صديق الزيلعي
أواصل الحوار حول رد الزميل السر بابو على الدكتورة ناهد محمد الحسن. بدأت بالسر وسأناقش اطروحات ناهد لاحقا، ثم أختم بالردود والتعليقات التي تعرضت بالنقد لما كتبت. مضمون ما طرحته، في المقالات السابقة، ان الزميل السر يتناقض، تماما، بين طرحه النظري العام مع كتاباته السياسية المباشرة. كما ان يطرح لكل موقف ما يناسبه من قول، فقبل المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي، كان له طرحا مختلفا تمام عما صار يطرحه بعد المؤتمر السادس للحزب. كما أود أن أوضح ان علاقتي بالسر هي علاقة صداقة، منذ أيام الدراسة بجامعة الخرطوم، واستمرت بعد ذلك وحتى الآن. لكن علاقة الصداقة لا تمنع الحوار الفكري أو الاختلاف في وجهات النظر، ما دام ذلك يتم بصورة منطقية وموضوعية. والحوار هو مع طرحه لما يمثله من موقع فكري قيادي في الحزب الشيوعي، وله أثر واضح في طرح وممارسات الحزب الحالية.
ما أكتبه، في هذه المقالات، ليس من باب الرفاهية الفكرية، ولا الطرح المجرد المعلق في الهوا. طرحي هو امتداد لنشاط متواصل، قمت به منذ سنوات طويلة، من اجل الدعوة لإصلاح الأحزاب السياسية، باعتبار لا ديمقراطية بدون أحزاب حقيقية. وكلنا عايش ويعرف أزمات ونقاط ضعف الأحزاب السودانية، والنقاش حولها حق مكفول لكل أبناء الوطن، بل واجب مستحق. ومن هذا المنطلق، كتبت مقالا، قبل سنوات من ثورة ديسمبر 2018، بعنوان: ” هل احزابنا جديرة بقيادة التغيير القادم في بلادنا؟ كما حررت كتابا في 2016 تحت عنوان: ” هل يمكن تجديد الحزب الشيوعي السوداني؟ وكتبت عدة مقالات عن تعقيدات الانتقال الديمقراطي في بلادنا، وقمت بعرض تجارب مختلفة للانتقال الديمقراطي، للتعلم منها وليس استنساخها. ونقدت، خلال الفترة الانتقالية، في مقالات عديدة مواقف: قوى الحرية والتغيير والحزب الشيوعي، والسلطة الانتقالية. لذلك هذا المقالات جزء من هم وطني يتملكني. اغلب الكتابات تعرضت لتجربة الحزب الشيوعي بسبب معرفتي به، وملامستي لكثير من الفترات والمواقف التي اكتب عنها. وينطبق ذلك من تعرف عن تجارب أحزاب أخري ان يكتب عنها ويقدم رؤيته حولها.
هذه المقالات هي مساهمة متواضعة في قضايا تهمنا جميعا. وأتمنى ان يقوم كتاب من الأحزاب والحركات الأخرى، بمناقشة علنية لمشاكلها النظرية والبرامجية وأساليب عملها. الأمر الذي يفتح الباب لحوار مجتمعي واسع، تجاه قوانا السياسية، ودورها في الفترة الانتقالية والديمقراطية القادمة. وفي اطار ذلك الجهد قمنا في منبر آفاق جديدة للحوار الفكري بتنظيم سلسلة ندوات حول المراجعات الفكرية للأحزاب السودانية. وتمت حتى الآن أربع ندوات هي عن مراجعات المؤتمر الشعبي وحزب الأمة والحركة الشعبية. والندوة الأخيرة كانت بعنوان رؤية نقدية لبرامج الأحزاب السودانية الاقتصادية، وسيتواصل تقديم الندوات لتشمل كل الأحزاب.
قدم عبد الخالق مساهمات فكرية وسياسية متميزة، وكانت بصماته واضحة في كل إصدارات الحزب الشيوعي، خلال الفترة التي قاده. وهنا سأعرض مثالين متميزين لذلك لنرى مدي ابتعاد السر في طرحه عن تلك الممارسات.
هذا هو المثال الأول للحزب تحت قيادة عبد الخالق محجوب:
قرر الحزب الشيوعي ان يشارك في انتخابات المجلس المركزي، بينما قررت الأحزاب الأخرى مقاطعة الانتخابات. وحدث خلاف حول ايهما اصح المشاركة أم المقاطعة؟
سأنقل من بيان الحزب حول المجلس المركزي لمقارنته بوضعنا الحالي. اشير هنا، لضرورة تفهمنا للروح والمنهج الذي تميز به البيان الذي أصدره الحزب الشيوعي السوداني، حول انتخابات المجلس المركزي، خلال الدكتاتورية العسكرية الأولي (1958 -1964). جاء في البيان بتاريخ 9/3/1963، ما يلي:
” في هذه الأيام يدور الجدل عاليا حول دخول او مقاطعة الانتخابات للمجالس المحلية، فان الحزب الشيوعي السوداني يرى من واجبه ان يؤكد بصورة قاطعة ان الاضراب السياسي العام ما زال السلاح القوي الذي يمكن ان تشهره الجماهير لإسقاط النظام الراهن، وانه لا مقاطعة الانتخابات او دخولها يمكن ان يكون بديلا لهذا الاضراب. ان الاضراب السياسي سيظل دائما هو المحك لاختبار صحة الطريق الذي تسلكه الجماهير في هذه القضية او تلك بما في ذلك المقاطعة او عدمها. وفي حالة الانتخابات للمجالس المحلية، بينما يرى الحزب الشيوعي أهمية خوض هذه المعركة وتحويلها الى مظاهرة كبرى، والارتفاع بمستوى المعركة سياسيا وتنظيميا من اجل التحضير للإضراب السياسي، يرى البعض الآخر ضرورة مقاطعتها كأسلوب من أساليب المعارضة للحكم العسكري. ومن الواضح ان كلا الشعارين يهدفان في ظاهرهما الى غرض واحد هو معارضة النظام الراهن والرغبة في انهائه. ان الحزب الشيوعي يهمه ان يكون موقفه واضحا امام الجماهير العمالية وكل الشعب في هذه النقطة بالذات. ذلك ان النظام الراهن برمته وليس مشتقاته فحسب، هو نظام رجعي غير ديمقراطي ودكتاتوري، وليس هناك سوى السذج من يعتقدون في ان تولد الدكتاتورية نظاما ديمقراطيا في نفس الوقت. وعليه فان جميع ما يسمى بمؤسسات التطور الدستوري التي تنشأ في ظل هذا النظام لا يمكن ان تلبي آمال الشعب في الديمقراطية الحقيقية.
إن الذين يدعون إلى مقاطعة المجالس المحلية رغم حسن نواياهم ومقاصدهم هم في رأينا يتخذون موقف غير سليم لا يفيد قضية النضال ضد النظام الراهن. انهم ينادون بالمقاطعة، ولكنهم لا يشيرون الى أي عمل ثوري بديل في مقابل ذلك. ان الجماهير حين تهرع للتسجيل والترشيح ليس استجابة لنداء الحكومة او تأييدا لها كما تزعم أجهزة الاعلام الرسمية، ولكنها مدفوعة بغريزتها الثورية لممارسة حق من حقوقها.
ومع ذلك فان الحزب الشيوعي يحترم بكل اخلاص رأي الذين يدعون لمقاطعة الانتخابات رغم اختلافه معهم من حيث انهم يكشفون عن موقفهم من النظام الراهن وهذا هو الجوهر الذي نلتقي معهم فيه التقاءا تاما. وعلى هذا فان الحزب الشيوعي على أتم استعداد أن يعمل عملا مشتركا خارج نطاق الانتخابات. انه على استعداد للتوقيع معهم فورا على وثيقة تطالب بإلغاء المجلس المركزي والمطالبة بتأسيس برلمان منتخب انتخابا مباشرا تكفل معه جل الحقوق والحريات الديمقراطية. وهو على أتم استعداد لوضع كل قواه في عمل إيجابي وجماهيري حقا لتحقيق هذا المطلب الشعبي السليم”.
نلاحظ منهج البيان الذي لم يلجأ للحلول التبسيطية، ومنظار ان هناك رأيا وحيدا واحدا هو الحقيقة المطلقة. وان مختلف وجهات النظر تحلل الظاهرة الواحدة برؤى مختلفة، ولكنها ليست خاطئة كلها. فمقاطعة الانتخابات أو دخولها اسلوبان للصراع ضد الحكم العسكري. والأهم ان الحزب لم يخون الآخرين، بل أبدي استعداده ودعاهم، رغم خلافه معهم، للعمل المشترك.
المثال الثاني يوضح انه رغم تكالب القوي اليمينية واستخدام اغلبيتها الميكانيكية في الجمعية التأسيسية لحل الحزب الشيوعي، وتسييرها المظاهرات في انحاء كل السودان ضد الحزب الشيوعي، بل وصلت للعنف البدني عند الاعتداء على دار الحزب بحي بيت المال (ام درمان). رغم كل ذلك العداء الأهوج والهستيريا التي اثارها الاسلامويين وسط الجماهير، الا أن الحزب قرر أن يقدم عبد الخالق كمرشح مستقل في الانتخابات.
وفاز عبد الخالق محجوب، السكرتير العام للحزب، رغم حل الحزب ومنع نشاطه، في دائرة امدرمان الجنوبية (1968). وترشيحه كمستقل يوضح إصرار الحزب على وجود صوت له في البرلمان. ولعب عبد الخالق دورا متميزا، كان قمته خطابه حول الميزانية، والذي نشر في كتاب بعنوان (طريقان للتنمية).
هذان المثالان يوضحا طبيعة ونوعية تفكير عبد الخالق محجوب، والحزب الذي كان يقوده. وما احوجنا وبلادنا تمر بهذه الازمة الكارثية، ان نتعلم من ذلك. وان نواجه الصوات الانعزالية التي تتنكر لهذا الإرث المجيد.
siddigelzailaee@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم