كيف تحوّل الاستثمار السياسي في الإسلاميين السودانيين إلى عبء أخلاقي واستراتيجي على الدوحة؟
دكتور الوليد آدم مادبو
لا تُقاس أخطاء الدول بما ترتكبه من أفعال فحسب، بل بما تعرفه ثم تتجاهله. فالخطأ البريء يمكن إصلاحه، أما الخطأ الذي يُرتكب على بصيرة فهو في الغالب رهان سياسي فاسد. ومن هذا الباب يمكن قراءة العلاقة الطويلة التي نسجتها الدوحة مع جماعة الإسلاميين السودانيين – أو ما يسميهم السودانيون بمرارة ساخرة: الكيزان.
لقد امتد هذا الرهان أكثر من ثلاثة عقود. لم يكن دعمًا عابرًا ولا مجاملة دبلوماسية عابرة، بل كان شبكة كاملة من الدعم الإعلامي واللوجستي والمالي، بل وأحيانًا السياسي العسكري. وفي كل مرة كانت النتيجة واحدة: إطالة عمر الاستبداد في السودان وتعطيل فرص تحوله المدني الديمقراطي.
كانت شاشة الجزيرة تعرض رموز النظام الإنقاذي أحيانًا بوقار المفكرين أو الوعاظ المحترفين، بينما كان السودانيون يعرفونهم جيدًا: سماسرة سلطة، وتجار دين، وفئة من المتسلقين. غير أن أكثر الصور فجاجة في هذه الحكاية ليست تلك التي تُعرض على الشاشات، بل تلك التي تُروى همسًا في كواليس السياسة.
ففي إحدى المرات قصد اثنان من رموز الإسلاميين الدوحة مستنجدين بالأمير الوالد حمد بن خليفة آل ثاني لتمويل تعويضات المتضررين من بناء سد مروي. استجاب الرجل بشهامته المعهودة للمناشدة، ودُفع المبلغ: اثنا عشر مليون دولار كاملة. لكن المال لم يجد طريقه إلى أصحاب الحقوق. تقاسمه الرجلان – كما تروي القصة – في باب الطائرة قبل أن تهبط في الخرطوم.
غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بطبيعة هؤلاء – فطبيعتهم لم تكن سرًا – بل يتعلق بقطر نفسها: لماذا أصرت الدوحة على هذا الرهان؟ لقد حاول بعض المحللين تفسير ذلك بمنطق القوة والنفوذ. فالدول الصغيرة جغرافيًا كثيرًا ما تبحث عن شبكات نفوذ غير تقليدية لتوسيع حضورها الإقليمي. وفي هذا السياق بدت جماعات الإسلام السياسي – الممتدة عبر الحدود – وكأنها أدوات مناسبة لمثل هذا النفوذ.
غير أن هذا التفسير لا يشرح المفارقة الأساسية: قطر لم تكن يومًا دولة إخوانية. فمن حيث بنيتها المؤسسية، تبدو الدولة القطرية أقرب إلى نموذج الدولة الحديثة: بيروقراطية تكنوقراطية، واقتصاد مندمج في النظام المالي العالمي، وشبكة علاقات استراتيجية مع الغرب. أي أنها – في جوهرها – دولة علمانية مؤسسيًا، وإن كانت تتدثر أحيانًا بخطاب ديني في المجال الرمزي.
أما المجتمع القطري من حيث تكوينه الثقافي، فهو امتداد للفضاء الوهابي الخليجي المحافظ، لكنه في الوقت ذاته مجتمع شديد الانخراط في اقتصاد العولمة وأنماط الحياة الحديثة. وهكذا نشأ ذلك التناقض اللافت: دولة حديثة تتدثر بالدين سياسيًا، ومجتمع محافظ يتدثر بالحداثة اقتصاديًا. وفي هذه المسافة الرمادية وجدت جماعات الإسلام السياسي فرصتها. لم تكن حليفًا عقائديًا حقيقيًا، بل كانت – في أحسن الأحوال – أداة نفوذ قابلة للتوظيف.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى في التجربة القطرية في السودان. فمن ناحية لعبت الدوحة دورًا مهمًا في محاولة تسوية نزاع دارفور عبر رعايتها لـ وثيقة الدوحة للسلام في دارفور، كما أعلنت مبادرة تنموية ضخمة تضمنت التبرع بنحو ملياري دولار لإطلاق مشاريع إعمار وتنمية.
وكان يمكن لذلك المشروع أن يفتح صفحة جديدة في تاريخ الإقليم، لولا أن بعض سدنة النظام – ومن بينهم أمين حسن عمر – أصروا على أن تبقى الأموال تحت سيطرة الدولة المركزية، حيث يمكن توزيعها بالطريقة التي تخدم توازنات السلطة أكثر مما تخدم ضحايا الحرب. ومع ذلك استمرت قطر في بناء القرى النموذجية في دارفور، وهي خطوة ينظر إليها كثير من أبناء الإقليم بوصفها إحدى النقاط المضيئة القليلة في هذه العلاقة المعقدة.
لكن النقاط المضيئة لا تلغي الحقيقة الكبرى: الرهان القطري على الإسلاميين السودانيين كان رهانًا سياسيًا قصير النظر. لقد تغيّر العالم اليوم. فالمناخ الدولي الذي كان يسمح بتوظيف الجماعات الأيديولوجية في لعبة التوازنات الإقليمية بدأ يضيق بسرعة. ومع تصاعد الدعوات الدولية لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتُكبت في السودان، تتجه الأنظار إلى دور الشبكات المالية والسياسية التي دعمت تلك الجماعات لعقود.
ختامًا، لن يبقى أمام الدول التي احتضنت هذه الشبكات سوى خيارين واضحين: إما تفكيك هذه المنظومة بالكامل — مالًا وشركاتٍ وشبكاتٍ ومليشيات — وإما مواجهة تبعاتها القانونية والسياسية. وفي كلتا الحالتين تبدو نهاية هذا الفصل أقرب مما كان يظن كثيرون.
أمّا السودان – الذي دفع ثمن هذه المغامرات الإقليمية من دم أبنائه – فإنه لا يطلب المستحيل. كل ما يحتاجه هو شيء بسيط، لكنه نادر في السياسة الدولية: الاعتراف بالخطأ والتكفير عنه بالسبل المرضية.
March 13, 2026
auwaab@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم