كارثة الحرب والفقر المؤقت.. مداخل أولية للتكيف

 


 

 

كتب د. محمد عبد الحميد

فرضت الحرب اللعينة التي يعيشها أهل السودان حالة من الفقر على قطاعات عريضة من المجتمع السوداني. وإن إتسم هذا الفقر بأنه مؤقت أو عارض... غير أن أخطر ما فيه هو عدم الإعتراف به أو التعامل معه بأنه لم يحدث... فبرغم أن علميّ الإجتماع والاقتصاد لم يفردا مباحث معمقة في أدبياتهما على قضايا الفقر المؤقت Temporary Poverty إلا أن علم الحد من مخاطر الكوارث يُعني بهذا النوع من الفقر لإرتباطه المباشر بإقتصاديات الكوارث.. فالكارثة عندما تضرب مجتمعاً ما فإن من أكبر ما تخلفه هو حالات الفقر المؤقت التي تصيب معظم المتضررين من الكارثة... ويمكن القول أن حرب 15 أبريل اللعينة هي أكبر كارثة تواجه المجتمع السوداني منذ مجاعة سنة ستة 1306 هجرية الشهيرة المستكنة في الذاكرة الجمعية من حيث تأثيرها عمقاً وانتشاراً. فالحرب ككارثة قد أصابت المجتمع السوداني في العظم وعلى مستويين هما اللذان يحددان قوتها في الزمان والمكان فهي بهذا المعنى كارثة كبرى Mega disaster ففي الزمان فقد إستمرت الي ما يقارب العام، وهذه فترة طويلة لمجتمع كان يتميز أصلاً بالهشاشة الاقتصادية. ومكانياً فقد اتسع نطاقها الجغرافي ليشمل نطاق الحرب النشط Active war zone ومواقع لم تصلها الحرب بيد أنها تأثرت بها بشكل غير مباشر. هذا فضلاً عما تتميز به من قدرة تدميرية هائلة التي تتسم بها عادة الكوارث الماحقة لذلك فإن كارثة الحرب قد عصفت ومازالت تعصف بالكيان الإجتماعي السوداني مما يستوجب التعامل معها وفقا لمعطياتها ككارثة لا كحدث يختص به المتحاربون في ميدان القتال.
بنظرة عامة فقد أثرت الحرب على مجمل البناء الاجتماعي طبقياً وبصفة خاصة على الطبقة الوسطى لاسيما سكان المدن الكبرى خاصة في العاصمة الخرطوم ومدني والأبيض وكادوقلي ونيالا والفاشر والجنينة وغيرها من المدن فقد وجد معظم سكان هذه المدن أنفسهم بين نازح ولاجئ، وهذا الحراك السكاني المرتبط بالكوارث هو أهم عّرّض symptom للفقر المؤقت لإرتباطه مباشرة بفقد وسائل سبل كسب المعيشة، إن كانت رواتب على مستوى العاملين في الدولة أو في القطاع الخاص أو حتى في السوق على مستوى التجار وأصحاب المهن الحرة وعمال اليومية.
عادة ما تظهر أعراض الفقر المؤقت على فترة طويلة نسبياً من الزمن، وقد تصاحبه حالة من الإنكار النفسي والذهني Mental & psychological denial لذلك فمن يتعرضون له قد لا يدركون وضعهم الجديد كفقراء إلا بعد مُضي زمن طويل نسبياً.. وبما أنه نوع مؤقت من الفقر عادة ما يسترد هؤلاء حياتهم المعتادة بعد انقضاء الكارثة غير أن الأمر في ظروف حرب تتميز بحالات واسعة من النهب والسلب للأصول والممتلكات (الافقار المنظم) بأنها كارثة ربما تفوق الأوضاع العادية في أعقاب كوارث من صنع الطبيعة.. عموماً سوف يحتاج جل أو معظم المتأثرين بهذه الحرب لفترة طويلة للتعافي والخروج من الفقر المؤقت و يعتمد في ذلك على شرطين أساسيين الأول : ذاتي يرتبط بهم وبدرجة وعيهم الكلي بالوضع الجديد الذي يستلزم حالة صارمة من القدرة على التكيف adaptation capacity وهذا هو مربط الفرس. الشرط الثاني: القدرة على إعادة الأعمار Rehabilitation للبنى التحتية والمؤسسات الحكومية التي لحقها الدمار على مستوى الدولة وهذا في تقدير الكاتب شبه مستحيل في ظل ظروف السودان وما يكتنف الوضع الدولي والاقليمي حالياً من تعقيدات.. فبالرجوع للشرط الأول يلاحظ أنه لا يحدث من تلقاء نفسه، وإنما يستلزم مجموعة إجراءات تكيف خاصة وسط أبناء الطبقة الوسطى والذين إما نزحوا للمدن الكبرى أو عواصم دول الجوار أو الخليج، فهؤلاء لايزالون يعيشون تفاصيل حياتهم اليومية دون إدراك حقيقي بأنهم قد انزلقوا في مدارج الفقر المؤقت، فمعظمهم مازال يعيش حياته كأنه في سياحة قصيرة، فتفاصيل حياتهم لم يكد يطرأ عليها أي نوع من التكيف وربما وجدوا العون من الأهل والأقارب في الخارج الذين يمدون يد العون بالتحويلات البنكية لدعمهم أو اعتمادا على بقية مدخرات مالية أو مصوغات ذهبية وهذا ما يزيد الشعور الزائف بأنهم لم ينزلقوا بعد للفقر المؤقت، وأكثر ما يفاقم هذا الشعور الزائف بإنكار أو عدم الإعتراف بالفقر الجديد الطارئ أنهم يحلمون بعودة عاجلة لأوضاع ما قبل الحرب وأن بإمكانهم استئناف حياتهم السابقة حالما تضع الحرب اوزارها وتلك أماني تعشش في مخيلة معظم أبناء الطبقة الوسطى، فتراهم يتسقطون الأنباء بشعور رغبوي غير واقعي عن قرب انتهاء الحرب دون أن يقدموا على حالة تكيف مع الأوضاع الجديدة التي تتسم بالفقر المؤقت.
فمع صعوبة إسقاط نموذجاً واحداً على كل متضرري الحرب إلا أن نظرة عامة على مجمل أوضاع السودانيين المتواجدين في مصر على سبيل المثال، يمكن تقرير أن معظمهم غير مدرك لحقيقة كونهم قد ولوجوا في دائرة الفقر فمعظمهم - حتى من أخذوا صفة اللجؤ - يعيش حياة لا تتسق بأي حال ووضع اللاجئ الحقيقي كما أن معظمهم لا يتلقون عوناً مباشراً وكافياً من المؤسسات الدولية خاصة مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة ومع ذلك فهم يمارسون كافة طقوس حياتهم الإجتماعية بذات التفاصيل التي كانوا يعيشونها. كما أن معظمهم مستأجرين لشقق بمبالغ قد تستهلك معظم أموالهم ولا تتناسب وأوضاعهم الجديدة كفقراء مؤقتين، كما أن معظم أبناءهم قد تم تسجيلهم في مدارس خاصة انتقلت من الخرطوم للقاهرة وبنفقات أعلى مضاف إليها رسوم المواصلات والأكل والشرب وحتى الترفيه.. هذا فضلا عن المجاملات الإجتماعية التي انتقلت معهم بذات التقاليد المرعية بقدرة وبدون قدرة.
على عموم الأمر يمكن إجمال المداخل العملية على التكيف مع أوضاع الفقر المؤقت في خطوات أهمها
أولا: الاعتراف بالدخول في دائرة الفقر المؤقت مهما شق ذلك على النفس، أو مهما انكرته النفس أو الوسط الاجتماعي. ثم التصرف وفقاً لمطلوبات حياة الفقر المؤقت.
ثانياً: ترتيب الأولويات، فطبقاً لخطوات الإدارة القائمة على النتائج RBM يجب وضع الأولويات كلها ثم إعادة ترتيبها حسب الأهمية القصوى لاوجه الصرف فعلى سبيل المثال اذا كانت الأولويات عشرة يجب أن تقلص لحدود الستة أو سبعة أولويات كحد أعلى معنى ذلك أن هنالك بعض الاحتياجات التي كان ينظر لها كاولوية لابد أن تسقط.
ثالثاً: ضرورة إشراك أفراد الأسرة في وضع وترتيب الأولويات بعد شرح الوضع الجديد والالتزام الصارم بالتقيد بالصرف ضمن ما استقرت عليه قائمة الأولويات مهما كانت صعوبة ومضاضة ذلك.
رابعاً : اللجؤ لإنشاء جمعيات خيرية إنسانية تعنى بحالات الدعم المباشر والضغط على المنظمات الدولية أن تضطلع بمهامها تجاه مجتمع اللاجئين أو النازحين بصورة أكبر ودعمهم بالمواد التموينية اللازمة للحياة اليومية.
خامساً: يتوجب على الحكومة السودانية عبر السفارات أن يكون لها دور إنساني أكبر من مجرد المعاملات القنصلية وأن تكف يدها عن إستخدام اللاجئين كمصدر دخل في معاملاتها الرسمية.
هذه مداخل أولية لإمكانية التكيف مع ظروف الفقر المؤقت أثناء كارثة الحرب التي أحدٌ لا يمكنه التكهن بنهايتها أو بالكيفية التي ستنتهي عليها. غير أن أمراً واحداً يمكن الجزم به واعادة تأكيده هو أن كل من تأثر بالحرب قد دخل في دائرة الفقر المؤقت أو العارض الذي يحتاج لوعي متقدم لتجاوزه حتى وإن وجد البعض العون من المغتربين، فربما تتسع دائرة الفقر لتشمل حتى المغتربين أنفسهم لأن ما يرسلونه من دعم لإسرهم دون التكيف مع أوضاع الفقر المؤقت سيكون بلا شك خصم على قدراتهم في التوفير والادخار مما سيشكل عليهم عبئاً على حساب عمرهم وصحتهم ورفاهههم وسيكونون كمن يحاول ردم بئر لا قرار لها بحقف صغير من الرمال.
د.محمد عبد الحميد استاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث

wadrajab222@gmail.com

 

آراء