جذب الحزب الشيوعي السوداني، بعد خروجه من رحم الحزب الشيوعي المصري في نهاية الأربعينيات ومطلع الخمسينيات، أعداداً كبيرة من الشباب، خصوصاً من أبناء الطبقات الوسطى، والباحثين عن الترف الفكري، والكادحين، والمتمردين على الهيمنة الطائفية التقليدية، الذين وجدوا في الفكر الماركسي دعوةً إلى العدالة الاجتماعية والمساواة، ونقداً للبنية السياسية والاقتصادية التي رأوا فيها تكريساً للامتيازات والتفاوت، وهي بنية كان ينبغي هدمها وتشييد المستقبل الاشتراكي المشرق على أنقاضها كما يزعمون!
لكن مسارات أبناء المدرسة الماركسية السودانية، كما قال محمد إبراهيم نقد لاحقاً، حين أشار إلى أنهم «ألبسوا الشيوعية الجلابية السودانية»، لم تكن واحدة بعد ثمانية عقود من عمر الحزب،فبعضهم بقي وفياً للتنظيم والفكر الشيوعي، وذاق بعضهم طعم البرجوازية وتمرغ في نعيم الغرب ،متخليا عن ادبيات الكفاح والنضال ضد البرجوازية الطفيليلةً…!!!
بينما غادر بعضهم الحزب دون أن يقطع صلته الفكرية بالماركسية،وتشتت شملهم بين «جاد» و«وحق»، فيما تبنى آخرون مشاريع سياسية وفكرية جديدة أعادت تعريف الصراع السوداني من خلال مفاهيم مثل «المركز والهامش» والهوية والجهوية، وصولاً، إلى أطروحات ما بعد الحرب، إلى مفردات من قبيل «دولة 56»، و«الجلابة والغرابة »
وقد أظهرت حرب 15 أبريل 2023 أن بعض المثقفين الذين خرجوا من رحم اليسار أصبحوا في مواقف سياسية تتقاطع مع قوى كانت، تاريخياً، على النقيض الأيديولوجي منهم، بينما اتخذ آخرون مواقع أقرب إلى خطاب «الجلابة والغرابة». وبذلك بدا أن الصراع الطبقي، الذي كان يمثل جوهر الخطاب الماركسي، قد تراجع لمصلحة خطاب يقوم على الجغرافيا والهوية والإثنية والمركز والهامش،لدرجة انخراط بعض شباب اليسار في حملة الاستنفار للقتال جنبا إلى جنب مع المجاهدين الإسلاميين !
وبالطبع، لا يعني دعم الجيش بالضرورة التحول إلى الإسلاميين، كما أن تبني خطاب الهامش لا يعني بالضرورة التخلي عن اليسار. فالقضية هنا ليست الانتماء التنظيمي، وإنما التحول في طريقة قراءة الواقع السوداني.
فالماركسية التقليدية سعت إلى تجاوز القبيلة والطائفة والجهة، والنظر إلى المجتمع من خلال علاقات الإنتاج والصراع الطبقي. أما خطاب «المركز والهامش»، أو ثنائية «الجلابة والغرابة»، فقد أعاد الاعتبار إلى الجغرافيا والهوية والتاريخ المحلي بوصفها عوامل أساسية في تفسير الصراع والتفاوت الاجتماعي.
ومن هنا يطرح السؤال نفسه: هل كان صعود الجهوية تطوراً طبيعياً داخل اليسار السوداني، ومحاولة لإعادة صياغة الماركسية بما يتلاءم مع خصوصية السودان؟ أم أنه كان بديلاً عن الخطاب الطبقي الذي عجز عن تفسير تعقيدات المجتمع السوداني؟
وهل غادر هؤلاء الشيوعية فعلاً، أم أنهم أعادوا إنتاج بعض أفكارها داخل خطاب جديد؟
لقد أعادت حرب 15 أبريل رسم الخنادق السياسية، وجعلت خصوماً أيديولوجيين بالأمس يقفون أحياناً في الخندق نفسه، بينما وجد آخرون أنفسهم في الجهة المقابلة.
وربما تكمن المفارقة الأكبر في أن الواقع السوداني نفسه فرض على كثير من أبناء الأيديولوجيات القديمة إعادة النظر في قناعاتهم.فهل غادر هؤلاء الشيوعية، أم أن الشيوعية هي التي غادرتهم؟
كل هذه المعطيات ربما تقول إن علاقة المثقف السوداني بالفكر ما تزال هشة، وإن ما يتبناه بعضهم من أيديولوجيا ماركسية في شبابه قد لا يكون، في بعض الحالات، أكثر من «فتوة فكرية»، أو سلوكاً تعويضياً لإزاحة الإحباط الناتج عن التهميش الاجتماعي والحرمان.
ولعل تحوّل بعض الرفاق من الشيوعية إلى التصوف، أو دخول بعضهم إلى الحركة الإسلامية، كما حدث مع عدد من الشخصيات التي عُرفت لاحقاً في المجال السياسي والفكري، فضلاً عن التحولات المثيرة للجدل التي ظهرت لدى بعض المنظرين بعد حرب أبريل، يكشف عن هشاشة بعض القناعات الأيديولوجية التي بدت في مراحل سابقة راسخة كاليقين.
وربما لا يكون الأمر مجرد انتقال فكري طبيعي، بقدر ما يكشف أحياناً عن قابلية عالية لتبديل المواقع والشعارات تبعاً لتحولات الواقع وموازين القوى.
وفي النهاية، قد تكون المفارقة أن الشعارات التي رُفعت ذات يوم باعتبارها حقائق نهائية، انتهت عند البعض كما ينتهي الزبد: «فأما الزبد فيذهب جفاءً».
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً:
هل كانت تلك قناعات فكرية راسخة، أم مجرد حربائية فكرية تتلون كلما اقتضت المصلحة او ثارت النعرات!
