د. فضل محي الدين طاهر
ما هي لعبةالروليت الروسية (Russian Roulette) ؟ هي لعبة حظ مميتة وخطيرة جداً تعتمد على المقامرة بالحياة وذلك بوضع رصاصة واحدة في المسدس وتدوير الأسطوانة وإطلاق النار على الرأس.
لم تعد الحرب في السودان حرباً. الحروب لها أهداف وجيوش ونهايات، أما هذه فمقامرة بالأرواح: روليت روسية كبرى تُدار كل صباح بمسدس مصوَّب إلى رؤوس السودانيين، ولا أحد يعلم على من ستقع الرصاصة.
حرب بلا معنى.. ولا شرف
بدأت بلا تفويض من الشعب، وتستمر بلا هدف يخصه. قالوا لنا ساعات، ثم أياماً، ثم شهوراً، وها هي تدخل عامها الرابع. إنها حرب عبثية بحق، فالمنتصر الوحيد فيها هو الموت، ومعه نهّابو ثروات البلاد في الداخل والخارج، الذين يقتاتون على الجثث وينهبون الذهب والأرض والموانئ ما دامت المدافع تدوّي.
أي حرب هذه التي يخسر فيها الشعب كله، ولا يربح فيها إلا الموت وتجار الدم؟
-جندي بسيط يُساق إلى حتفه من الطرفين، ولا يعلم لماذا يقتل أخاه.
-مواطن يُطرد من بيته لا لذنب إلا أن بيته في مرمى النيران.
-اقتصاد بلد غني بكل مقومات الحياة يُنهب، حتى صار أهله يتسولون لقمتهم في معسكرات النزوح.
لا كرامة في هذه الحرب ولا ديمقراطية ولا وحدة. هذه شعارات تُرفع فوق الجثث لتبرير التجارة بها.
حياة رهن الحظ
لقد حوّلتم حياة السوداني إلى رهان يومي:
-خروجك من البيت حظ.
-بقاء الكهرباء حظ.
-وصول الماء حظ.
- نجاة بيتك من القصف حظ.
-حصولك على دواء الضغط والسكري حظ. - ذهابك إلى السوق حظ، فقد تسقط عليه مسيّرة في أي لحظة.
وتصاعد هجمات الطائرات المسيّرة على الأسواق والبنية الحيوية ليس إلا جزءاً يسيراً من هذه الروليت الروسية القذرة، فلا فرد ولا جهة في منأى عن هذا الموت القادم من السماء. وفي الأيام الأخيرة استهدفت المسيّرات محطات توليد الكهرباء في الخرطوم وعدد من الأقاليم، فغرقت معظم جغرافيا السودان في الظلام، وحُرم الملايين من الخدمات الأساسية للحياة: الماء الذي يحتاج إلى الكهرباء ليصل، والدواء الذي يحتاج إلى التبريد ليبقى صالحاً، والمستشفى الذي يحتاج إلى النور ليُجري عمليته. يُقتل الناس وهم يشترون الخبز، ويُحاصرون في العتمة وهم ينتظرون الفجر، ثم يُقال لنا إنها (حرب).
أي وطن هذا الذي صار فيه الماء والدواء والأمان قمار؟ وأي جيل سينشأ وهو يرى الموت وجبته اليومية؟
لقد صار السودانيون رهائن بين تجار الحرب في الداخل ونهّابي الثروات في الخارج. كل طرف يراهن بورقته، والشعب هو الرهان الذي يُحرق دائماً.
معدن أغلى من الذهب.. تحرقه نيرانكم
الكل يعرف معدن الشعب السوداني الاصيل. بسيط، لكن معدنه أغلى من الذهب. رأيناه طوال مده الحرب وفي تكايا الأحياء، وفي استقبال النازحين، وفي تماسك أبنائه في المهجر.
وهذا المعدن النفيس تُصهره نيران حرب لا تُبقي ولا تذر. كل يوم قتال يسرق منا طبيباً هاجر، ومهندساً قُتل، ومعلماً شُرّد، وطفلاً حُرم من مدرسته. الحرب لا تبني دولة، إنها تنهش ما تبقى منها.
المطلوب فوراً:
وليس الخراب صنيعة من يحمل السلاح وحده. فقد قال مارتن لوثر كينغ: (المأساة الكبرى ليست ظلم الأشرار وقسوتهم، بل صمت الأخيار عنه). وكل من يملك صوتاً ولا يرفعه اليوم في وجه هذه الحرب، فقد اختار مقعده بين الصامتين.
استمرار هذه الحرب انتحار جماعي. لا حل عسكرياً لهذه الكارثة، ومن يتوهم النصر فسينتصر على ركام وطن. لا نريد هدنة لالتقاط الأنفاس وإعادة التسلح، نريد وقفاً فورياً وغير مشروط لإطلاق النار:
- وقف الحرب أولاً، والتفاوض ثانياً، فلا تفاوض تحت القصف.
- فتح الطرق للمساعدات وحماية المدنيين الآن، فالناس تموت جوعاً قبل أن تموت رصاصاً.
- محاسبة كل من أشعل هذه الحرب وكل من يتربح منها، بسلطان القانون لا بسلطان الانتقام. لا إفلات من العقاب بعد اليوم.
- أن تتحمل القوى المدنية والإقليمية والدولية مسؤوليتها، وتفرض مساراً تفاوضياً جاداً وملزماً، بدلاً من الاكتفاء بالبيانات والمشاهدة.
كفى متاجرة بدماء السودانيين. كفى لعباً بأرواحهم كأنها طلقات في مسدس.
يا من تحملون السلاح باسم السودان، ويا من تحملونه ضده: السودان أكبر منكم جميعاً، وشعبه أبقى منكم جميعاً، والتاريخ لا يرحم من كان سبباً في خرابه.
أوقفوا لعبة الحظ المميتة، فقد تعبنا من عدّ الموتى، ونريد أن نبدأ في عدّ الأحياء.
