كوستاريكا المفترى عليها!

 


 

د. أسامة عثمان
18 November, 2009

 

Ussama.osman@yahoo.com

لعل القارئ الذي وقف عند عنوان هذا المقال ولم ينصرف إلى غيره قد تساءل أيضا ما لنا وكوستاريكا ولنا من قضايانا ومشاكلنا ما يمثل زادا لكل كاتب. إن قصة كوستاريكا قصة جديرة بأن تروى وسترى إن صبرت قليلا أن لها صلة وثيقة بواقعنا. ربما سمع البعض بكوستاريكا خلال العامين الماضيين لأول مرة بعد أن دخلت مجلس الأمن كعضو غير دائم تنتهي مدته بنهاية شهر ديسمبر القادم وربما علم البعض أنها قد ظلت تصوّت باستمرار في كل قرار لإدانة السودان ولممثلها في المجلس مواقف وأحاديث مشهودة في شؤون العدالة الدولية وقضايا حقوق الإنسان والانتهاكات في دارفور أثارت حفيظة ممثل السودان أكثر من مرة من هذه الدولة الصغيرة التي تتصرف كأنها عضو في نادي الكبار وهي مجرد بلد صغير أو «جمهورية موز» كما وصفها مندوب السودان ذات مرة. وجمهوريات الموز مصطلح تحقيري استخدم لوصف بعض جمهوريات أمريكا الوسطى في فترة كانت الشركات التي تحتكر زراعة الموز وتجارته تتحكم في مصائر هذه الجمهوريات الصغيرة وتوجه الساسة والسياسة فيها لوقوعها في أسر الاحتكار الممنوح لهذه الشركات.

هل كوستاريكا أو- بلاد الشاطئ الغنى - كما يعني اسمها بالأسبانية هي حقا جمهورية موز؟ إن هذه الجمهورية الصغيرة (مساحة السودان تساوي مساحتها خمسين مرة) لها من الخصائص والمميزات الطبيعية والتاريخ والواقع السياسي ما يجعلها بلدا فريدا بكل المقاييس حيث تدعو تجربتها للتأمل وتصلح أن تكون مثالا لكثير من البلدان. فمن حيث الموقع الجغرافي فهي تطل على المحيط الهادئ وعلى المحيط الأطلسي معا وتجاورها نيكاراغوا وبنما. ولقد حباها الله طبيعة جذابة ومناخا معتدلا وفرا لها تنوعا في الحياة البرية والنباتات حيث تغطي الغابات جميع أرجائها مما جعلها قبلة سياحية لمن جاورها من البلدان وللولايات المتحدة. ولقد صنفت وفقا لمؤشر الأداء البيئ الجيد الأولى على مستوى أمريكا اللاتينية والخامسة على مستوى العالم. وما يلفت النظر في "سانت خوسي" العاصمة كثرة الحدائق العامة وحسن تنسيقها والعناية بها. ويفوق سكان كوستاريكا الملايين الأربعة قليلا. ومعدل دخل الفرد السنوي في كوستاريكا هو الأعلى في بلدان أمريكا الوسطى (حيث يبلغ ستة آلاف دولار في العام مقابل 47 ألف دولار للولايات المتحدة و1200 دولار للسودان) ويبلغ متوسط عمر الفرد فيها 77.7 عاما وهو الأعلى في أمريكا اللاتينية والكاريبي ومن الأعلى في العالم (اليابان 82 والولايات المتحدة 77 والسودان 51) وربما كان لذلك نتيجة مباشرة لنسبة ما يصرف على الصحة من الدخل القومي حيث تبلغ تلك النسبة 28 في المائة و هي من أعلى النسب في العالم. ولقد استفادت في ذلك من إلغاء الميزانية المخصصة للصرف على الأمن والجيش الذي ألغي منذ عام 1949 كما سنرى. وتشمل مظلة العلاج جميع أفراد الشعب.وتدار وفقا لنظام التأمين الصحي الذي تشرف عليه الدولة كما في فرنسا. ولقد لفت نظري في هذه البلاد كثرة المستشفيات العامة ونظافتها. ولقد زرت منطقة تقع على المحيط الهادئ مشهورة بكثرة من فاقوا المائة عام بين سكانها. ولقد صنف مقياس رضا وسعادة الأمم والشعوب شعب كوستاريكا بأنه أسعد الشعوب في العالم لعام 2009، وسعادة هؤلاء الناس ورضاهم تلحظها في كل مكان فقلما تجد شجارا أو حدة في النقاش في المجال العام. وربما كان من أسباب الرضا اتساع قاعدة الطبقة الوسطى بسبب كفالة الدولة للاحتياجات الأساسية في الصحة والتعليم والخدمات دون أن تدعي تطبيق نموذج اشتراكي كجيرانها من دول أمريكا الوسطى واللاتينية.أو تقوم بدور دولة الرعاية كما في بلدان الخليج الصغيرة دون أن يكون للمواطن دور في الحياة العامة والسياسية

