مقدمة: حين يصطدم الأمل بواقع الدولة المأزوم
يكشف المشهد السياسي السوداني المعاصر عن مفارقة عميقة: فبينما تتسع دائرة الحرب وتتفاقم الكارثة الإنسانية والاقتصادية، تتجدد الرهانات على التغيير الحكومي بوصفه مدخلاً للخروج من الأزمة، وكأن تبديل شاغلي المناصب قادر، بمفرده، على إعادة بناء دولة تتآكل مؤسساتها وتتصدع بنيتها السياسية والاجتماعية. وفي هذا السياق، جاء تشكيل حكومة الدكتور كامل إدريس، المعروفة باسم «حكومة الأمل»، محمّلاً بتطلعات واسعة تتصل بإصلاح الإدارة المدنية، وترسيخ النزاهة، وترشيد الإنفاق، واستعادة الحد الأدنى من فاعلية الدولة.
غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بمدى جاذبية هذه الوعود أو بكفاءة أصحاب السير الذاتية اللامعة، بقدر ما يتعلق بالشروط السياسية والمؤسسية التي تتيح تحويلها إلى واقع ملموس. فهل تستطيع حكومة الأمل تجاوز الاختلالات التي عطّلت الدولة السودانية لعقود، أم أنها ستجد نفسها محاصرة بالبنية ذاتها التي أفرغت مبادرات الإصلاح السابقة من مضمونها؟
إن جوهر المعضلة هنا يتجاوز حدود الأداء الوزاري أو الإخفاق الإداري؛ فهو يتصل بطبيعة الدولة، وموازين القوى داخلها، وآليات توزيع السلطة والثروة، واقتصاد الحرب الذي يفرض منطقه على مؤسسات الحكم والمجتمع. ومن ثم، فإن تقييم تجربة كامل إدريس ينبغي أن ينطلق من التمييز بين طموحات الإصلاح وحدود القدرة على إنجازه، وبين مسؤولية الأفراد عن قراراتهم ومسؤولية المنظومة عن إنتاج الأزمات وإعادة تدويرها.
أولاً: صناعة التوقعات في زمن الحرب
تبدأ معضلة حكومة الأمل من اللحظة التي وُضعت فيها أمام مجتمع أنهكته الحرب، ودولة تتنازعها مراكز القوة، واقتصاد فقد قسماً كبيراً من قدرته على الإنتاج وتوفير الخدمات الأساسية. ففي مثل هذه الظروف، لا يُستقبل التغيير الحكومي باعتباره إجراءً إدارياً محدوداً، بل يُحمَّل، في كثير من الأحيان، آمالاً تتجاوز قدرات الحكومة ذاتها، لتشمل وقف الحرب، واستعادة الأمن، وتحسين الأوضاع المعيشية، وإعادة بناء المؤسسات، وتهيئة شروط العودة الطوعية والآمنة للنازحين واللاجئين.
لكن الفجوة بين التوقعات والقدرات تظل واسعة ما لم تُحدَّد طبيعة الأزمة التي يُراد للحكومة معالجتها. فالحرب ليست مجرد اضطراب أمني يمكن احتواؤه بقرارات تنفيذية، كما أن الانهيار الاقتصادي ليس خللاً فنياً تعالجه مجموعة من السياسات المالية المنفصلة عن الواقع السياسي. إنهما نتاج تفاعلات معقدة تشمل ضعف المؤسسات، وتعدد مراكز القرار، واختلال العلاقة بين المدني والعسكري، وتراكم النزاعات حول السلطة والموارد.
ومن هنا، تنشأ خطورة التعويل المفرط على التغيير الوزاري؛ إذ قد يتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج التوقعات السياسية وامتصاص الاحتقان العام، من دون أن يقترن بتحولات فعلية في بنية الحكم وآليات اتخاذ القرار. ولا يعني ذلك أن التغيير الحكومي عديم الجدوى، بل إن أثره يظل محدوداً ما لم يستند إلى تفويض سياسي واضح، وصلاحيات فعلية، وموارد قابلة للتعبئة، ومؤسسات قادرة على تنفيذ القرارات ومراقبة نتائجها.
إن التحدي أمام كامل إدريس، في هذا السياق، ليس تقديم خطاب جديد عن الإصلاح فحسب، وإنما تحديد ما تستطيع حكومته إنجازه واقعياً، وما يتطلب توافقات سياسية أوسع، وما يظل مستحيلاً في ظل استمرار الحرب وتفتت السلطة.
ثانياً: الكفاءات في مواجهة بنية السلطة
تتمثل إحدى الإشكاليات المركزية في تجارب حكومات الكفاءات والتكنوقراط في الاعتقاد بأن الخبرة المهنية والتحصيل الأكاديمي والنزاهة الشخصية تكفي لضمان نجاح الإدارة العامة. فهذه الصفات، على أهميتها، لا تعمل في فراغ؛ إذ تتحدد فاعليتها بمدى استقلال القرار التنفيذي، ووضوح الاختصاصات، وخضوع مؤسسات الدولة للمساءلة، وقدرة المسؤولين على مقاومة ضغوط المصالح المتعارضة.
فالوزير، مهما امتلك من خبرة، لا يستطيع إصلاح مؤسسة تتوزع سلطة القرار فيها بين جهات متعددة، أو تنفيذ سياسة مالية لا يملك أدوات ضبط مواردها، أو مكافحة الفساد من دون أجهزة رقابية مستقلة وقضاء فعّال ونظام واضح للمحاسبة. وفي الدولة التي تعاني هشاشة مؤسسية، قد تتحول الكفاءة الفردية إلى طاقة معطّلة، لا بسبب نقص المعرفة بالضرورة، وإنما بسبب غياب البيئة التي تسمح بتوظيفها.
وتزداد هذه المعضلة تعقيداً عندما تتشابك المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية مع الجهاز البيروقراطي، فتغدو بعض القرارات الإصلاحية موضع مقاومة مباشرة أو غير مباشرة. وعندئذ، لا يكون الاختبار الحقيقي للمسؤول هو قدرته على صياغة السياسات فحسب، بل مدى امتلاكه الأدوات المؤسسية والقانونية اللازمة لتنفيذها، ومدى استعداده لتحمل الكلفة السياسية المترتبة على مواجهة شبكات المصالح.
وفي مثل هذه البيئة، يبرز خطر ما يمكن تسميته «العجز المؤسسي المُدار»: أي استمرار الخطاب الإصلاحي بالتوازي مع محدودية التغيير الفعلي، بحيث تنشغل الحكومة بإدارة الضغوط اليومية وإطلاق الوعود المتجددة، بينما تبقى الاختلالات الأساسية خارج نطاق المعالجة.
غير أن اختزال هذه المعضلة في إخفاق الوزراء وحدهم لا يقلل من تعقيد الأزمة فحسب، بل يحجب السؤال الأهم: هل تملك حكومة الأمل شروط الحكم الفعلي، أم أنها مطالبة بتحقيق نتائج لا تتناسب مع حدود سلطتها ومواردها؟
إن الإجابة تقتضي التمييز بين ما يقع ضمن مسؤولية الحكومة المباشرة، مثل تحسين الإدارة والشفافية وترتيب الأولويات، وبين ما يتطلب إعادة تنظيم العلاقة بين مؤسسات الدولة ومراكز القوة، وهي مهمة لا تستطيع التعيينات الوزارية وحدها إنجازها.
ثالثاً: اقتصاد الحرب وشبكات المصالح
لا يمكن فهم التحديات التي تواجه حكومة كامل إدريس بمعزل عن الاقتصاد السياسي للحرب في السودان. فالحرب لا تدمر البنية الإنتاجية والخدمية فحسب، بل تعيد أيضاً تشكيل المصالح الاقتصادية، وتوسّع الأنشطة غير الرسمية، وتضعف الرقابة على حركة الأموال والسلع، وتخلق بيئات تستفيد فيها بعض الشبكات من استمرار الاضطراب وغياب المساءلة.
وفي ظل هذا الواقع، تصبح إدارة الاقتصاد أكثر تعقيداً من مجرد إعداد الموازنات أو الإعلان عن خطط التقشف. فالدولة التي تتراجع قدرتها على تحصيل الإيرادات، وتضيق قاعدتها الإنتاجية، وتتزايد فيها الاحتياجات الإنسانية، تجد نفسها أمام اختلال قاسٍ بين الموارد المتاحة والالتزامات الضرورية. كما أن تدهور الخدمات الأساسية وارتفاع تكاليف المعيشة وفقدان مصادر الدخل يضعف قدرة الأسر على تحمّل المزيد من الصدمات.
ولا يمكن افتراض أن جميع الفاعلين الاقتصاديين يستفيدون بالقدر نفسه من الحرب، أو أن كل اختلال مالي دليل على وجود شبكة فساد بعينها. لكن من الضروري إدراك أن اتساع اقتصاد الظل وضعف الشفافية وتعدد مراكز السيطرة على الموارد يهيئ بيئة تسمح بتعاظم المصالح المرتبطة باستمرار الفوضى، ويجعل إخضاع التدفقات المالية والأنشطة الاقتصادية للمساءلة تحدياً سياسياً ومؤسسياً في آن واحد.
ومن هنا، فإن أي مشروع جاد للإصلاح الاقتصادي ينبغي أن يتجاوز الشعارات العامة حول التقشف ومحاربة الفساد إلى إجراءات قابلة للقياس، تشمل تعزيز شفافية الإيرادات والإنفاق العام، وتحديد أولويات الموازنة وفق الاحتياجات الإنسانية والخدمية، وتحسين نظم المشتريات الحكومية، وتفعيل الرقابة المستقلة، ونشر المعلومات المالية المتاحة للرأي العام.
كما يتطلب الإصلاح معالجة العلاقة بين الموارد العامة ومراكز النفوذ، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وحماية سبل كسب العيش، وإعادة تأهيل القطاعات التي يمكن أن توفر فرص العمل وتدعم التعافي الاقتصادي.
ومع ذلك، فإن هذه التدابير، مهما بلغت أهميتها، لن تحقق أثرها الكامل إذا ظلت الحرب مستمرة، أو بقيت مؤسسات الدولة منقسمة، أو غابت التسوية السياسية القادرة على توفير الحد الأدنى من الاستقرار. فالإصلاح الاقتصادي ليس بديلاً عن إنهاء الحرب، كما أن وقف الحرب وحده لا يضمن بناء اقتصاد عادل وشفاف؛ بل إن المسارين يحتاجان إلى التقدم بصورة متكاملة.
رابعاً: حقول الألم الجمعي وأزمة الثقة الوطنية
وراء المؤشرات الاقتصادية والبيانات الإدارية تقف المأساة الإنسانية السودانية، وهي البعد الذي ينبغي أن يشكل المعيار النهائي لأي مشروع حكومي يدّعي استعادة الدولة وخدمة المواطنين. فالحرب لم تخلّف خسائر مادية فحسب، وإنما أحدثت تمزقاً عميقاً في العلاقات الاجتماعية، وأضعفت الروابط بين المجتمعات ومؤسسات الحكم، وراكمت تجارب قاسية من الفقد والنزوح والتهميش وانعدام الأمان.
ويمكن وصف هذه المساحات المتراكمة من المعاناة المادية والنفسية والاجتماعية بـ«حقول الألم الجمعي»؛ حيث تتداخل الذاكرة الجريحة مع فقدان المسكن ومصادر الدخل، وتتشابك المخاوف الأمنية مع الشعور بالإقصاء وانعدام العدالة. ولا تنحصر هذه المعاناة في مناطق القتال المباشر، بل تمتد إلى المجتمعات المضيفة للنازحين، والأسر التي فقدت معيلها، والشباب الذين تعطلت فرص تعليمهم وعملهم، والنساء والأطفال الذين يتحملون أعباء استثنائية في ظروف النزاع.
