوز مخالفتها ، وبين المذاهب – اوالتيارات الفكرية بالمصطلح المعاصر- الإسلامية بما هي اجتهادات تنسب إلى أصحابها ولو أسموها مذاهب اسلاميه، وصحتها أنها مذاهب في الفكر الاسلامى، ويتحملون مسئولية ما فيها من قصور ولهم فضل ما فيها من توفيق وهى مذاهب لا شامله في المكان ولا عامه في الزمان ، ممثلة في اجتهادات المسلمين في تفسير فروع الدين الظنية الورود والدلالة التي تحتمل التأويل . استنادا الى هذا التمييز نفهم ان تقرير المذهب – او التيار الفكرى بالمصطلح المعاصر- التقليدى ان اقرار علاقة الانتماء الاسلاميه للشخصية السودانية(التي هي في الأصل علاقة انتماء ديني – حضاري) يقتضى إلغاء علاقات انتمائها الأخرى ومنها علاقات انتمائها الوطنيه والقوميه ، لا يعبر عن الاسلام كدين ، وموقفه من وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي وعلاقات الانتمائها، بل يعبر عن مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي ، والذى يستند إلى افتراضين خاطئين: الافتراض الأول : أن الإسلام ينكر وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي المتعددة، وهو ما يتعارض مع حقيقة إقرار الإسلام كدين لوحدات وأطوار التكوين الاجتماعي المتعددة وهى :ا / الأسرة كما في قوله تعالى ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ﴾.ب/العشيرة كما في قوله تعالى ﴿وانذر عشيرتك الأقربين﴾ .ج/القبيلة ثم الشعب كما في قوله تعالى (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا . د/ أمه التكوين- الطور القومى- التي مناط الانتماء إليها هو اللسان وليس النسب لقول الرسول (صلى لله عليه وسلم)(ليست العربية بأحد من أب ولا أم إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي)، كما تتميز باستقرار الجماعات في الأرض، فتكون ديارها، قال تعالى ﴿أنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ (الممتحنة:9) . الافتراض الثاني: أن الإسلام ينكر علاقات الانتماء إلى وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي. وهو ما يتعارض مع إقرار الإسلام كدين لعلاقات الانتماء إلى وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي ( ومنها علاقة الانتماء القومية …) ومن أدله ذلك : قال تعالى (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ )(الزخرف : 44)، وفى السنة النبوية ورد في الحديث سأل واثلة قال: (يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه) قال (لا ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم) (رواه أبن ماجه والإمام أحمد)..

هذه الوحدة المطلقة في مجال الهوية للتيار التقليدى – الذى يستند الى مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي – ترتبط بوحدة مطلقة في المجال السياسي الاقتصادي القانوني… مضمونها وجوب انفراد المسلمين( باعتبارهم ممثلين لعلاقة الانتماء الاسلاميه للشخصية السودانية ) بالسلطة و الثروة … دون غير المسلمين، مما يؤدى إلى أن يحرم غير المسلمين من حق المواطنة ، وهو ما يناقض الإسلام. ففي المدينة المنورة و في ظل الصحيفة تكون “شعب” تتعدد فيه علاقات الانتماء إلى الدين(المسلمين أمه واليهود أمه) ولكن يتوحد الناس فيه مع اختلاف الدين في علاقة انتماء إلى أرض مشتركة اى علاقة انتماء إلى وطن.
ثانيا: الدعوه للانفصال كفعل ( مذهب التعدد المطلق ): فالدعوه الى الانفصال هنا هى فعل قائم بذاته،وتسند الى موقف قائم على اتخاذ علاقات الانتماء المتعددة للشخصية الحضارية السودانية كدليل على تعدد الشخصيات الحضارية ، ونفى وجود شخصية حضارية سودانية واحدة. هذا التعدد المطلق في مجال الهوية يرتبط بتعدد مطلق في المجال السياسي الاقتصادي القانوني… مضمونه التطرف في التأكيد على حرية الجماعات القبلية والشعوبية المكونة للمجتمع السوداني لدرجه إلغاء وحده مجتمع السوداني.
مذهب الافريقانية كمذهب للتعدد المطلق: فهناك الدعوة الى الانفصال كفعل قائم بذاته ، والتي تلزم من التعدد المطلق ، الذى يلزم من مذهب الافريقانية – والذي عرفناه اعلاه-
مذهب الفردية المطلقة(الليبرالية التقليدية): و من اهم ممثلي مذهب التعدد المطلق على المستوى العالمى الليبرالية التي هي في الأصل فلسفه فردية ترى أن الفرد ذو حقوق طبيعية سابقة على وجود المجتمع ذاته، استنادا إلى فكرة القانون الطبيعي الذي مضمونها أن مصلحة المجتمع ككل ستتحقق حتما من خلال سعى كل فرد لتحقيق مصلحته الفردية. وهي بهذا تتطرف في تأكيد وجود الفرد إلي درجة تلغى فيها وجود الجماعة. فالفلسفة الليبرالية تقوم على التعدد المطلق على مستوى السياسي الاجتماعي، وعلى مستوى الهوية ، بتأكيدها على حرية الأفراد والجماعات القبلية والشعوبية المكونين للمجتمع، على حساب وحدة المجتمع والدولة كممثل لهذه الوحدة ، مما يؤدى إلى إلغاء أو إضعاف علاقات الانتماء المتعددة للشخصية المعينة(بما فيها علاقة الانتماء الأسرى) ، فيصبح انتماء الفرد إلى ذاته وولائه إلى مصلحته. كما يؤدى إلي إلغاء المساواة كما هو ماثل في تجربة المجتمعات الغربية،وقد يؤدى إلى الفوضى ” تفكك الدولة،الانهيار الاقتصادي”كما هو ماثل في تجربة مجتمعات العالم الثالث. ورغم أن الليبرالية تقر بالامه كوحدة تكوين اجتماعي وان كانت تنظر إليها كوجود طبيعي(خالد) وليس كطور تكوين اجتماعي هناك أطوار سابقة عليه وستكون في المستقبل أطوار لاحقه عليه ، إلا أنها في المنطقة العربية ككل كانت تكرس لاستبدال الوجود القومي بالوجود الوطني”الاقليمى”، واستبدال الانتماء القومي بالانتماء الوطني، لتصبح ذات مضمون شعوبي مرتد إلى مرحله الطور الاجتماعي السابق. (د.عصمت سيف الدولة،عن العروبة والإسلام، ص422). ومرجع ذلك أن الاستعمار ” القديم والجديد” الذي هو احد إفرازات الرأسمالية كنظام ليبرالي في الاقتصاد هو الذي خلق التجزئة ويحرسها.كما أن الليبرالية في المنطقة الاسلاميه ككل تكرس للتغريب ، الذي هو قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية، كقاعدة نفسية لازمه لنمو الولاء للنظام الليبرالي الفردي الراسمالى العلماني…على حساب الولاء للنظام الاسلامى، ومرجع ذلك أن الحل الليبرالي لمشكلة العلاقة بين الدين والدولة هو العلمانية(فصل الدين عن الدولة). إن ما سبق من تحليل يفسر تأييد بعض الشخصيات والتيارات الليبرالية للدعوات الانفصالية فى السودان وغيره ، او تبنى بعض التيارات الانفصالية الليبرالية كأيديولوجية.
للإطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة العنوان (http://drsabrikhalil.wordpress.com).

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

الهيمنة الإستعمارية فى عصر الذكاء الإصطناعى

الهيمنة الإستعمارية فى عصر الذكاء الإصطناعى: حروب السيطرة على المعادن النادرة والمياه والطاقةsabri.m.khalil@gmail.comد. صبري محمد …

اترك تعليقاً