للدكتور عبد الله حمدوك: في مرة أخرى (فلتبحث عماذا تريد دولة االإمارات في السودان)

بقلم الصادق علي حسن
انا عرفت دكتور عبد الله حمدوك في أديس أبابا قبل أن يصل إلى منصبه برئاسته لمجلس الوزراء عقب ثورة ديسمبر ٢٠١٨م المجيدة، وقد كان ولا يزال رجلا مهذبا ، وقد ظلت قناعاتي تزداد بانه ليس سياسيا حاذقا ولا يستطيع فعل شيئ كما كان في ظل رئاسته لمجلس الوزراء ثم تخليه عن مسؤولياته بعد إحتجازه بعد البرهان وحميدتي عقب إنقلابهما عليه، ثم آثر النجاه بجلده وخرج تاركا الثوار في الشوارع ،والثورة تغلي كالمرجل، لتتحول شعارات الثوار ضده . لا أزال اتذكر جيدا لقائي به بمكتبه بأديس ابابا وكان ذلك برفقة الأستاذ عبد الباقي جبريل مدير مركز دارفور للعون والتوثيق بجنيف وذلك لإلتماس ان يتواصل مع السلطات الإثيوبية لتسهيل تنظيم ملتقى قوى المجتمع المدني السوداني بأديس ابابا كما دأبت المنظمات على هامش فعاليات إجتماعات قمة الإتحاد الإفريقي ، وقد أمتنعت الأجهزة المعنية باثيوبيا في ذلك العام لتقديرات المصالح المتبادلة بين نظامي الحكم بالبلدين في عدم السماح بتنظيم الملتقى السنوي المحضور ، ذهبنا إلى د حمدوك لذلك الغرض بمكتبه، ولكنه انصرف عن موضوع الطلب إلى مواضيع أخرى بهدوء وتهذيب شديدين ولم يستجب ضمنيا للطلب المذكور . في عهد توليه لرئاسة مجلس الوزراء بعد أن أجرى تعديلات على طاقم حكومته الأولى ، شكل د حمدوك رئيس الوزراء لجنة استشارية مصغرة وأختارني لعضوية اللجنة المذكورة، ولم أكن ممن هم حوله ، وقد يكون ذلك الإختيار تم بواسطة احد اصدقائي، ذلك الصديق الذي هو أول من نقل إليه (كما علمت) خبر ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء عن قوى الثورة، وكان رده له (كما علمت) انه ظل يقرأ عن خبر الترشيح في الصحف، ولم يتصل به احد بأي صورة من الصور . المهم في أول إجتماع للجنة المذكورة بمكتب مديرة جامعة الخرطوم بروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه بحضور أعضائها من وزرائه إثنين هما وزير شؤون الرئاسة خالد عمر يوسف (سلك) والوزير ابو نمو ، ومن المجتمع المدني د حيدر إبراهيم ،و د صديق أمبدة، والمرحوم الأستاذ كمال الجزولي، وأستاذة رشا عوض ،وأستاذة أسماء محمود محمد طه ، ود. محمد محجوب هرون و أستاذ خالد التجاني وشخصي . في الإجتماع الأول للجنة المذكورة لم تتمكن د فدوى عبد الرحمن من الحضور بسبب مستجد متعلق بوفد خارجي زائر للبلاد، وفي الإجتماع الأول المذكور الذي بدأ عقب صلاة العصر وكنت قد غادرت عقب المغرب وعلمت لاحقا ان الإجتماع قد امتد لمنتصف المساء . في مستهل ذلك الإجتماع تحدث د..حمدوك عن مهام اللجنة والتي لخصها بأنها معنية بتقديم الرأي والمشورة لرئيس مجلس الوزراء في كل قضايا البلاد . لم أرغب في الحديث في ذلك الإجتماع الأول ،وكنت قبل ذلك قد اعتذرت عن عضوية اللجنة بمبرر أنني تخليت عن ممارسة النشاط السياسي ،ولم أكن من عضوية قوى الحرية والتغيير، ولكن في نهاية المطاف قبلت بعد الإتصال من ذلك الصديق الذي أقدره وآخر ، لقد قلت في نفسي سأكون مستمعا ريثما يستدعي الموقف إبداء الرأي، في ذلك الإجتماع الأول المذكور وقد تحدث كل الحضور أشار لي د حمدوك بالقول (يا صادق لم تتحدث) فكان حديثي لرئيس الوزراء بعد تأكيد الاحترام له بالقول (إذا جاز لي القول أنصحك بأن تخرج منها قبل فوات الأوان)، لم يتقبل الدكتور المحترم حمدوك ذلك الرأي ورد لي بنبرة عدم الرضا الواضح بالقول (انا لم اتِ للمنصب برغبتي ولم أسع له، ولكن بإرادة الثورة والثوار ،وإذا طلب مني الثوار الخروج سأخرج)، ما كنت أعنيه في قولي، ليس ما ذهب إليه د حمدوك في رده لي، لذلك في جلسة الاستراحة وكانت تقف إلى جواره الموظفة الشابة رانية حضرة التي أتت لخدمة بلادها من وظيفة دولية بالأمم المتحدة. وكنت قد تعرفت على رانية حضرة وهي طالبة وكان والدها صديقا لزميلي الأستاذ عبد الرحمن القاسم، وكان يتحدث عنها وعن قدرات ابنته باعجاب ويرى فيها المستقبل ، وقد ارسلها للدراسات العليا بلندن ، رانيا بالرغم من حداثة سنها كانت هي الإضافة الحقيقة لمكتب حمدوك وقد كان غالبية من هم حوله أقرب لنشطاء السياسة والمجتمع المدني الذين صاروا يشغلون المناصب العليا بالدولة ، قلت لحمدوك انت نلت من التأييد الجماهيري ما لم ينله غيرك منذ استقلال السودان ، وما اعنيه أن تأييدك الكبير سيتناقص كثيرا ، ويوما ما قد تخرج منها(رئاسة الوزارة) من غير إرادتك وتتذاكر أقوالي هذه .
