علاء خيراوي
■ يبدو أن عبدالفتاح البرهان ذاهب إلى معركة الثاني عشر من سبتمبر في مجلس الأمن محمولاً هذه المرة على قنابل الكلور نفسها التي ظن أن دخان الحرب قادر على إخفائها. فما نشرته صحيفتا نيويورك تايمز وواشنطن بوست، قبل أيام قليلة فقط من التصويت المرتقب، ليس خبراً عابراً يمكن لسلطة بورتسودان أن ترد عليه ببيان إنكار ثم تمضي؛ نحن أمام ملف من الوثائق والمراسلات والصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات، يكشف تفاصيل تصنيع وتخزين ذخائر كيميائية قائمة على الكلور داخل المؤسسة العسكرية السودانية، ويضع معرفة مسؤولين في أعلى هرم الجيش، وعلى رأسهم البرهان نفسه، في قلب القضية. ولا أزعم أن الصحيفتين اختارتا هذا التوقيت لخدمة مشروع القرار الأمريكي؛ فليس لدينا ما يثبت ذلك، ولا نحتاج أصلاً إلى ادعائه. لكن الذي لا يحتاج إلى كثير ذكاء لإدراكه هو أن انفجار هذا الملف الآن، وقبل أيام من واحدة من أهم معارك السودان داخل مجلس الأمن، سيجعل من الصعب جداً الفصل بين قنابل الكلور وبين صناديق التصويت عندما يجلس أعضاء المجلس لاتخاذ قرارهم.
■ ولكي ندرك لماذا يمكن لهذه التسريبات أن تصبح ثقلاً سياسياً هائلاً في معركة الثاني عشر من سبتمبر، يكفي أن نعرف ما الذي وقع فعلياً في أيدي الصحيفتين وكيف وصل إليهما. فالأمر لا يتعلق بشهادة مجهولة أو ورقة منفردة، وإنما بحزمة استخباراتية ضخمة سلّمها مسؤولون أمنيون من الشرق الأوسط، قالوا إن موادها جُمعت من مصادر داخل السودان، وتضم وثائق عسكرية داخلية ورسائل واتصالات وتسجيلات صوتية وصوراً ومقاطع فيديو لعمليات تصنيع واختبار الذخائر؛ ثم أخضعت واشنطن بوست المواد لفحص أكثر من عشرين مسؤولاً استخباراتياً وخبيراً ومفتشاً سابقاً في الأسلحة الكيميائية، فضلاً عن خبراء في الأدلة الرقمية، ولم يجد الفحص في المواد التي جرى التحقق منها مؤشرات على التلاعب. وتكشف الحزمة عن مخزون قيل إنه بلغ ٢٩٠ ذخيرة كيميائية، وعن ١٠٦ قنابل قيل إنها استُخدمت، وعن قدرة محتملة على إنتاج ما يصل إلى ١١٠٠ قنبلة، بل وعن قنبلة مزدوجة التأثير تحمل نحو ١٥ كيلوغراماً من الغاز و٢٠ كيلوغراماً من المتفجرات. والأشد فداحة أن بعض المواد تشير إلى أخذ أسطوانات كلور من منشأة لمعالجة مياه الشرب، بينما تتحدث رسائل أخرى عن وصول عشرين خزاناً عبر الحدود المصرية. ثم يصل الخيط إلى قمة السلطة نفسها؛ فالمواد تتضمن اتصالات مرتبطة بالبرهان، ورسالة قيل إنها أُرسلت إليه لطمأنته بأن موقعاً عسكرياً جرى تنظيفه من “الآثار والبقايا”، بينما تكشف وثيقة تحمل توقيعه أن طارق مدني، الذي تصفه مصادر الملف بأنه المهندس الرئيسي للبرنامج، أُدخل نفسه ضمن لجنة التحقيق السودانية في اتهامات الأسلحة الكيميائية “لخبرته”، قبل أن يخرج التحقيق معلناً أنه لم يجد دليلاً على تلوث كيميائي. أي أن العالم لا يقف هذه المرة أمام اتهام مرسل، وإنما أمام ملف يقول، إذا ثبتت تفاصيله كاملة، إن من كان يفترض أن يكون موضع التحقيق أصبح جزءاً من التحقيق نفسه، وإن خيوط البرنامج المزعوم لم تتوقف عند مخزن أو ضابط صغير، وإنما صعدت حتى أبواب مكتب البرهان.
■ ففي الثاني عشر من سبتمبر لا تخوض واشنطن معركة لتمديد إجراء روتيني فحسب؛ وإنما تريد تغيير قواعد اللعبة نفسها، بالدفع نحو توسيع حظر السلاح المحصور حالياً في دارفور ليشمل السودان كله. وهنا تبدأ الحسابات الحقيقية؛ فالولايات المتحدة تحتاج إلى تسعة أصوات لتمرير مشروعها، لكنها تحتاج فوق ذلك إلى ألا ترفع روسيا أو الصين يد الفيتو في وجهه. وموسكو وبكين ظلتا من أبرز المعترضين على توسيع الحظر، ولذلك فإن المعركة الأمريكية معهما ليست بالضرورة لإقناعهما بأن تصوتا إلى جانب القرار؛ يكفي واشنطن أن تدفعهما خطوة واحدة إلى الخلف، من خانة الفيتو إلى خانة الامتناع. وهنا تحديداً تأتي خطورة التسريبات الأخيرة؛ لأنها ترفع الثمن السياسي والأخلاقي الذي ستدفعه أي دولة دائمة العضوية تقرر استخدام حق النقض ضد تشديد القيود على تدفق السلاح، بينما تتصدر الصحافة العالمية أدلة بهذه الخطورة عن تصنيع واستخدام ذخائر كيميائية في السودان. لقد تغير السؤال ببساطة؛ لم يعد؛ هل تؤيدون توسيع حظر السلاح؟ وإنما؛ هل أنتم مستعدون لاستخدام الفيتو لمنع ذلك بعد كل ما ظهر؟
■ ولهذا تدور الآن، بعيداً عن ضجيج المدافع في السودان، حرب أخرى لا تقل شراسة؛ حرب على خمسة عشر مقعداً داخل مجلس الأمن. فمساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية فرانك غارسيا يقوم بجولة أفريقية تنتهي في العاشر من سبتمبر، قبل التصويت بيومين فقط، وكان السودان حاضراً بالفعل ضمن مباحثاته مع قيادة الاتحاد الأفريقي، بينما تتحرك سلطة بورتسودان في الاتجاه المضاد لمحاولة الاحتفاظ بما تستطيع من جدار سياسي داخل المجلس، وتصبح أصوات الدول الأفريقية غير الدائمة، وفي مقدمتها ليبيريا والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ذات وزن استثنائي في حسابات التسعة أصوات. ولا أحتاج هنا أيضاً إلى الادعاء بأن كل محطة في جولة غارسيا مخصصة لحشد الأصوات؛ فالسياسة لا تُقرأ فقط من البيانات الرسمية وإنما من تزامن المصالح والمواعيد والتحركات. واشنطن تريد تسعة أصوات وامتناع موسكو وبكين عن الفيتو، وبورتسودان تريد العكس تماماً؛ حرمانها من الأصوات التسعة، أو إبقاء إصبع روسي أو صيني واحد على الأقل فوق زر النقض. إنها، بكل معنى الكلمة، منافسة محتدمة بين واشنطن وبورتسودان، ولكل منهما حساباته وأوراقه وحلفاؤه.
■ لكن الورقة التي لم تكن في حسابات بورتسودان بهذه القوة هي أن تدخل هذه المعركة بينما رائحة الكلور تسبقها إلى نيويورك. فالبرهان الذي أمضى سنوات الحرب وهو يقدم نفسه إلى الخارج باعتباره رأس “الدولة السودانية” وحامي “مؤسساتها الشرعية”، يجد اسمه اليوم مرتبطاً في تحقيقات صحفية دولية كبرى بملف لا يتعلق بقرار عسكري سيئ أو بانتهاك عابر في ساحة قتال، وإنما بأحد أكثر المحظورات الدولية خطورة؛ الأسلحة الكيميائية. صحيح أن تحديد المسؤولية الجنائية الفردية النهائية يحتاج إلى تحقيق مستقل وسلسلة أدلة مكتملة، لكن هذه مسألة تختلف تماماً عن السؤال السياسي المطروح اليوم؛ فالدول التي ستصوت في مجلس الأمن لا تجلس في محكمة جنائية لتصدر حكماً على البرهان، وإنما تقرر ما إذا كان استمرار تدفق السلاح إلى حرب كهذه يخدم السلام والأمن أم يغذي الكارثة. وبعد ما نشرته نيويورك تايمز وواشنطن بوست، أصبحت كلفة الإجابة عن هذا السؤال بالطريقة التي تريدها بورتسودان أعلى بكثير مما كانت عليه قبل أسبوع واحد فقط.
■ ولهذا فإن الثاني عشر من سبتمبر ليس موعداً عادياً في روزنامة مجلس الأمن؛ إنه اختبار سياسي حقيقي لما تبقى من قدرة البرهان وحلفائه على الاحتماء بتوازنات القوى الدولية. فإذا حصلت واشنطن على أصواتها التسعة، واستطاعت الضغوط المتراكمة، وفي مقدمتها ملف الأسلحة الكيميائية، أن تجعل موسكو وبكين تفضلان الامتناع على دفع الكلفة السياسية للفيتو، فإن سلطة بورتسودان ستتلقى ضربة دولية بالغة القسوة، وسينتقل حظر السلاح من دارفور إلى السودان كله. أما إذا تدخل الفيتو وأنقذها، فلن يمحو ذلك وثيقة واحدة، ولن يبدد صورة واحدة، ولن يجعل قنبلة كلور أقل سمية؛ بل سيكشف فقط، مرة أخرى، إلى أي مدى تستطيع مصالح الدول أن تقف بين الجريمة والمحاسبة. وتلك ربما تكون المفارقة الأكثر مرارة في كل هذه الحرب؛ أن البرهان الذي بحث عن شرعيته في فوهات البنادق، ثم في عواصم الإقليم، ثم خلف الفيتو الدولي، قد يجد نفسه في الثاني عشر من سبتمبر يبحث عنها هذه المرة من خلف سحابة من غاز الكلور.
