باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
السبت, 10 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
علاء خيراوي
علاء خيراوي عرض كل المقالات

“كلما رأى حشداً قال هذا شعبي”…هذا اكبر!!

اخر تحديث: 10 أكتوبر, 2026 9:57 صباحًا
شارك

علاء خيراوي
■ في تعليق إعلامي ساخر تداولته المنصات السودانية في التاسع من أكتوبر ٢٠٢٦، قدمت الإعلامية السودانية المتميزة تسابيح مبارك خاطر، عبر شاشة سكاي نيوز عربية، مرافعة سياسية ذكية ومكثفة، كشفت فيها، بالصوت والصورة، سلسلة من التناقضات التي طبعت مواقف عبد الفتاح البرهان منذ ظهوره على مسرح الأحداث عقب ثورة ديسمبر المجيدة، مروراً بمجزرة فض اعتصام القيادة العامة، وانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر ٢٠٢١، وصولاً إلى حرب الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣ وما أعقبها من تقلبات في مواقفه وخطاباته. غير أن أكثر ما استوقفني في تلك المرافعة، التي جمعت بين قوة التوثيق وذكاء التحليل وسخرية التعبير، كان عبارتها الختامية البالغة الدلالة؛ “وكلما رأى حشداً قال هذا شعبي”. وأستأذن الأستاذة تسابيح في استعارة هذه العبارة البليغة، وجعلها عنواناً لهذا المقال ومدخلاً لقراءة أزمة الشرعية التي ظلت تطارد البرهان، حتى بات يبدو كمن يلهث وراء شيء أضاعه بيديه، ويحاول استعادته من الأماكن التي لا يمكن أن يجده فيها. وما أذكى هذه العبارة، وما أعمق ما تختزنه من معانٍ سياسية وإنسانية! فقد استطاعت تسابيح، بكلمات معدودة، أن تختصر ما قد يحتاج إلى صفحات من التحليل؛ جنرال يطارد الحشود بحثاً عن اعتراف شعبي بسلطة لم يحصل عليها أصلاً عبر إرادة المواطنين الحرة، ويتعامل مع كل تجمع بشري وكأنه استفتاء جديد على بقائه، بينما الشعب الذي يدّعي تمثيله موزع بين معسكرات النزوح ومنافي اللجوء ومقابر الحرب، أو يكابد داخل وطنه للبقاء على قيد الحياة. ولعل براعة هذه العبارة أنها لم تكتف بالسخرية من رجل يبالغ في تقدير شعبيته، وإنما كشفت خللاً جوهرياً في فهمه لمعنى الشرعية، وفضحت التناقض بين الصورة التي يحاول تسويقها لنفسه وللعالم، والواقع السياسي والاجتماعي والإنساني الذي آلت إليه البلاد خلال سنوات وجوده على رأس السلطة. فالشرعية ليست صورة يتوسط فيها الحاكم عشرات المواطنين، ولا هتافاً تلتقطه ميكروفونات الإعلام، ولا حشداً يُستدعى إلى مناسبة عامة، وإنما تفويض سياسي ودستوري يستمد وجوده من إرادة الشعب الحرة، ويظل خاضعاً لرقابته ومحاسبته. ومن هنا، فإنني لا أرى أن أزمة البرهان تكمن في فقدانه شعبية كان يتمتع بها، إن كانت له شعبية سياسية حقيقية تستحق القياس أصلاً، وإنما في محاولته المستمرة تعويض غياب التفويض الدستوري والشعبي باستعراضات جماهيرية لا تمنحه شيئاً مما يبحث عنه. والأشد إثارة للمفارقة أن الرجل الذي لم يصل إلى السلطة عبر انتخابات، والذي انقلب على الترتيبات الدستورية التي منحته منصبه، وأجهض مسار الانتقال المدني، بات يتصرف وكأنه يحمل تفويضاً شعبياً دائماً، بل وكأن كل سوداني يصادفه في شارع أو استاد أو مناسبة اجتماعية قد خرج خصيصاً لتجديد البيعة له! وهنا تتجاوز عبارة تسابيح حدود الطرافة الإعلامية والسخرية السياسية، لتضع إصبعها على جرح المعضلة السودانية بأكملها؛ جنرال يطارد شعباً يتوهم أنه يمنحه الشرعية، بينما ذلك الشعب نفسه يطارد أمناً فقده، وسلاماً حُرم منه، ودولة يريد استعادتها من قبضة السلاح وطموحات الجنرالات.

■ وأول أسباب تآكل شرعية البرهان، بل وأخطرها من الناحية الدستورية، أنه هدم بيديه الأساس الذي استمد منه صفته السياسية رئيساً لمجلس السيادة الانتقالي. فقد جاءت تلك الصفة من الوثيقة الدستورية لعام ٢٠١٩، التي قامت عليها ترتيبات الحكم الانتقالي بعد سقوط نظام عمر البشير، ولم تأت من انتخابات عامة أو تفويض شخصي مستقل. وكان يفترض أن يكون وجود العسكريين في مجلس السيادة جزءاً من ترتيب مؤقت يقود البلاد إلى حكم مدني ديمقراطي، لا جسراً يعبرون فوقه إلى سلطة دائمة. لكن البرهان، في الخامس والعشرين من أكتوبر ٢٠٢١، قرر الانقلاب على الحكومة الانتقالية، وحل مجلس السيادة ومجلس الوزراء، وإعلان حالة الطوارئ، واعتقال مسؤولين مدنيين، وتعطيل جوهر الشراكة التي منحته أصلاً موقعه السياسي. وهنا يبرز السؤال الذي لم أجد في كل خطابات الرجل وتبريراته إجابة دستورية مقنعة عنه؛ كيف يستطيع رئيس مجلس السيادة أن ينقلب على الترتيب الدستوري الذي أنشأ منصبه، ثم يستمر في تقديم نفسه بالصفة السياسية ذاتها وكأن شيئاً لم يحدث؟ ومن أين جاءت شرعية هذا الاستمرار بعدما صادر بقرار عسكري إرادة الشركاء المدنيين وأوقف مسار الانتقال الذي كان يفترض أن يحرسه؟ صحيح أن البرهان حاول تقديم انقلابه باعتباره تصحيحاً لمسار الثورة، لكن الوقائع التي أعقبته لم تؤد إلى استعادة الحكم المدني، بل فتحت البلاد على مرحلة طويلة من الاضطراب السياسي والاحتجاجات والقمع، ثم الحرب. ولا يمكن في تقديري فصل هذه النتيجة عن قرار الانقلاب الذي أطاح بالتوازن الانتقالي الهش، وأعاد المؤسسة العسكرية إلى مركز السلطة السياسية المباشرة. والأهم أن الشعب السوداني لم يقف صامتاً أمام ذلك الانقلاب؛ فقد خرجت المواكب الرافضة للحكم العسكري، وسقط قتلى وجرحى في الاحتجاجات، واستمرت المطالبة بالمدنية رغم القمع والتضييق. فلماذا لم يعتبر البرهان تلك الجماهير شعبه عندما طالبته بمغادرة السلطة؟ ولماذا لا يرى في الشعب إلا من يظهر مؤيداً له، بينما يصبح المعارض خارج حساباته السياسية؟ إن هذه الانتقائية تكشف أن الرجل لا يتعامل مع الجماهير بوصفها صاحبة الحق الأصيل في اختيار حكامها، وإنما بوصفها مصدراً انتقائياً للشرعية، يستدعيها عندما يحتاج إلى التصفيق، ويتجاهلها عندما تطالب بالمحاسبة. وتزداد المفارقة وضوحاً حين نتذكر أن البرهان صعد إلى واجهة الحكم في أعقاب ثورة شعبية رفعت شعارات الحرية والسلام والعدالة، ثم شهدت البلاد في ظل رئاسته للمجلس العسكري مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في الثالث من يونيو ٢٠١٩، وهي جريمة لم تكتمل فيها حتى اليوم العدالة والمحاسبة. فكيف يطلب الرجل من السودانيين أن ينسوا هذه الوقائع، وأن يعترفوا له بشرعية جديدة لمجرد أنه وقف بينهم في مناسبة عامة؟ وكيف يمكن لمن عطل الطريق إلى التفويض الشعبي أن يستعيض عنه بمشاهد جماهيرية يصعب أصلاً معرفة دوافع المشاركين فيها؟ إن البرهان، في تقديري، لا يعاني من نقص في الحشود بقدر ما يعاني من غياب الأساس الدستوري الذي يمنحه حقاً مستقلاً في حكم السودان؛ وهي أزمة لا يستطيع حلها مهما ارتفعت الهتافات وكثرت الصور وتعددت المواكب.