إن المعروف في عالم اليوم تنشأ الخلافات بين الدول المتجاورة لأسباب كثيرة فهنالك مثلا قضايا الحدود المشتركة ،والموارد الطبعية مثل المياه وتداخل السكان ،وما لم تدار المصالح بين الجيران بكفاءة تنشأ تقاطع المصالح بين الأنظمة الحاكمة مع الدول الجارة وتظهر أسباب مساندة الأنظمة الحاكمة أو معارضتها . لذلك إذا فشل أي نظام حاكم في دولة ما في إدارة المصالح مع نظم الجيران الحاكمة فبقدر تباعد المصالح تقوم الأنظمة الحاكمة بمساندة التغيير في الدول الأخرى الجارة . لقد قرأت في مذكرات منشورة للرئيس الإثيوبي الأسبق منقستو هيلامريام وهو يقول بأنه (لا علاقة له بصناعة د.قرنق وتمرده وصناعة الحركة الشعبية لتحرير السودان ضد نظام النميري ،ولكنهم كانوا في إثيوبيا يبحثون عن قرنق في السودان، وظهر جون قرنق في الوقت المناسب ووجدوه) ،وكان منقستو يبرر اقواله بالبحث عن قرنق بالقول انه كان يستوي عنده ظهور اي قرنق معارضا للنميري ببندقيته بالسودان ،ليرد بالمثل على رعاية الرئيس النميري ودعمه للمعارضة المسلحة في دولته إثيوبيا .
ماذا تريد الإمارات :
د إبتسام الكتبي رئيس مركز الإمارات للسياسات تحدثت عماذا تريد الإمارات من تدخلها في السودان، واقوالها موجودة يمكن لمن يرغب في سماعها البحث عنها باستخدام محرك الجوجل . إن دولة الإمارات ليست جارة للسودان وهي الدولة الوحيدة التي توافرت دلائل ذات موثوقية بشأن تورطها في الحرب الدائرة في السودان، وذلك بموجب تقرير لجنة الخبراء المشكلة بموجب القرار ١٥٩١ ، وقد تم تمديد ولاية فريق الخبراء لعام ،وقد أودع الفريق تقريره الثاني الذي يُنتظر أن يبت بشأنه مجلس الأمن الدولي . إن وجود ٢٥٠ مواطنا سودانيا بدولة الإمارات والذي تحدث عنه د .حمدوك لأغراض العمل، كما وهنالك أيضا جنود من السودان أشبه بالمرتزقة يقاتلون لحمايتها منذ عهد المخلوع البشير ، إن ذلك الوجود هو وجود عمال بدولة مستفيدة من عمالة وافدة كغيرها من عمالةالدول الأخرى . وهذا الوجود بسوق العمل من خلاله يساهم هولاء العمال في إزدهار السوق والعلاقة بينهما علاقة مصلحة متبادلة وليست علاقة دولة تقدم العون الإنساني، وحتى إن هي قدمت العون لآلاف من المتأثرين بالحرب، فقد سببت بحقهم النزوح واللجوء القسري وليست هنالك محمدة في ذلك كما يرى د عبد الله حمدوك.
دفوعات غير منتجة :
في شريط الفيديو المتداول في الوسائط د عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السابق يتحدث أيضا عن تدخل عدة دول في السودان وتشارك في القصف الجوي، وهو ينبري ليدافع عن دولة الإمارات ووجوده بها ، وينفي عنها التدخل في السودان ،وكأنه لم يسمع بتقرير فريق لجنة الخبراء ، و صيحات عضوة الكونغرس سارة جاكوبس وزميلها جيم ريتش بلجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس الأمريكي ، مثل هذه الصيحات المتكررة حتى ولو لم تكن مسموعة لدكتور حمدوك أو كان ينظر إليها على شاكلة الأقوال بلا قيمة ، بلا شك أن في تكرار اثارتها بالكونغرس الأمريكي وفي لجان مجلس النواب البريطاني، وفي منابر دولية أخرى عن دور للإمارات في الحرب الدائرة بالسودان كافية للدفع برئيس مجلس الوزراء السابق للنظر فيها بتمعن قبل إصدار صكوك البراءة التامة لدولة الإمارات .
لا أقول لدكتور حمدوك أخرج من دولة الإمارات، بل ابحث معها عماذا تريد ، فقد تعب الشعب السوداني من جسامة المعاناة ، ولم تسلم أسرة من القتل الجزافي والانتهاكات الجسيمة المرتكبة والنزوح والتشرد واللجوء، وبدلا من التماس التبريرات غير المتماسكة لدولة الإمارات، فلتبحث معها يا د حمدوك عن وسائل وقف الحرب في السودان، وان لا تصبح كالمحامي الذي يدافع عن موكله في مناهضة التهم المنسوبة إليه، بأن الأخرين يفعلون كذا وكذا، وتتنامى إلى أذنيه الأخبار عن عمليات إجلاء الجرحى والعتاد الحربي المنقول عبر مطار نيالا (ويعمل ما سامع وما جايب أي خبر).

عن الصادق علي حسن/ المحامي

الصادق علي حسن/ المحامي

شاهد أيضاً

قانون اللجوء المصري ١٦٤ لسنة ٢٠٢٤م مرة أخرى (4)

قانون اللجوء المصري ١٦٤ لسنة ٢٠٢٤م مرة أخرى (4)حتى لا تفقد مصر ما تحققت من …