كيف تحقق استقلال السودان الاول .. 26 يناير 1885 .. بقلم: د. محمد المصطفي موسي
عندما اشتد ساعد الثورة المهدية وتوالت انتصاراتها في دارفور وكردفان وشرق السودان .. قررت بريطانيا بالتوافق مع مصر الخديوية إرسال الجنرال تشارلز غردون حاكما عاما علي السودان .. غردون الذي ملأ الدنيا وشغل اهل بريطانيا بانتصاراته الباهرة لمصلحة الامبراطورية التي لم تكن تغرب عنها الشمس .. والتي زخمت الآفاق امتدادا من ارض الصين البعيدة والتي قمع فيها أكبر ثورة شعبية ضد الاستعمار البريطاني وانتهاءا بانتصارته التي سبقت بارض القرم في أقاصي أوربا .. ويقول البريطاني فيرغس نكول صاحب كتاب ” مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون ” .. ” في 26 يناير 1884 عندما استقل غردون القطار جنوبا من القاهرة في رحلته النهائية نحو السودان .. كان يبعد حوالي العام تماماً من حتفه النهائي !” .. ( فيرغس نيكول : مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون ، دار سوتون Sutton للنشر ، جلوستارشاير ، المملكة المتحدة 2004، ص 187).
وفي الوقت الذي اصدر فيه المهدي توجيهاته للأمراء الشيخ العبيد ود بدر والأمير الشيخ حمدالنيل احمد الشيخ يوسف ابو شرا ( صاحب الضريح الشهير بأمدرمان ) والأمير علي الشريف محمد الامين الهندي ..بتوحيد الجهود لحصار الخرطوم .. انضم الشيخ عبدالقادر ود ام مريوم حفيد الشيخ حمد ود ام مريوم لركب الثورة المهدية مبايعا للمهدي ومحاصرا للخرطوم من جهة الكلاكلة .. كما قام الامير الشيخ احمد المصطفي الامين ود ام حقين بتشديد الحصار من جهة السروراب .. وأرسل المهدي الامير محمد عثمان ابوقرجة بقوات مقاتلة وعهد اليه مهمة حصار الخرطوم الي حين تحركه هو بباقي الجيش من جهات كردفان نحوها .. وتوافد امراء الرزيقات بقيادة الامير موسي مادبو وكوكبة من فرسان الزغاوة بقيادة الامير طاهر إسحاق الزغاوي وصحبهم امراء المسيرية بقيادة الامير علي الجلة و معهم عدد من فرسان المساليت وتوافد الفلاتة بخيلهم بقيادة الفكي الداداري .. وتقاطر فرسان الحلاويين من الجزيرة تحت إمرة الامير ود البصير والأمير عبدالرحمن القرشي ود الزين وثلة من فرسان الشكرية بقيادة الشيخ عبدالله عوض الكريم أبوسن .. و وفرسان العركيين بقيادة الامير ادريس ود الشيخ مصطفي العركي وقوات من قبيلة الكواهلة بقيادة الامير جادالله ود بليلو.. كما تنادي فرسان كنانة ودغيم والحسنات والعمارنة ودويح بقيادة الامير بابكر ود عامر وود مدرع والفقيه سعيد الدويحي من النيل الابيض .. ثم عُين امير الأمراء الامير عبدالرحمن النجومي قائدا عاما لحصار الخرطوم .. فاحاطوا بالمدينة إحاطة السوار بمعصم اليد ! .. ولعل تاريخ السودان القريب او البعيد لم يشهد تنادي أشتات نخبوية وشعبية سودانية مختلفة لمحاربة الاحتلال تحت راية سودانية موحدة كذلك الذي حدث إبان عملية تحرير الخرطوم.. وفي هذا الشأن يقول البروفيسور الامريكي ريتشارد ديكميجيان استاذ العلوم السياسية بجامعة جنوب كاليفورنيا .. في سفره القيم بعنوان ( كاريزما القيادة في الاسلام ، مهدي السودان ) : ” لقد كانت مقدرة المهدي علي مخاطبة وتحريك الجماهير افضل مثال للبساطة والوضوح المطلوب .. في مجتمع معقد ومتعدد الأعراق والثقافات كما هو حال السودان في القرن التاسع عشر .. كانت الثورة المهدية تمثل نقطة التقاء لمطامح وامال عريضة لقوي قبلية واجتماعية وسياسية مختلفة قاومت الاحتلال الأجنبي . لقد كان لكاريزما القيادة عند المهدي الدور الأكبر في تجاوز تقاطعات تلك القوي و استرضاء اشتاتها المختلفة وتحقيق التجانس والانصهار بينها ثم الوحدة الوطنية ومن ثم الانتصار للثورة ” .. ( ريتشارد ديكميجيان و مارغريت وزموريسكي : كاريزما القيادة في الاسلام : مهدي السودان ، جامعة نيوريورك ، الولايات المتحدة،1972 ، ص 206) .
وفي الناحية الأخري من شمال الكرة الأرضية.. يذكر “لايتون ستريتشي” في مؤلفه بعنوان ” نهاية الجنرال غردون “.. كيف بدأت حملة الرأي العام البريطاني تضغط جلادستون رئيس الوزراء البريطاني آنذاك .. للعمل علي إرسال جيش إنقاذ بريطاني لاسترداد هيبة بريطانيا التي تمرمغت في تراب السودان.. وفي مارس 1884 ارتجل جلادستون خطبة عصماء في مجلس العموم البريطاني ردا علي هذه الحملة المحمومة وختمها بعبارته الأشهر علي الإطلاق .. ملخصا الوضع في السودان كما يراه هو .. ” ان هذا الشعب يناضل من اجل حريته .. ومن حق هؤلاء ان يناضلوا من اجل حريتهم ! ” ..مما اثار حفيظة صقور مجلس العموم البريطاني بقيادة اللورد هارينجتون وزير الحربية وآخرين.. بينما استبقت الملكة فكتوريا الجميع بخطابها لرئيس وزرائها” جلادستون” الصادر من قصر باكينجهام بتاريخ 1884 ..” ان لجلالة الملكة مشاعر قوية تجاه ما يحدث في السودان .. انها تعتقد انه لابد من توجيه ضربة قوية لهؤلاء المسلمين حتي يعلموا جيدا انهم لم يهزمونا بعد ! هؤلاء الأعراب المتوحشون لن يتماسكوا ليجترئوا علي الوقوف امام جيوش جيدة ومنظمة ..ان جلالة الملكة لترتجف من اجل سلامة الجنرال غردون وان أصابه اي مكروه ستكون النتائج في غاية السوء ” .. ( روبن نيللاندز : حروب المهدية.. غردون وكتشنر في السودان 1880- 1889 ، جون موري للنشر ، لندن 1996 ، ص 112) .. وهكذا اندفعت بريطانيا بقضها وقضيضها لقمع الثورة السودانية الوليدة ! .. فتمخض ذلك عن إرسال جيش حملة الانقاذ البريطاني الشهير بقيادة اللورد ولسلي علي وجه السرعة و دون إبطأ !
عندما تحرك طابور الصحراء بقيادة الجنرال ستيوارت الي الامام من آبار الجقدول وجد قوات المهدية قد احتلت ابار ” ابوطليح” في ليلة 16 يناير 1884 .. فكان لزاما عليه ان يتحرك لآبار ابوطليح حتي يصل مورد الماء ليبقي علي قواته التي أنهكها الظمأ وكادت ان تحترق بفعل شمس صحراء السودان القاسية ..فكانت موقعة ابوطليح الفاصلة بتاريخ 17 يناير 1884 .. ذلك الفخ الذي عملت قوات المهدية علي استدراج حملة الانقاذ اليه ببراعة فائقة ..وهكذا وصل الامير موسي ود حلو بقواته لتعضيد قوات الجعليين الباسلة في المتمة بقيادة الامير علي ود سعد والأمير عبدالماجد محمد خوجلي .. فعقد لواء القيادة للامير موسي ود حلو وبعد ترديد دعاء الحرب ثلاثا كما أوصاهم الامام المهدي .. انطلقت قوات الانصار لمهاجمة المربع الانجليزي المتقدم .. ونترك المجال للمؤرخ الاستاذ عبدالرحمن الحلو ليرسم لنا لوحة المعركة : ” قام الانصار بهجوم عاصف علي مؤخرة وواجهة المربع الانجليزي فكسروا ضلع المربع وأجبروه علي التراجع . وتلي ذلك قتال مواجهة رجل لرجل . اغتنم الامير موسي ود حلو الفرصة واخترق المربع الانجليزي وسط ذهول أعدائه حتي وصل الي وسطه ممسكا برايته الخضراء في يده اليسري والمصحف في يده اليمني .. فأسرع رجاله خلفه فثبتوا الراية بالحجارة في داخل المربع الانجليزي! ..” ( عبدالرحمن ابراهيم الحلو :الخليفة علي ود حلو : صاحب الراية الخضراء، مطابع العملة ، الخرطوم 2012 ، ص 107 ).. وجري اشتباك دامي بالرماح والسيوف مما قلل من فعالية النيران الانجليزية ونتيجة لذلك ..خّر الكولونيل البريطاني برنيبي صريعا برمح الامير البشير عجب الفيا مع 17 من خيرة ضباط الحملة وقُتل ما يقارب ال 368 من الجنود البريطانيين وسقط 1069 جريحا منهم. ( ابوشامة : مصدر سابق ، ص413 ) ..وعلق المؤرخ البريطاني تشارلز رويال علي احداث ابوطليح قائلا: ” لقد قاتل السودانيون ببسالة عجيبة وأبدوا استهانة مذهلة بالموت “.. ( تشارلز رويال : حروب المهدية، السودان 1884-1898 ، Leonaur Publishing ، لندن 2013 ، ص364 ) .. استشهد من قوات المهدية عدد مقدر وكان أبرزهم الامير الشجاع موسي ود حلو والذي ابر بوعده للامام المهدي بغرس راية الثورة المهدية الخضراء في قلب المربع الانجليزي ! واستشهد أيضاً الفارس محمد بن الامير علي ود سعد والذي لم يبلغ العشرين بعد ! بينما جرح والده الامير علي ود سعد في كتفه .. لقد الهم ثبات السودانيين في “ابوطليح” الشاعر البريطاني السير هنري نيوبولت فنظم قصيدته الشهيرة بعنوان Vitai Lampada ..التي ترثي ابياتها الحزينة قتلي الجيش البريطاني وفي مقدمتهم الكولونيل برنيبي .. وجاء فيها:
تلت ابوطليح اشتباكات اخري في المتمة والشبكات تكبدت فيها حملة الانقاذ خسائر فادحة ما بين جرحي وقتلي .. واشتدت المواجهات مع قوات الاحتلال بعد التعزيزات التي ارسلها الامام المهدي بقيادة الامير النور عنقرة ..وهكذا تحققت اهداف الثورة المهدية بتعطيل حملة الانقاذ التي تأخرت لتلعق جراحها وتدفن موتاها وسط أنين الجرحي البريطانيين !
وفي تمام الثالثة من صباح 26 يناير 1885 عقد الامام المهدي مجلس شوراه الأخير قبل تحرير الخرطوم مع الخلفاء وكبار الأمراء وخلص الاجتماع الي ضرورة الهجوم علي الخرطوم لتحريرها علي ضوء إصرار غردون علي عدم التسليم وحقن دماء الناس .. ولتتفرغ قوات الثورة المهدية لمواجهة حمله الانقاذ في الشمال .. وجمعت قوات المهدية للمهدي ليخاطبها قبل المعركة.. ويورد فيرغس نيكول في سفره ( مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون) .. وصايا المهدي المشددة الاخيرة لجيش الثورة المتأهب لتحرير المدينة .. ” اذا نصركم الله .. الغردون لا يُقتل .. الفقيه محمد الامين الضرير لا يُقتل.. .. كل من استسلم و رمي سلاحه لا تقتلوه.. كل من أغلق باب بيته عليه لا تقتلوه ” .. ثم كبر المهدي بسيفه في اتجاه الخرطوم إيذانا ببدء الهجوم لتحرير عاصمة البلاد ..( نيكول : مصدر سابق ، ص 218 ) .. استطاعت قوات الامير النجومي والأمير ابوقرجة والأمير ود نوباوي احتلال الخرطوم في وقت وجيز .. وفي خضم هذه اللحظات التي عادة ما يصحبها الكثير من الانفلات الثوري الذي يصعب السيطرة عليه.. قتُل غردون خلافا لأوامر المهدي الصريحة بالحفاظ علي حياته .. وحدثت العديد من التجاوزات التي نهي عنها القائد وكبار الأمراء .. ويقول نيكول انه علي الرغم من ذلك فان المهدي وود النجومي كانا من الحرص بمكان علي حياة المدنيين .. وعندما دخل المهدي المدينة ظافرا وجه الامير احمد ود سليمان امين بيت المال .. بإرجاع كل امرأة من اهل المدينة الي اهلها او اي قريب لها قبل غروب الشمس ( نيكول: مصدر سابق ، ص 223 ) .. وفي هذا الشأن أيضاً .. اصدر المهدي منشوره الشهير بعد تحرير الخرطوم :” ان النساء الخارجات من ققرة الخرطوم جميعا قد أحببنا ان يعطين لازواجهن ولا يجوز لأحد من أصحابنا وأحبابنا ان يتزوج منهن .. فذوات الأزواج يسلمن لازواجهن وكل من لا زوج لها تكون لدي امين مأمون( المقصود شخص محرم ) ويجري راحتهن.. فالحذر من التزويج لأحد من نساء ألقياقر المذكورة صغيرة او كبيرة .. ثيبا او بكرا ومن تزوج بواحدة من المذكورات بدون نظر حكم الله فهو الجاني علي نفسه والسلام ” .. ( ابو سليم : مصدر سابق، ص 286-287 ). وبوقوع الخرطوم في قبضة الثوار شرع الامام المهدي في تشييد العاصمة الوطنية ” ام درمان” وابتني لنفسه منزلا طينيا متواضعا وتبعه الثوار فأعلنت تلك اللحظات ميلاد السودان المستقل الموحد .
في بريطانيا حلت اخبار الهزيمة المدوية التي تلقتها جيوش الامبراطورية التي لا تغرب الشمس في السودان ومقتل غردون .. كحلول الصاعقة تماماً ! وينقل المؤرخ البريطاني روبن نيللاندز ..كيف وثق اللورد بونسونبي سكرتير الملكة فكتوريا الخاص لهذه اللحظات حينما كتب ليصف حال الملكة فكتوريا عند تلقيها تلك الأنباء .. ” لقد كانت في حالة سيئة تماماً بعد سقوط الخرطوم وبدت كالمريض الذي كان طريح فراشه.. لقد كانت تتأهب للخروج للتو عندما أتانا تلغرافا يحمل الأنباء ..وعندها توجهت ( اي الملكة) الي مسكني الخاص كان باديا علي محياها الشحوب فوجدت زوجتي التي أفزعها منظر الملكة وهي بتلك الحالة حين خاطبتها وهي ترتعش : فات الأوان .. Too late ! ” .. ثم يستطرد نيللاندز .. ” لم تكن الملكة وحدها! .. عندما وصلت أنباء مقتل غردون للندن ..عمت حالة الحداد جميع أنحاء بريطانيا ونُكست الاعلام وأعلن ذلك اليوم كيوم حداد قومي وسرعان ما تحولت حالة الحزن العام الي غضب جارف موجه لرئيس وزراء بريطانيا جلادستون ” . ( نيللاندز: مصدر سابق ، ص 142،143 ).
هناك في السودان غاب عنا ..غاب عنا
اما في الجانب الاخر من الجزيرة البريطانية .. فقد تلقي القوميون الأيرلنديون اخبار انتصارات الثورة السودانية علي بريطانيا باحتفاءٍ مشهود .. ففي أعقاب تحرير الخرطوم نظم القوميون الإيرلنديون تظاهرة سياسية شعبية في مقاطعة تبريري بجنوب ايرلندا County Tipperary . . وغطت الحدث .. صحيفة (Freeman’s Journal ) بتاريخ 18 ابريل 1885 فاشارت الي مقاطعة الحضور للمتحدثين في اكثر من مناسبة بهتاف .. Cheers for the Mahdi .. واثني السياسي القومي الأيرلندي البارز “Mr.P.O’Ryan ” علي زعيم حركة التحرر الايرلندية آنذاك ” بارنيل” او ” Parnell” .. ووصفه بالمهدي الأيرلندي ” Irish Mahdi” الذي سيمضي علي خطي سميه الاصلي في السودان والذي سينتصر وسيسخر في النهاية من مخططات اعدائه الانجليز البائسة . ( ارشيف الصحف الايرلندية.. صحيفة Freeman’s Journal عدد 13 ابريل 1885) . وكان عدد من اللقاءات الشعبية السياسية المؤيدة لمشروع الثورة السودانية قد امتد قبل ذلك ليشمل العاصمة الايرلندية دبلن .. وقامت بنقل الاحداث في هذه المرة صحيفة Bury Free Press الانجليزية والتي نشرت تغطية كاملة للتظاهرة تحت عنوان Irish cheers for the Mahdi بتاريخ 14 فبراير 1884 وتقول الصحيفة ان الجموع قد خوطبت من قبل عضو البرلمان الشهير آنذاك Mr. T.P.O’Connor والذي اتهم رئيس الوزراء البريطاني غلادستون بإرسال قواته لمقاتلة السودانيين علي الرغم من إقراره اي ” غلادستون” علي رؤوس الأشهاد – في مجلس العموم البريطاني بأن الشعب السوداني شعب يقاتل من اجل حقه في الحرية ! وتذكر الصحيفة ان الجموع المتظاهرة هتفت عندها بحياة المهدي لثلاث مرات متتابعة .. وفي تظاهرة شعبية مماثلة- نقلتها نفس الصحيفة- انبري السياسي القومي الأيرلندي البارز Mr. O’Brien مخاطبا الفعالية و مشيرا الي ان تحرير الخرطوم من أيدي البريطانيين بسواعد قوات الثورة المهدية قد تم استقباله بالفرح والابتهاج في كل عواصم أوربا- وقد تم ذلك علي حسب قول المتحدث- مصحوبا بالصلوات والدعوات السرية من الجميع لله لإعطاء المهدي ورجاله المزيد من القوة والمنعة في مقاومة بريطانيا .. وتذكر الصحيفة ان المكان عندها قد ضج بالهتاف الحماسي المتواصل باسم المهدي .. Cheers for the Mahdi .
كما كتب كارل ماركس لصديقه انجلز في أواخر أيام حياته حين كانت جيوش الثورة المهدية تستعد للزحف من كردفان نحو الخرطوم في 1883 : ” إن الأخبار التي تأتينا من السودان، في هذه الأيام، أخبار مثيرة للفكر، وإنها ستدفع بنا إلى أن نحيل النظر في مجمل بنية المذهب الشيوعي، الذي ندعو إليه، وستجبرنا على إعادة التأمل في حديثنا عن أن الدين إنما هو مجرد إفراز للوضع الطبقي،” ثم يستطرد قائلا …” فإن الدين الإسلامي، بهذه الصيغة الثورية المهدوية المتفجرة في السودان، أصبح، وسيضحى وقوداً للثورة العالمية ضد الإمبريالية” .. ( قراءة عصرية في منشورات المهدية ، الدكتور محمد وقيع الله،نشر بسودانايل 2011 ) .
يا رجال استرليا ماذا اتي بكم الي هنا ؟
اما عن أصداء تحرير الخرطوم و انتصارات الثورة السودانية علي بريطانيا في شمال الوادي .. فقد كتب احمد عرابي باشا قائد الثورة العرابية من منفاه في مدينة كلمبو بجزيرة سريلانكا في 2 مارس 1885 خطابا الي الليدي آن بلنت ( Anne Blunt ) .. جاء فيه : ” لم تكسب بريطانيا شيئا من محاولتها غزو السودان .. لقد خسرت كل شئ .. خسرت اسمها وسمعتها و خسرت كل المسلمين . لقد فقدت بريطانيا غردون وستيوارت وهكس و أيرل وكم وكم غيرهم من الضباط البريطانيين . كما فقدت ايضا تعاطف كل القلوب بسبب حربها علي ثورة التحرر في السودان .. ان السودانيين الشجعان اخذوا بالثأر لاخوانهم المصريين وحموا بلادهم ضد الغزاة ومنهم رجال يفضلون ان يتجرّعوا كأس الموت علي ان يروا مستعمرا دخيلا عليهم داخل حدودهم . لقد بايع الشعب السوداني المهدي بالملايين علي الموت من اجل الحرية و كلما ازداد العدوان الانجليزي عليهم كلما ازدادت قوتهم “.. ( ارشيف الصحافة البريطانية ، صحيفة The Western Daily Press ، عدد بتاريخ 3 ابريل 1885 ) .
لا توجد تعليقات
