كلام في النت … بقلم: إبراهيم علي إبراهيم المحامي

 


 

 

(1)

 

       فشل المؤتمر الوطني فشلا ذريعاً في إجراء انتخابات حقيقية، وبدلا عنها لجأ إلى اكبر عملية احتيال سياسي قصد منها إعادة سياسة التمكين عبر ما سمي بالانتخابات، وذلك لغرض إلحاق الذل والمهانة بالأحزاب السياسية وإيهام الناس وأنفسهم بأنها انتهت إلى غير رجعة. بالمقابل فشلت الأحزاب السياسية جميعاً في تحويل نصوص الانتخابات الواردة في اتفاق السلام الشامل إلى معركة سياسية حقيقية تخوضها ضد الشريكين وتعزلها عن "مشاحناتهما" "ومساوماتهما" التي أضرت بالبلاد وبقضية التحول الديمقراطي، وبدلا من ذلك ظلت الأحزاب رهينة لحالة نفسية قادتها للشلل التام منذ التوقيع على نيفاشا حيث رهنت كل وقتتها وطاقتها لحالة من التوقع والترقب بين تصديق جدية الحكومة في إجراء الانتخابات أو عدم قيامها.

 

       ما سمي زوراً وبهتاناً بالانتخابات السودانية كانت عملية غريبة وماسخة الطعم.  فالسودانيون عرفوا الديمقراطية وخبروها عبر تاريخ وارث طويل، أساسه التوافق السياسي، ووسيلته الانتخابات وأشخاصها الأحزاب. ولكن انتخابات السودان الأخيرة لم تكن انتخابات بهذا المعنى، ولم يرد للأحزاب الاشتراك فيها، فقد توعد قادة الإنقاذ الأحزاب بالدفن وتقطيع الأوصال قبل بدء المعركة، وعندما أصرت الأحزاب على المشاركة اسقط في يد الإنقاذ وتم تغيير المعركة كلها والصناديق كلها وطبخت النتيجة على عجل، فكانت أسوأ طبخة يأكلها السودانيون.

 

       العبرة في أي انتخابات بنتائجها.  فما هي نتائج ما سمي بانتخابات السودان الأخيرة.  ما لم يعلن حتى الآن هو أن المؤتمر الوطني اكسب نفسه جميع مقاعد البرلمان القومي في الشمال، عدا ثلاثة مقاعد (حتى الآن اثنين اتحادي وواحد حزب امة) وجميع مناصب حكام الولايات، وجميع المجالس التشريعية للولايات. أي أن المؤتمر الوطني "فاز" بنسبة تفوق 99.5% وليس نسبة 68% التي قصدوا بها تلطيف فوز الرئيس البشير.  وغني عن القول أن التاريخ لم يشهد مثل هذه الانتخابات وبهذا الفوز في ظل أعتى الدكتاتوريات.

 

       بعد الانتهاء من أي انتخابات يترقب الناس ما تسفر عنه والمستحقات الجديدة التي تترتب عليها، والقوى الجديدة الصاعدة، إلا في الحالة السودانية.  باخت العملية بمجرد البدء فيها، وعلم القاصي والداني أنها ليست انتخابات، حتى اسر المرشحين لم تكلف نفسها عناء الذاهب لمراكز الاقتراع.  وبمجرد إعلان نتيجتها بساعة واحدة، صرح مسئول الحركة الشعبية في لقاء مع قناة الجزيرة، أن الانتخابات أصبحت في حكم الماضي.! تصور، بعد ساعة فقط من إعلان نتيجتها تصبح الانتخابات السودانية في حكم الماضي، أي بلا مستحقات. تعبير حقيقي وقوي وناسف لما تم.!

 

       في ظل حكومة نيفاشا كما هو معلوم احتكر المؤتمر الوطني نسبة 52% من السلطة وأخذت الحركة الشعبية نسبة 28% وأحزاب الشمال 14% وأحزاب الجنوب 6%، ورغم هذا التنوع لم تقد جهود "حكومة الوحدة الوطنية" لأي وحدة لأراضي البلاد، كما أنها لم تقد لوحدة وطنية وسط القوى السياسية وشرائح المجتمع السوداني وقواه، بل قادت لمزيد من الانقسام والتناحر الداخلي، وفي ظلها شهدت دارفور حرباً ضروسا. فكيف يتوقع من حكومة يسيطر عليها المؤتمر الوطني "تمكيناً" بنسبة 99.5% إلى وحدة وطنية؟

 

       رغم أن الانتخابات تنهي فترة المحاصصة الأولى من نيفاشا، لتحل محلها نسب فوز كل فريق في ما تبقى من الفترة الانتقالية، إلا أن المؤتمر الوطني من حبه لنيفاشا قرر تمديدها ومشاركة الحركة الشعبية بمنحها 30% كرما منه، وزيادة نوابها إلى 130 نائبا بدلا من 90، وهكذا تشهد نيفاشا أول الخروقات بمساعدة خبير أجنبي يدعى غريشون. وهذا سبب آخر لإصرار الحكومة لإلغاء الانتخابات وإجهاضها بهذه الطريقة الشاذة، أي أنها لا ترغب في انتهاء هذه المحاصصة الحنونة! حمدت الله كثيرا أن عمرها كان ست سنوات فقط.

 

       عبر الكثيرون عن مخاوفهم وقلقهم من أن مشاركة الأحزاب في هذه الانتخابات تعني منح الشرعية للرئيس البشير. ولكني كنت دائماً أقول أن مثل هذا الجدل أثير عندما قرب موعد التوقيع على نيفاشا حيث قال الكثيرون أن الاتفاقية ستمنح البشير شرعية جديدة.  ولكن واقع الحال يقول أن البشير تم اتهامه بواسطة الجنائية الدولية في ظل تنفيذه لاتفاقية نيفاشا فأي شرعية هذه التي لم تمنع عنه شر هذه التهمة وتحميه من المجتمع الدولي. وقلت أيضا أن البشير فقد الشرعية يوم قرر القفز إلى الأمام لاستلام السلطة بالانقلاب العسكري في 30 يونيو 89، عندها وفي ذلك الوقت بالتحديد ترك البشير الشرعية وراءه إلى الأبد.

 

Ibrahim Ibrahim [ibrali7@hotmail.com]

 

آراء