■ أما السبب الثاني، فهو الانهيار السياسي والأخلاقي الذي أصاب صورة البرهان نتيجة الحرب، وتناقض مواقفه، وعجز السلطة القائمة عن حماية المواطنين واستعادة الحياة الطبيعية. وهنا تعود بنا تسابيح مبارك خاطر إلى واحدة من أكثر المفارقات إيلاماً في تاريخ الرجل؛ فقد أعادت عرض تسجيلات يصف فيها الحرب بأنها “حرب عبثية ليست لديها جدوى”، ثم تسجيلات أخرى يعلن فيها استمرار المعركة حتى القضاء على التمرد. كما واجهته بتصريحاته القديمة التي دافع فيها عن قوات الدعم السريع، نافياً أن تكون قوة تعمل ضد الشعب السوداني، ثم بتصريحاته اللاحقة التي اعتبر فيها حرب الدعم السريع حرباً ضد الشعب نفسه. ولا شك أن سلوك الدعم السريع وجرائمه وانتهاكاته ضد المدنيين يستوجب الإدانة والمحاسبة، وأن التحولات العسكرية قد تستدعي تغيراً في المواقف السياسية، لكن ذلك لا يمحو مسؤولية البرهان عن سنوات الشراكة مع حميدتي، ولا يعفيه من الإجابة عن سؤال بالغ الأهمية؛ كيف سمحت القيادتان اللتان أمسكتا بمفاصل السلطة بعد سقوط البشير بتطور الخلاف بينهما إلى حرب شاملة دمرت البلاد؟ لقد كان البرهان وحميدتي شريكين في السلطة، وشريكين في انقلاب أكتوبر، قبل أن يصبحا قائدين لطرفين متحاربين يدفع ملايين السودانيين ثمن صراعهما. ولذلك فإن محاولة أي منهما تقديم نفسه باعتباره المنقذ الوحيد للسودان تتجاهل مسؤوليته السياسية عن المسار الذي قاد البلاد إلى هذه الكارثة. ثم ماذا بقي من مقومات الشرعية حين أصبحت العاصمة ومدن عديدة مسرحاً للدمار، ونزح الملايين داخل البلاد وخارجها، وتعطلت قطاعات واسعة من التعليم والصحة والإنتاج والخدمات، وتدهورت قيمة العملة وازدادت معاناة المواطنين في الحصول على الغذاء والدواء والعمل؟ إن السلطة التي تعجز عن حماية المواطنين وتوفير الحد الأدنى من شروط الحياة لا تستطيع الاكتفاء بمطالبتهم بالالتفاف حول قائدها باعتبار ذلك واجباً وطنياً. فالجيش مؤسسة وطنية يفترض أن تحمي الدولة والمجتمع، وليس حزباً سياسياً يطلب البيعة لشخص قائده، كما أن تأييد الجيش لا يستلزم تأييد البرهان، ورفض البرهان لا يعني تأييد الدعم السريع. وهذه حقيقة يحاول خطاب التعبئة العسكرية طمسها باستمرار، حتى أصبح المواطن السوداني مطالباً بالاختيار بين طرفين لا يريد كثير من السودانيين استمرار أي منهما في السلطة السياسية. ثم يأتي العامل الداخلي الثالث، وهو عودة شبكات الحركة الإسلامية إلى واجهة المشهد العسكري والسياسي، ومحاولتها استثمار الحرب لاستعادة النفوذ الذي فقدته بثورة ديسمبر. وقد ظل البرهان يتحدث عن حماية الثورة، بينما يثير تمدد نفوذ شخصيات وتشكيلات مرتبطة بالنظام السابق أسئلة جدية حول مستقبل الدولة المدنية ومصير عملية تفكيك التمكين. وهكذا تتراكم أسباب أزمة الشرعية؛ انقلاب على الانتقال، وشراكة عسكرية انتهت بحرب، وفشل في حماية المدنيين، وانهيار اقتصادي واجتماعي، ومخاوف من عودة المنظومة السياسية التي خرج السودانيون لإسقاطها. وبعد كل ذلك، هل يكفي أن يقف البرهان أمام حشد من المواطنين لكي يعلن، في اطمئنان عجيب، أن هؤلاء هم شعبه؟ لقد بلغت مأساة السودان حداً أصبح معه المواطن يبحث عن وطن يستطيع العودة إليه، بينما يبدو الجنرال منشغلاً بالبحث عن جمهور يستطيع أن يظهر أمامه.

■ ثم تأتي الأسباب الخارجية، وهي في نظري الوجه الآخر لأزمة الشرعية التي تطارد البرهان، وإن كانت تختلف في طبيعتها عن أسبابها الداخلية. فالعلاقات الدولية لا تقوم على الاعتراف الشعبي وحده، وإنما تتداخل فيها اعتبارات السيادة والمصالح والأمن الإقليمي والالتزامات القانونية، ولذلك يمكن للدول أن تتعامل دبلوماسياً مع سلطة أمر واقع دون أن تمنح قيادتها تفويضاً ديمقراطياً أو شرعية سياسية للمستقبل. غير أن البرهان يبدو حريصاً على استخدام أي اتصال دولي أو لقاء رسمي باعتباره دليلاً على الاعتراف بموقعه السياسي، متجاهلاً أن التفاوض مع قائد عسكري يملك قرار الحرب لا يعني بالضرورة الموافقة على استمرار حكمه. وقد أصبح السودان خلال السنوات الأخيرة ساحة لتداخل مصالح إقليمية معقدة؛ فمصر تنظر إلى الحرب من زاوية أمن حدودها والنيل وموقع السودان في معادلاتها الاستراتيجية، والسعودية ترتبط بمصالح مباشرة في البحر الأحمر وأمن الملاحة والاستقرار الإقليمي، والإمارات تواجه اتهامات متكررة بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي، بينما تتداخل مصالح قوى أخرى، من بينها تركيا وقطر وروسيا، في ملفات الأمن والتسليح والنفوذ الاقتصادي والعسكري. وفي ظل هذه الحسابات، لم يعد ممكناً التعامل مع مستقبل الحكم في السودان باعتباره شأناً يقرره قائد الجيش وحده، أو باعتبار أن السيطرة على مؤسسات الدولة تكفي للحصول على قبول دولي دائم. ومع ذلك ينبغي عدم الخلط بين مواقف هذه الدول؛ فبعضها يتعامل مع البرهان بوصفه رأس السلطة القائمة، وبعضها يعطي الأولوية لوقف الحرب وحماية الدولة ومؤسساتها، وبعضها يرتبط بعلاقات ومصالح مع أطراف الصراع المختلفة. بل إن روسيا والصين وعدداً من الدول الأخرى عارضت توسيع حظر السلاح الأممي إلى السودان كله، استناداً إلى اعتبارات تتصل بالسيادة وبالنهج الذي تراه مناسباً للتعامل مع الحرب، وهو ما يؤكد أن الموقف الدولي ليس كتلة واحدة تتحرك في اتجاه موحد. لكن ذلك لا يلغي حقيقة سياسية أساسية؛ أن البرهان لم يعد يستطيع افتراض أن صفته رئيساً لمجلس السيادة تمنحه قبولاً دولياً غير مشروط، أو أن استقباله في عاصمة إقليمية يعالج أزمة التفويض الداخلي التي صنعها انقلاب أكتوبر. فالدبلوماسية قد تتحدث معه لأنه يملك سلطة الأمر الواقع، وقد تفاوضه لأنه يستطيع التأثير في قرار الحرب والسلام، لكنها لا تستطيع أن تمنحه نيابة عن السودانيين الحق في حكمهم. ومن هنا تبدو محاولاته توظيف اللقاءات الدولية والمناسبات الجماهيرية وجهين لعملة واحدة؛ البحث عن اعتراف خارجي يعوض نقص الشرعية الداخلية، وعن مشهد جماهيري يعوض غياب التفويض الدستوري. غير أن الدولة لا تستعيد شرعيتها بالصور الملتقطة في القصور الرئاسية، مثلما لا يستعيد الحاكم تفويضه السياسي بالصور الملتقطة وسط الحشود؛ فالاعتراف بالتعامل مع سلطة قائمة شيء، والاعتراف بحقها الدائم في الحكم شيء مختلف تماماً.

■ وأخيراً، فإن أكثر ما يستحق أن يتأمله البرهان اليوم هو تطور الموقف الأمريكي، لأنه يكشف بصورة واضحة كيف تحولت ممارساته السياسية والعسكرية، والاتهامات المتعلقة بالانتهاكات التي وقعت في ظل قيادته، إلى أسباب معلنة للعقوبات الأمريكية ورفض أهليته لحكم السودان مستقبلاً. ففي السادس عشر من يناير ٢٠٢٥، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات مباشرة على عبد الفتاح البرهان، وأصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بياناً اتهمت فيه القوات المسلحة، تحت قيادته، بارتكاب انتهاكات جسيمة شملت استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية وعرقلة المساعدات الإنسانية، كما اتهمته بعرقلة جهود السلام والتحول إلى الحكم المدني. ولم يكن الأهم مجرد فرض العقوبات، وإنما أن الخارجية الأمريكية ربطتها بالعقوبات التي سبقتها ضد حميدتي، وصرحت بأن الرجلين، في رؤية واشنطن، غير مؤهلين لحكم السودان في مستقبل يسوده السلام. وهذه نقطة جوهرية؛ فالولايات المتحدة لم تصدر حكماً قضائياً بإدانة البرهان، ولم تصدر قراراً قانونياً بإلغاء منصبه، لكنها أعلنت موقفاً سياسياً مباشراً يرفض اعتباره أحد رجال الحكم المناسبين لمستقبل السودان، مستندة إلى سجل الانتهاكات وعرقلة الانتقال المدني. وهنا يصبح تمسكه بصفة رئيس مجلس السيادة أكثر إثارة للتساؤل؛ فهو لم يصل إلى ذلك الموقع عبر تفويض انتخابي، وإنما عبر ترتيبات دستورية انتقالية أطاح بجوهرها بانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر ٢٠٢١، ثم واصل استخدام اللقب بعد إعادة تشكيل مؤسسات السلطة بإرادته العسكرية. ولذلك فإن الاعتراض على شرعية استمراره السياسي لا يستند إلى موقف واشنطن وحده، بل يبدأ من السؤال الدستوري السوداني الذي ظل بلا إجابة مقنعة منذ الانقلاب. أما التطور الأحدث، فقد جاء في الثامن من أكتوبر ٢٠٢٦، حين أجاز مجلس الأمن بالإجماع القرار رقم ٢٨٣٠، الذي مدّد نظام عقوبات دارفور وحظر السلاح المرتبط به لمدة شهرين، حتى الحادي عشر من ديسمبر، ومدّد ولاية فريق الخبراء حتى الحادي عشر من يناير ٢٠٢٧. وقد جاء هذا التمديد بعد تعثر التوافق حول مشروع أمريكي أوسع لتعميم حظر السلاح على السودان كله ومعالجة تدفقات الطائرات المسيّرة والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج. وصحيح أن واشنطن لم تنجح حتى الآن في تمرير التوسيع الذي سعت إليه، بسبب معارضة دول من بينها روسيا والصين، لكن استمرار طرح الملف يكشف أن أدوات الضغط لم تُغلق، وأن مستقبل العقوبات سيظل جزءاً من التفاوض الدولي بشأن الحرب. ولا يصح الجزم بأن واشنطن قررت إسقاط البرهان أو أنها حددت موعداً لإنهاء