عبد المنعم عجب الفَيا
بَغر:
يقال في كلامنا فلان بغر من فلان. فهو بغران. يقولون: انت حاسد ولا بغران. وقد وردت الكلمة في المعاجم العربية “بَغَر” بالغين. ولكن لكي ينسجم معنى الكلمة في المعجم مع المعنى السوداني يحتاج الأمر الى تأويل.
فقد جاء في لسان العرب: “بغِر بَغَرا إذا أكثر من الماء فلم يرو واخذه من كثرة الشراب داء وكذلك البعير. وعير رجل من قريش فقيل: مات أبوك بَشما وماتت أمك بَغَرا”. والبشم تخمة الطعام والبغر تخمة الشراب. وهنا لا بد من تأويل معنى “بَغَر” الوارد بالمعجم مع المعنى المراد في لهجتنا. هنالك تعبير في كلامنا هو: “فلان عينه شرقت”. يقال إذا ملئت عينه برؤية الخير حتى شرقت وفاضت. وهذا التعبير يساوي معنى بغران في قولنا: “حاسد ولا بغران”. أي انت حاسد ولا فقط شرقت عينك برؤية هذا الخير فتمنيت ان يكون لك مثله. فالبغر ليس حسدا لان الحسد تمني زوال النعمة، اما البغر فهو تمنى ان يكون لك مثل ما شرقت به عينك من الخير.
جاء في سيرة الشيخ عبد الله بن دفع الله العركي: “ثم ان الشيخ عبد الله شاف حيران الشيخ تاج الدين البهاري طلعوا عليه وانقادت لهم الفنج والعرب واظهروا الكرامات وخوارق العادات فحصل له بَقَر ولحق الشيخ تاج الدين بمكة فوجده توفى فاخذ الطريقة على خليفته حبيب الله العجمي وسلكه وارشده”. ص 252و253.
يقول يوسف فضل: “وتضبط ايضا بُقُر وتنطق بالغين غالبا لا القاف، والبَقَر نوع من الحسد الخفيف يثيره التنافس بين الزملاء او الأكفاء ويكثر استعمال الكلمة بصيغة: حاسد وال بقران، اي أعجبه الشيء وتنمى ان ياتي مثله”. ص 252.
تمتام:
التمتام في لغتنا هو الذي يتمتم في الكلام لعلة خلقية في النطق وهي معجمية.
يقول لسان العرب: “التَّمْتَمة: رد الكلام إلى التاء والميم. وقال الليث: التمتمة في الكلام أن لا يبين اللسان يخطيء موضع الحرف فيرجع إلى لفظ كأنه التاء أو الميم، وإن لم يكن بينا. محمد بن يزيد: التمتمة الترديد في التاء، والفأفأة الترديد في الفاء. ورجل تَمْتَام والأنثى تمتامة”. انتهى.
يقول أبو الطيب المتنبي:
يَتعثرنَ بالرؤوس كما مرَّ * بتاءات نطقه التَّمتام.
حق (للملكية) :
جاء في معجم لسان العرب :”قال الأزهري: تقول هذه حقتي أي حقي”.
وهذا هو نهج اللهجة السودانية، يقال: دا حقي ودي حقتي. الكتاب دا حقي. والقلم دا حقك. والبيت دا حقنا وداك حقهم.
وفي مصر يستخدمون لفظ “بتاع”. يقولون: القلم بتاعي والكتاب بتاعك. والكتب بتوعك. وبتاع أصلها متاع، قلبت الميم باءً. وهذا القلب معروف في العربية.
غير أن دول المغرب العربي وليبيا يستعملون “متاع” ذاتها لكن بكسر الميم : يقولون: القلم مِتاعي والكتاب مِتاعك. أما أهل الخليج العربي والعراق، فيستعملون لفظ “مال” فيقولون: السيارة مالتي والسيارة مالتك والبيت مالك والكتاب مالي والبناية مالتهم وهكذا.
وحق بين ألفاظ الملكية الأربعة المذكورة، هي الأكثر ارتباطا بأساليب التعبير العربي الفصيح:
قال تعالي:” وآتوا حقه يوم حصاده”. وفي الحديث:” أنه أعطي كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث”. وتعبير: حق الله وحق العباد وحق الجار وغيره معروف. ومن التعابير المعاصرة: حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل إلخ… ولكنا تخلينا عن كلمة حق تقليدا اللهجة المصرية.
خَيرَة:
الخَيْرَة في كلامنا من الخير. ومن عادة الناس إذا أراد أحدهم الاقدام على عمل مثل الزواج ان يتشوف الخَيرَة عند الشيخ او الفقيه أو قراء الطالع والمنجمين. بمعنى انه يريد أن يعرف ما اذا كان فيما ينتويه خير له ام شر.
جاء في كتاب الطبقات بسيرة الشيخ ادريس ود الأرباب: “وعفاه الشيخ وقال له تزوج بنت الحاج سلامة خيرتك معاها تجيب اربعة عيال فيهم دفع الله ولدي احضر ولادته وأريقه واسميه دفع الله”. ص 68.
الكلام هنا للشيخ ابو ادريس والد دفع الله المصوبن العركي. وخيرتك معاها أي خطوتك وخيرك معاها.
وأرى ان الخَيْرة غير الاستخارة. الخَيْرة من الخير والاستخارة من الاختيار وهي الخِيْرة بكسر فسكون. يقول لسان العرب: “والاستخارة: طلب الخِيْرة في الشيء. وفي الحديث: كان رسول الله ص يعلمنا الاستخارة في كل شيء. وخار الله لك أي أعطاك ما هو خير لك. والخِيْرة بسكون الياء الاسم من ذلك ومنه دعاء الاستخارة: اللهم خِر لي أي اختر لي أصلح الأمرين واجعل لي الخِيرة فيه. واستخار الله: طلب منه الخِيرة”.
قال تعالى: (وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى اللهُ ورسولُه أمراً أن تكونَ لهم الخِيَرَة من أمرهم). الأحزاب-36.
الخيرة هنا من الاختيار. يقول لسان العرب: “وقرأ القراء: الخِيَرَة بفتح الياء. قال الفراء: أي ليس لهم أن يختاروا على الله. يقال: الخِيَرَة بفتح الياء والخِيْرة بسكونها”.
روب:
والروب معروف في لغتنا وهي معجمية. جاء بلسان العرب:” الرَّوب: اللبن الرائب. والفعل: راب اللبن يروب روبا. والرَّوبة: بقية اللبن المروَّب تترك في المِروِّب حتى اذا صب عليه الحليب كان أسرع لروبه. والرُّوبة والرَّوبة: خميرة اللبن”.
وتنطق الرُّوبة في كلامنا الروَّابة على صيغة المبالغة، وهي بقية الروب تحفظ ويسكب عليها اللبن الجديد ليتحول الى روب سريعا. وأم روابة مدينة بشمال كردفان معروفة. ولعلها من الرَوَّابة. أي ذات الروابة.
جاء في كتاب الطبقات بسيرة الشيخ حسن ود حسونة: “فقال الشيخ خلوا هذه الروابة لاولئك الفقرا فارشدهم فيها وصاروا من اوليا الله تعالى”.ص 142.
عوة :
العوة في كلامنا الضجة والهرج واختلاط الأصوات. تقول البارح سامع لي عوة في بيت فلان. سامع فلان بعوي مع أولاده. عوى يعوي عوة.
يقول لسان العرب: “والعَوّة: الصَّوْتُ والجلَبَة. يقال: سمِعت عَوَّةَ القوم أَي أَصْواتَهُم وجَلَبَتَهُم “.
ويقول القاموس المحيط :”عوى يَعْوِي عواءً وعَوَّةً لَوَى خَطْمَهُ، ثم صَوَّتَ، أو مدَّ صَوْتَه ولم يُفْصِحْ”. وهذا في الكلاب والذئاب والسباع.
يقول لسان العرب :” عَوَت الكِلابُ والسِّباعُ تَعْوِي عُواءً ، وهو صوت تَمُدُّه وليس بِنَبْحٍ “.
عُوعَى:
يقال في اللهجة السودانية عوعى الديك يعوعي. وقد وردت نسبة الفعل الي الديك بمعجم تهذيب اللغة للازهري وهو أقدم من لسان العرب وينقل عنه صاحب اللسان. كما وردت في تاج العروس في شرح القاموس للزبيدي. وهو شرح وتعليق على القاموس المحيط.
وكان صاحب القاموس المحيط قد أورد الفعل عوعى تحت مادة عوى دون إشارة إلى الديك حيث يقول: “عوَى يَعْوِي عواء وعوة، وعَوْعَى يُعَوْعِي معاعاةً “.
وكذلك فعل لسان حيث جاء: “ويقال أَيضاً: عَوْعَى يُعَوْعِي عَوْعاةً”.
جاء في كتاب الطبقات بسيرة بان النقا ولد عبد الرازق: “وقال وحات نور محمد صلي الله عليه وسلم ديكي يعوعي آخر الأدياك. يعني بذلك ذرية بان النقا”. ص 114.
ومن أمثالهم: ديك المسلمية بكشنوا في بصلته وبعوعي.
كدَّ:
الكد هو نهش الشيء الصلب كالعظم وثمر الدوم مثلا بالأسنان. يقال : كد العظم، نهش ما في العظم من لحم. وهو المعنى الذي اشار إليه لسان العرب بالقول: “وكد الشيء يكده: نزعه بيده يكون ذلك في الجامد”.
ثم يضيف لسان العرب: “والكِدة الأرض الغليظة لأنها تكد الماشي فيها. وفي حديث خالد بن عبد العزي: فحص الكِدة بيده فانبجس الماء”.
جاء في كتاب الطبقات بسيرة الشيخ باسبار السكري: “قال: عندي جبلا كديته وكداني يعني القرآن”. ص 111
واستعمال الشيخ كلمة “جبل” دلالة على الكِدة والغِلظة والصلابة التي تستوجب الكد. والكد بالمعنى المجازي في حديث الشيخ الإلحاح في طلب الشيء. اي ان الشيخ يلح في طلب اقصى معاني القرآن واسراره حتى ان لحمه قد كُد ولم يبقى منه سوى العظم. ومن ذلك قولهم : من كد وجد. (انظر : مكدي، أدناه).
مد:
المد بالكسر من المكاييل السودانية ولكن استعمال لفظه يكاد يقتصر على كردفان وربما أقاليم أخرى. وهو الملوة عند اهل النيل والجزيرة. وتكاله به الحبوب من ذرة ودخن ومحاصيل نقدية مثل السمسم. وسعة الشوال من الحبوب ثلاثون مد تقريبا، وزنة المد من الحبوب خمس ارطال ونصف الرطل تقريبا. والجمع امداد. يقال: مد ومدين وثلاثة امداد. والمد معجمية وردت في السيرة والأحاديث النبوية وكتب الفقه.
يقول لسان العرب: “والمُدُّ : ضَرْبٌ من المكايِيل وهو رُبُع صاع، وهو قَدْرُ مُدِّ النبي، صلى الله عليه وسلم، والصاعُ : خمسة أَرطال. الجوهري : المُدُّ ، بالضم ، مكيال وهو رطل وثلث عند أَهل الحجاز والشافعي، ورطلان عند أَهل العراق وأَبي حنيفة ، والصاع أَربعة أَمداد. وفي حديث فضل الصحابة: ما أَدْرَك مُدَّ أَحدِهم ولا نَصِيفَه ؛ والمد، في الأصل: ربع صاع وإِنما قَدَّره به لأنه أَقلُّ ما كانوا يتصدقون به في العادة”. انتهى.
ونطقنا لكلمة مد بالكسر صحيح. ذلك ان الثابت عند أهل اللغة، أنه يجوز نطق اول بعض الكلمات بأكثر من حركة. ومن ذلك على سبيل المثال كلمة القسطاط، وهو الميزان. فقد قرىء بالكسر والفتح.
مدة:
المِدّة بالكسر هي المادة البيضاء التي يفرزها الجرح والتي تسمى القيح والصديد، وهي معجمية.
يقول لسان العرب: “والمِدّة، بالكسر، ما يجتمع في الجُرْح من القيح “.
يقول معجم الصحاح: “والمِدَّةُ بالكسر القيْح.. و أَمَدَّ الجُرح صارت فيه مِدّة”.
مُكدِّي:
يقال في اللهجة السودانية للرجل البخيل الحريص: مُكُدِّي. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى: (أفريتَ الذي تولَّى، وأعطَى قليلاً وأكدى). النجم-33 و34.
يقول لسان العرب: “كَدَى الرجل يَكْدي وأكدى: قلل عطاءه، وقيل: بخل. وفي التنزيل العزيز: (وأعطى قليلا وأكْدَى)، قيل أي وقطع القليل، قال الفراء: أكدى أمسك من العطية وقطع، وقال الزجاج: معنى أكدى قطع، وأصله من الحفر في البئر، يقال للحافر إذا بلغ في حفر البئر إلى حجر لا يمكنه من الحفر: قد بلغ الكُدية وعند ذلك يقطع الحفر”. إذاً المعنى مأخوذ من صلابة الأرض، يضيف لسان العرب :”كَدَت الأرض تكدو كدوا فهي كادية إذا أبطأ نبتها. الكادي البطيء الخير والماء. وكدا الزرع وغيره من النبات: ساءت نبتته. والكُدْية: الأرض الصلبة. وحفر فأكدى إذا بلغ الصلب وصادف كُدْية. وسأله فأكدى أي وجه كالكدية. ويقال فأكدى أي ألح في المسألة. وأكدى الرجل: قل خيره. وقيل المُكْدي من الرجال الذي لا يثوب ماله ولا ينمِي. وأكدى الحافر إذا حفر فبلغ الكُدا وهي الصخور ولا يمكنه أن يحفر. وكَدِيتْ أصابعه أي كلت من الحفر. وفي حديث الخندق: فعرضت فيه كُدْية فأخذ المِسحاة ثم سمى وضرب، الكدية قطعة غليظة لا تعمل فيها الفأس. وبلغ الناس كُدية فلان إذا أعطى ثم منع وأمسك. كدِيَ الكلب كدا إذا نشب العظم في حلقه”. انتهى.
وعلى ذلك فإن كلمة كدَّ السودانية بمعنى نهش العظم ونحوه بأسنانه مشتقة من هذه المادة إذ شُبه العظم بعد تجريده من اللحم بالكُدْية أي الحجر أو الصخرة التي تعترض الحافر بدليل قول المعجم أعلاه: “كدِيَ الكلب كدا إذا نشب العظم في حلقه”. بل أن الكدَّ نفسه بمعنى:” الشدة في العمل وطلب الرزق والإلحاح في محاولة الشيء”، مشتق من هذه المادة أيضا بدليل قوله أعلاه: “وكَدِيتْ أصابعه أي كلت من الحفر”. وقد جاء بمادة “كد” بذات المعجم: “وكدَّ لسانه بالكلام وقلبه بالفكر. والكِدة: الأرض الغليظة التي تكد الماشي فيها. والكَدِيد: الأرض المكدودة بالحوافر”.
وقد وردت مُكدي بالمعنى المشروح، عند الحريري وأشار إليها شهاب الدين الخفاجي في (شفاء الغليل). ص 270
نفل:
النفل والنفيلة في كلامنا ما زاد في الفضيلة والخصلة الحميدة. والنفايل: الفضائل والخصال الحميدة الزائدة. ومنفل: متفوق على أنداده في الفضايل والصفات الجميلة وهي منفلة. ومن اسماء النساء: ست النفل وأم نفل. ومن أسماء الرجال: منوفلي (الجزيرة) ومنوفل (شرق كردفان).
يقول لسان العرب: “جماع معنى النفل والنافلة: ما كان زيادة على الأصل. وفي التنزيل: (فتهجد به نافلة لك) النَّفَل والنافِلة: عطية التطوع من حيث لا يجب، ومنه نافلة الصلاة. والتنفل: التطوع. والنَّفَل الغنائم. والنفل: الهبة والعطية. ورجل كثير النوافل أي كثير العطايا والفواضل. والنَّوْفَل: العطية. والنوفل: السيد المعطاء يُشبَّه بالبحر. التهذيب: ويقال للرجل الكثير النوافل وهي العطايا نَوْفَل”. انتهى.
قول المعجم :” والنوفل: السيد المعطاء يُشبَّه بالبحر. ويقال للرجل الكثير النوافل وهي العطايا نَوْفَل”. هو المعنى الذي اشتقت منه اسماء منوفل ومنوفلي. ونوفل نفسها اسم رجل في البلاد العربية الأخرى ومنها مصر.
هرَج:
هرج يهرج هرجا وهرجة بمعنى غضب وثار واحتج بعنف وأكثر من الكلام والمناقرة. يقال: فلان زعل وهرج في فلان هرجة شديدة. اي عوى عوة شديدة.
يقول معجم لسان العرب: ” الهرج : الاختلاط. وأصل الهرج الكثرة في الشيء. وهرج القوم يهرجون في الحديث إذا افضوا فيه فأكثروا”.
ومن معاني الهرج في المعجم: القتل. وهذا المعنى حاضر في اللهجة السودانية في القول المأثور: “يجيء اب قرجة وبسوي الهرجة”. أي المقتلة. والإشارة الى قائد الثورة المهدية محمد أبو قرجة.
والهرج والمرج عبارة معروفة في لغة الكتابة لوصف انفراط عقد النظام وإثارة الفوضى بين الناس في مكان بعينه. والمهرج الشخص غير المنضبط في كلامه، ومن ينشر الفوضى. والمهرج في بلاط الملوك الذي يضحك الملك بعبثه وهذره.
عبد المنعم عجب الفَيا
٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦
