يكتب: د/ يسن جعفر عبدالله عيسى
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب والدمار والانتهاكات والنزوح والتشرد والإذلال وهتك الكرامة الإنسانية وبعد ما أصاب النسيج الاجتماعي من تمزق ربما آن الأوان لأن نغيّر السؤال.
فالبنادق قد تُسكت المدافع لكنها لا تصنع وحدها سلاماً مستداماً ولا تضمد جراح المظالم ولا تعيد الثقة بين المجتمعات. والسلام الحقيقي يحتاج إلى معالجة جذور الأزمة وضمان العدالة وصون الكرامة الإنسانية وفتح الطريق أمام المصالحة وإعادة بناء الدولة.
يقف السودان اليوم أمام اختبار وجودي: ليس السؤال كيف تُحسم الحرب، بل كيف ينتصر السودان كوطن؟
إن انتصار السودان الحقيقي هو انتصار الحياة على الموت والمواطنة على العصبية والدولة على الفوضى والسلام على الحرب، فقد خسر السودان الكثير لكن أخطر ما يمكن أن نخسره هو إيمان السودانيين بأنهم قادرون على العيش معاً.
ومن هنا فإن الحوار ليس دعوة إلى نسيان الجرائم أو إسقاط حقوق الضحايا ولا بديلاً عن العدالة والمساءلة، بل وسيلة لوقف نزيف الوطن وفتح الطريق أمام سلام عادل ومستدام. الحوار ليس ضعفاً ولا تنازلاً إنه شجاعة وطنية ومسؤولية تاريخية.
ولا سلام بلا عدالة. فالسلام الذي يتجاهل الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر يترك جذور الصراع قائمة. ولذلك نحتاج إلى معادلة واضحة: حوار يوقف الحرب وعدالة تعالج آثارها ومصالحة تعيد بناء المجتمع ومؤسسات تمنع تكرارها.
والسلام لا ينبغي أن يبقى اتفاقاً بين النخب أو الأطراف المسلحة وحدها بل يجب أن يكون مشروعاً مجتمعياً يشارك فيه المدنيون والنساء والشباب والقيادات الأهلية والمجتمع المدني فالذين دفعوا ثمن الحرب يجب ألا يغيبوا عن صناعة السلام.
والسودان بتنوع ثقافاته ولهجاته وقبائله ومناطقه لا يحتاج إلى إلغاء اختلافاته بل إلى إدارة هذا التنوع باعتباره مصدر قوة على أن تكون المواطنة الإطار الجامع للجميع.
ومن شرق السودان يمكن أن نتعلم فقد أظهرت تجارب الوساطة المحلية وموروث {القلد} أن الحوار والوساطة والقيادات المجتمعية يمكن أن تسهم في احتواء النزاعات وحفظ السلم الاجتماعي. وهذه الموارد المحلية ينبغي تطويرها ودمجها مع حقوق الإنسان والوساطة الحديثة وسيادة القانون.
إن إنهاء الحرب ضرورة لكنه ليس الغاية النهائية. نحتاج إلى دولة تحمي المواطن ويكون فيها القانون فوق الجميع ولا يحتاج فيها الإنسان إلى السلاح لكي يُسمع صوته.
لقد آن الأوان أن ننتقل من سؤال {متى تنتهي الحرب؟} إلى سؤال أعمق:
كيف نبني السلام الذي يمنع عودتها؟
فالسودان ينتصر عندما ينتصر الحوار على العنف والسلام على الحرب والوطن على الانقسام.
وهذا هو الانتصار الذي يستحقه السودان.