وكوستاريكا هي البلد الوحيد في العالم التي يحكمها رئيس حائز على جائزة نوبل للسلام على الرغم من أن فوز الرئيس أوباما الأخير بجائزة نوبل للسلام التي لم يتسلمها بعد قد جعل الولايات المتحدة الأمريكية تنافسها في ذلك الشرف العظيم.

وكوستاريكا تتميز على جيرانها بأنها بلد ينعم بالسلام الاجتماعي في منطقة أنهكتها الحروب ولا تزال تعاني من عصابات الجريمة المنظمة ومافيا المخدرات فمن بين جيرانها نيكاراغوا وبنما والسلفادور وغواتيمالا وهندوراس. كما أن ديمقراطيتها راسخة مقارنة بجيرانها فلقد نالت استقلالها من أسبانيا في عام 1821 وصارت جزءً من الاتحاد الكونفدرالي لأمريكا الوسطى حتى غادرته في عام 1838 لتصبح جمهورية مستقلة ومستقرة على الرغم من وقوع حرب أهلية مرتين في تاريخ البلاد في عام 1917-1919 ثم مرة أخرى في عام 1948 إثر انتخابات رئاسية وقع فيها تلاعب كبير قاد إلى ثورة شعبية مسلحة بقيادة خوسية فيرير استمرت 44 يوما انتصرت فيها حركة المعارضة بقيادة فيرير وأقالت الرئيس والحكومة ودعت لوضع دستور جديد اشركت في إعداده كل القوة السياسية وتقرر إلغاء الجيش لخطورته على الديمقراطية وفقا للمادة 12 من الدستور وتم انتخاب حكومة في انتخابات نزيهة تنحت الحكومة المؤقتة بعد إقرار الدستور وإقامة الانتخابات وسلمتها مقاليد الأمور.

ومنذ ذلك التاريخ تحتفل البلاد في فاتح ديسمبر بقرار إلغاء الجيش وتقوم قوات الشرطة بمختلف أقسامها المتخصصة بحفظ الأمن ومكافحة الجريمة في جميع أنحاء البلاد.إلى جانب فرقة قوات خاصة صغيرة الحجم ذات تدريب عالٍ لمواجهة الطوارئ وتشارك قوات الشرطة ببضع عشرات من الأفراد في الشرطة الدولية في عمليات حفظ السلام. وللبلاد جهاز أمن مهني متخصص في جمع المعلومات وتبادلها مع اجهزة المخابرات في البلدان المجاورة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود وأهمها تجارة المخدرات وذلك بالتعاون مع أجهزة الشرطة وهي المهدد الأمني الاول للبلاد. ولم تدخل البلاد في حلف دفاعي إقليمي أو تطلب من دولة كبرى أن تقوم بحمايتها.

وفي بادرة رمزية قام الرئيس فيرير بهدم حائط رئاسة القيادة العامة للجيش قبل أن يُهدَم حائط برلين بسنوات كناية عن نبذ البلاد للروح العسكرية والحروب حيث أن الجيوش التي انشئت للدفاع عن البلاد في مواجهة الخطر الخارجي قد تتحول لأداة قمع للمواطنين في الداخل وعنصرا أساسيا في الحروب الأهلية وهذا عين ما قررت كوستاريكا الحيلولة دون حدوثه مرة اخرى في تاريخ البلاد وحولت قيادة الجيش لتكون المتحف الوطني وحولت ميزانية الجيش للصرف على الصحة والتعليم والثقافة.

ولقد ظلت كوستاريكا بمنأىً عن الحروب الأهلية في البلدان المجاورة لها ولكن الولايات المتحدة حاولت إدخال كوستاريكا في حربها ضد ثوار الساندينستا في نيكاراغوا حيث قدمت حكومة ريغان في إطار دبلوماسية الدولار بعض المساعدات الفنية رشوة لشراء صمت القيادة السياسية عن إقامة مدرج للطيران أقامته وكالة الاستخبارات المركزية في إحدى الغابات بالقرب من الحدود مع نيكاراغو لتزويد مقاتلي الكونترا بالعتاد والسلاح ولقد أثار ذلك السلوك غضب الكثيرين من أهل البلاد وأيده البعض الآخر حيث ارتفعت بعض الأصوات في ذلك الوقت مطالبة بإعادة الجيش والاشتراك في الحرب على الشيوعية التي كانت تجتاح دول أمريكا الوسطى بمساندة من الولايات المتحدة على أيام الحرب الباردة ولكن رئيس البلاد أرياس سانشيز وهو من المثقفين من أنصار حزب فيرير الذي ألغىى الجيش رفض الاستجابة لتلك الدعاوى. ونظم أنصار السلام تظاهرة ضخمة نزلت إلى شوارع العاصمة سان خوسي مطالبة بان يعطى السلام فرصة في نيكاراغوا ثم سارت المسيرة الخضراء حتى موقع المدرج السري وأزالته وزرعت في مكانه اشجارا لإخفاء آثار تلك الوصمة في تاريخ البلاد السلمي. ومضى الرئيس أرياس سانشيز في قيادة معسكر السلام وقام بمجهودات كبيرة على مستوى جميع دول أمريكا الوسطى والأطراف المتحاربة في نيكاراغوا قادت إلى توقيع اتفاق سلام أنهى الحرب في نيكاراغو وقاد إلى تنظيم انتخابات ديمقراطية فاز فيها ثوار الساندينستا بقيادة دانيال اورتيغا في عام 1986، ونتج عن ذلك الانتصار لمعسكر السلام فوز الرئيس أرياس سانشيز بجائزة نوبل للسلام في عام 1987 ليكون أول رئيس دولة يحصل على تلك الجائزة الرفيعة وهو لا يزال في السلطة ولم يتكرر ذلك حتى فوز الرئيس أوباما بالجائزة التي سيتسلمها في شهرديسمبر القادم.

ولقد صار الرئيس سانشيز بطلا قوميا ومدعاة للفخر لأهل البلاد ولكن ذلك لم يجعله يعدل الدستور ليفوز بولاية أخرى أو ليصير رئيسا مدى الحياة فالدستور لا يسمح بأن ينتخب الرئيس لأكثر من ولاية واحدة قبل أن يمر بعض الوقت، كما لا يسمح للنواب في البرلمان بالترشح لمرتين متتاليتين ولكن يجوز لهم الترشح بعض مضي دورة على الأقل بعد قضاء مدتهم في المجلس ليحاولوا الترشح مرة أخرى ولقد كان لهذا الإجراء أثر كبير في الحيلولة دون الفساد الذي يورثه طول العهد بالسلطة والحكم حتى ولو كانت سلطة تشريعية. ولقد أكمل الرئيس سانشيز الحائز على جائزة نوبل للسلام دورته في عام 1990 ثم انصرف وإن ظل في العمل السياسي حتى اعيد ترشيحه بعد مضي أربع دورات رئاسية طول كل منها أربع سنوات وقد انتخب مرة أخرى في عام 2006 وستنتهي دورته في فبراير 2010،وتعتبر نائبته الأولى أقوى المرشحين لخلافته.

ومنذ إقرار الدستور قبل نصف قرن من الزمان ظل البرلمان يُنتخب بعد مضي كل أربع سنوات، ويُنتخب رئيس جديد كل أربع سنوات أيضا كل ذلك في إطار انتخابات شفافة وحرة مما جعل رسوخ الديمقراطية في تلك الدولة الصغيرة يقارن برسوخ الديمقراطية في دولة كبرى مثل الهند ويعتبر ميزة لم تتوفر في أي من جمهوريات أمريكا اللاتينية بما في ذلك البرازيل. ليتنا نتعلم من «جمهورية الموز» هذه بعضا مما ذكرنا من تجارب ووسائل في العمل السياسي عسى أن نرسي ديمقراطية شبيهة يوما ما.

ولقد مكن هذا التاريخ المتميز كوستاريكا أن تلعب عن جدارة دورا في الأمم المتحدة قد يفوق حجمها كدولة صغيرة، فلقد انتخبت لعضوية مجلس الأمن ثلاث مرات وهذا أمر نادر في حجم دولة مثل كوستاريكا. ولقد اختيرت بأن تكون مقرا لمحكمة حقوق الإنسان لدول أمريكا اللاتينية والكاريبي. كما اختارتها الجمعية العامة للأمم المتحدة مقرا لجامعة الأمم المتحدة للسلام وهي جامعة متخصصة في دراسات النزاع والسلام وحقوق الإنسان. وكوستاريكا من أوائل الدول التي صادقت على نظام روما الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية وظلت مدافعا قويا عن العدالة الدولية وعن توطيد رسالة المحكمة لانسجام ذلك مع توجه البلاد نحو السلم الذي أقرته منذ أن حلت جيشها وسعت سياستها الخارجية للتبشير بثلاث قضايا جوهرية وهي السلم الدولي وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة. ولقد اكتسبت مكانة في المحافل الدولية لهذا الالتزام بقضايا تمثل جوهر رسالة الأمم المتحدة إلى جانب جديتها في التعامل مع المحافل الدولية فمندوبها الحالي في الأمم المتحدة هو السيد جورج أوربينا الذي يعتبر ضمير مجلس الأمن في تشكيلته الحالية ويحظى باحترام ومكانة كبيرة بين زملائه ولقد استمعت للرجل يتحدث في الكثير من الجلسات العامة وغير العامة حيث أنه لا يتحدث إلا بعد أن يزن كلماته فيعبر عن مواقفه في لغة دبلوماسية رفيعة وفي الملاسنة الشهيرة مع مندوب السودان أمام الصحافة كان رده على وصفه مندوب السودان لبلاده بأنها «جمهورية موز» أن أحاله بهدوء لتقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية الذي يصنف بلدان العالم بحسب مقاييس أدائها الاقتصادي والاجتماعي والتنموي والحكم الرشيد ويصدر قائمة سنوية بذلك، كان ترتيب كوستاريكا في العام المعني المرتبة 54 في العالم بينما احتل السودان المرتبة 150 من بين 180 بلدا. ولا عجب، فالرجل لا تعوزه الحجة القوية فقد عمل بالمحاماة وحصل على درجة دكتوراة في القانون الدولي من جامعة بوردو في فرنسا إلى جانب تدريس القانون الدولي في جامعة كوستاريكا وقد خبر الامم المتحدة منذ أن كان دبلوماسيا يافعا حيث شغل منصب نائب المندوب الدائم في الأمم المتحدة قبل أكثر من ربع قرن وتدرج في سلك الدبلوماسية حتى صار وزيرا لخارجية بلاده. وعندما انتخبت كوستاريكا عضوا في مجلس الأمن في عام 2006 عجم الرئيس الحائز على جائزة نوبل للسلام كنانته فوجده أصلبها عودا فرمى به إلى ساحة المعارك الدولية التي أبلى فيها بلاء حسنا ولا شك أن المجلس سيفتقد حكمته في مطلع العام الجديد.

وبعد فإن كنا كثيرا ما نحزن ونحتج عندما نشعر بأن بلادنا لم يوفها الناس حقها من التقدير فالأولى بنا أن نؤتي الآخرين ما يستحقون من احترام أو على الأقل معرفة الآخر إن كان عدوا او صديقا قبل أن نصدر أحكامنا عليه وذلك من بديهيات التعامل في العلاقات الدولية.

نقلا عن جريدة الصحافة ليوم الثلاثاء 17 نوفمبر 2009

 

 

آراء