في هذا السياق، لا يمكن قياس نجاح حكومة الأمل بحجم البيانات الرسمية أو عدد القرارات الصادرة أو كثافة الحديث عن الإصلاح الإداري. المعيار الأكثر اتصالاً بحياة المواطنين هو قدرة السياسات العامة على تخفيف المعاناة، وتوسيع الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية والتعليم والمياه، وحماية المدنيين، وتيسير وصول المساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف اللازمة للعودة الطوعية والآمنة والكريمة للنازحين واللاجئين.
لكن الاستجابة الإنسانية، على ضرورتها، لا تستنفد متطلبات التعافي الوطني. فالمجتمعات التي عانت من العنف والتهميش تحتاج أيضاً إلى مسارات موثوقة للعدالة وجبر الضرر، وإلى الاعتراف بمعاناتها، وإلى ضمانات تمنع تكرار الانتهاكات. ولا يمكن فرض المصالحة بقرارات إدارية أو اختزالها في خطاب عام عن التسامح؛ إذ يتطلب بناء الثقة الاعتراف بالحقوق، وتحديد المسؤوليات وفق القانون، وإتاحة المشاركة المجتمعية في صياغة مستقبل البلاد.
إن استعادة الدولة لا تبدأ من المؤسسات المركزية وحدها، بل من إعادة بناء العلاقة بينها وبين المواطنين، ولا سيما المجتمعات التي ظلت تعاني من ضعف الخدمات ومحدودية المشاركة السياسية وعدم التكافؤ في توزيع الموارد. ومن دون هذه العلاقة، قد تستعيد الدولة بعض وظائفها الإدارية، لكنها ستظل عاجزة عن استعادة شرعيتها الاجتماعية.
خامساً: من إصلاح الحكومة إلى إعادة تأسيس الدولة
إن تجاوز الحلقة المفرغة التي تعيد إنتاج الأزمات في السودان يقتضي التخلي عن الاعتقاد بأن تغيير الأشخاص، مهما بلغت كفاءتهم، يمكن أن يعوّض غياب المؤسسات الفاعلة والتوافق السياسي المستدام. فالأزمة السودانية ليست أزمة وزراء أفراد بقدر ما هي أزمة دولة، تتداخل فيها اختلالات الحكم مع النزاعات على السلطة والثروة، وتتفاعل فيها هشاشة المؤسسات مع الانقسامات الاجتماعية والإقليمية وتداعيات الحرب.
ولا يعني ذلك إعفاء الحكومة من مسؤولياتها أو منحها مبرراً مسبقاً للإخفاق. بل على العكس، فإن إدراك القيود البنيوية ينبغي أن يساعد على تحديد المسؤوليات بصورة أكثر دقة، ووضع أهداف قابلة للقياس، والتمييز بين الإنجاز الفعلي والوعود، وبين العوائق الخارجة عن السيطرة المباشرة للحكومة وأوجه القصور التي يمكن معالجتها بقرارات تنفيذية واضحة.
وفي هذا الإطار، يمكن بناء تقييم موضوعي لأداء حكومة الأمل حول خمسة اختبارات رئيسية:
أولاً: الاختبار الإنساني. ما الذي تحقق فعلياً في حماية المدنيين، وتيسير المساعدات، وتحسين الخدمات الأساسية، والاستجابة لاحتياجات النازحين والمجتمعات المضيفة؟
ثانياً: الاختبار المؤسسي. هل جرى تعزيز استقلال أجهزة الرقابة والمحاسبة، وتحسين شفافية الإنفاق، وتحديد الصلاحيات، والحد من تضارب المصالح؟
ثالثاً: الاختبار الاقتصادي. هل أصبحت الأولويات المالية أكثر وضوحاً، وهل تحسنت القدرة على تعبئة الموارد العامة وتوجيهها نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحاً، مع نشر بيانات تسمح بقياس النتائج؟
رابعاً: الاختبار السياسي. هل تسهم السياسات الحكومية في تهيئة بيئة داعمة لوقف الحرب، وتوسيع المشاركة المدنية، وفتح مسار سياسي شامل لا يستثني المجتمعات المتضررة من النزاع؟
خامساً: الاختبار الوطني. هل تتجه السياسات نحو تقليص الفجوات التاريخية في توزيع السلطة والثروة والخدمات بين أقاليم السودان، أم تستمر أنماط التفاوت التي غذّت الإحساس بالتهميش وأضعفت الانتماء إلى الدولة؟
إن هذه الاختبارات لا تمثل قائمة مطالب يمكن إنجازها جميعاً بقرار وزاري واحد، بل إطاراً للمساءلة يربط بين الإمكانات المتاحة والنتائج المعلنة، ويمنع تحويل الكفاءة الفردية إلى بديل عن الإصلاح المؤسسي.
كما أن بناء عقد اجتماعي جديد يتطلب أكثر من إعادة توزيع المناصب داخل السلطة القائمة؛ فهو يستدعي معالجة جذور النزاعات، وضمان المشاركة العادلة في صناعة القرار، ووضع قواعد واضحة وشفافة لتوزيع الموارد، وتطوير مؤسسات مدنية خاضعة للقانون والمساءلة، وإرساء ترتيبات تضمن عدم احتكار القوة أو الثروة من قبل أي مركز نفوذ.
ويظل السلام شرطاً ضرورياً لهذه العملية، لكنه ليس غايتها الوحيدة. فالسلام المستدام لا يقتصر على إسكات السلاح، وإنما يتطلب معالجة المظالم التي غذّت النزاع، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف بوسائل سياسية وقانونية، وتوفير فرص تنمية أكثر توازناً بين الأقاليم والمجتمعات.
خاتمة: الأمل بوصفه مسؤولية لا شعاراً
تقف حكومة كامل إدريس أمام معادلة معقدة تتجاوز حدود التغيير الوزاري التقليدي: فالمطلوب منها أن تستجيب لاحتياجات إنسانية متفاقمة، وتعيد تنشيط مؤسسات متآكلة، وتتعامل مع اختلالات اقتصادية عميقة، في وقت لم تُحسم فيه بعد الأسئلة الأساسية المتعلقة بالحرب والسلطة ووحدة القرار السياسي.
ومن ثم، فإن مستقبل «حكومة الأمل» لا ينبغي أن يُختزل في التفاؤل المسبق أو التشاؤم المطلق، كما لا يصح أن يُحسم استناداً إلى الألقاب أو السير الذاتية أو الوعود وحدها. بل ينبغي أن يُقرأ من خلال ما تستطيع الحكومة إنجازه فعلياً، ومدى شفافيتها في إعلان النتائج والإخفاقات، وقدرتها على تحويل الإصلاح من خطاب سياسي إلى إجراءات مؤسسية قابلة للمراجعة والمحاسبة.
فالأمل في السودان لن يصنعه تبديل الوزراء وحده، ولن يتحقق بمجرد استدعاء الكفاءات إلى مواقع السلطة، ما لم تتوافر الإرادة السياسية والمؤسسات المستقلة والموارد اللازمة والرقابة المجتمعية الفاعلة. وفي المقابل، فإن الاعتراف بعمق الأزمة لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للاستسلام أو إلى حكم مسبق باستحالة الإصلاح.
إن الرهان الحقيقي يتمثل في تحويل الحكومة من واجهة لإدارة الأزمة إلى جزء من مسار وطني أوسع لإنهائها؛ مسار يضع حماية الإنسان في مقدمة الأولويات، ويربط الإصلاح الاقتصادي بالعدالة الاجتماعية، ويجعل توزيع السلطة والثروة أكثر إنصافاً، ويؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة ومواطنيها تقوم على الحقوق والمواطنة المتساوية وسيادة القانون.
وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح الأمل أكثر من اسم لحكومة أو شعار لمرحلة سياسية؛ يصبح مسؤولية عامة، ومشروعاً مؤسسياً، والتزاماً قابلاً للمساءلة. فالسودان لا يحتاج إلى حكومة تعد بالخروج من الأزمة فحسب، بل إلى دولة تتوافر لها الشروط التي تمنع إعادة إنتاجها. وتلك هي المسافة الحقيقية بين تغيير الحكومات وإعادة تأسيس الوطن.
عوض النقر
Awad Elnager Babiker