سلطته، كما لا يعني أي اتصال أمريكي به عودة الاعتراف السياسي بأهليته للحكم؛ فالتعامل الدبلوماسي مع أطراف النزاع يظل أداة ضرورية لمحاولة إنهائه. لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الرجل لم يعد عدد المواطنين الذين يظهرون في خلفية صوره، وإنما كيف سيواجه تراكم العقوبات والاتهامات والضغوط المطالبة بوقف الحرب والعودة إلى الحكم المدني. وهنا أعود إلى تسابيح مبارك خاطر وإلى عبارتها التي أستأذنتها في استعارتها عنواناً لهذا المقال؛ “وكلما رأى حشداً قال هذا شعبي”. وأقول إن مأساة البرهان أنه يبحث عن الشرعية في المكان الذي لا يستطيع أن يجدها فيه؛ يبحث عنها في حشد يراه بعينيه، بينما أصل الشرعية في إرادة شعب صادر حقه في الاختيار؛ ويبحث عنها في اعتراف دولي بسلطة الأمر الواقع، بينما تتراكم ضده العقوبات والأسئلة المتعلقة بالمسؤولية والمحاسبة. وبين هذا وذاك يبقى السودان، بشعبه الذي وصفته تسابيح بين المعسكرات والمنافي والقبور والنزوح، ينتظر نهاية حرب لم يخترها، واستعادة دولة لا يكون فيها منصب رئيس مجلس السيادة غنيمة يحتفظ بها جنرال بعد أن ينقلب على الأساس الدستوري الذي جاء به إلى المنصب. فليست القضية كم حشداً يستطيع البرهان أن يجمع، وإنما بأي حق يستمر في حكم شعب لم يفوضه، ومن الذي منحه سلطة تقرير مستقبله بعد كل ما حدث؟ ولعل الحقيقة التي ينبغي أن يدركها أخيراً هي أن الشرعية لا تُستعاد بملاحقة الجماهير، ولا تُصنع في استوديوهات الإعلام، ولا تمنحها عواصم العالم؛ إنها تبدأ من الشعب، وتعود إليه، ولا يملك أحد أن يصادرها باسمه، ثم يطالبه بالتصفيق!

khirawi@hotmail.com

Author
علاء خيراوي

علاء خيراوي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منشورات غير مصنفة
الفكي لارنجيكا مدرباً عاما للزمالك المصري !!! .. بقلم: د . عبد المطلب صديق
قدر الأمم ومصيرها يبدأ من الفصل الدراسي، طموحات ما بعد الحرب – الجزء (14)
منبر الرأي
تصريحات إستفزازية إستعلائية .. بقلم: نورالدين مدني
الأخبار
البرلمان يمرر قرضاً ربوياً ويحمِّل مسؤولية الفتوى لوزير المالية
منبر الرأي
جغرافيا وتاريخ ممالك كوش في السودان: دراسة نقدية أولية (الجزء الأول)

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

أزمة الاقتصاد وادارة موازنة الاسرة .. بقلم: د. عمر محجوب الحسين

طارق الجزولي
منبر الرأي

الموت في حضن المؤتمر الوطني !! … بقلم: خضر عطا المنان

خضر عطا المنان
منبر الرأي

سودان بدون أحزاب .. بقلم: يوسف نبيل فوزي

طارق الجزولي
منبر الرأي

حميدتى جاكم .. بقلم: سعيد شاهين

سعيد عبدالله سعيد شاهين
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss