لماذا تلهث القاهرة لإفشال الرباعية عبر مسارات موازية؟

عمر سيد أحمد
يناير 2026

ترأست مصر في القاهرة مؤخرًا اجتماعًا جديدًا لما سُمّي بـ«الآلية التشاورية لتعزيز السلام في السودان»، بمشاركة أطراف إقليمية ودولية، في خطوة قُدِّمت إعلاميًا بوصفها جهدًا داعمًا للاستقرار، لكنها تأتي في واقع الأمر ضمن سلسلة متواصلة من المبادرات التي تحشد لها القاهرة بهدف خلق مسارات موازية تُفرغ مسار الرباعية الدولية من مضمونه، وتعيد تدوير الأزمة السودانية بدلًا من معالجتها جذريًا. فهذا الاجتماع، كسابقاته، لا يمكن فصله عن سياق أوسع تسعى فيه مصر إلى الإمساك بالملف السوداني ومنع أي تسوية سياسية لا تمر عبر بوابتها ولا تضمن استمرار البنية العسكرية الحاكمة.

لا يمكن فهم هذا السلوك المصري تجاه السودان من زاوية دبلوماسية أو أمنية معزولة، بل يجب قراءته ضمن منظومة مصالح متشابكة تجمع بين السياسة والأمن والاقتصاد غير الرسمي، حيث تتقاطع حماية نموذج الحكم العسكري، والحفاظ على النفوذ الإقليمي، واستمرار السيطرة على الموارد خارج ولاية الدولة السودانية. فالقاهرة لا تتعامل مع الأزمة السودانية بوصفها مأساة إنسانية أو سؤال دولة منهارة، بل باعتبارها ملفًا استراتيجيًا ينبغي ضبطه بما لا يهدد بنيتها الداخلية ولا يسمح بقيام تجربة انتقال مدني حقيقي في جوارها المباشر.

تنظر القاهرة إلى مسار الرباعية تحديدًا باعتباره خطرًا مركبًا، لأنه لا يقتصر على محاولة وقف الحرب، بل يحمل في جوهره إعادة تعريف للشرعية السياسية تقوم على نقل السلطة من منطق السلاح إلى منطق السياسة، ومن الوصاية العسكرية إلى الحكم المدني. وقيام سلطة مدنية مستقلة في السودان لا يُقرأ في هذا المنظور كإنجاز إقليمي، بل كسابقة قد تعيد فتح سؤال الديمقراطية في الإقليم كله، وهو سؤال تحرص الأنظمة العسكرية على إغلاقه لا تعميمه.

من هنا، يصبح إفشال الرباعية هدفًا استراتيجيًا، لا عبر المواجهة العلنية، بل من خلال إغراق المشهد بسلسلة من المبادرات والمؤتمرات والاجتماعات التي ترفع شعار «الحل الإقليمي»، لكنها في الحقيقة تُعيد إنتاج الأزمة وتمنح غطاءً سياسيًا لاستمرار الوضع القائم. فالمسألة ليست اختلافًا حول الوسائل، بل صراع على من يملك تعريف الحل وحدوده، ومن يضمن ألا يقود هذا الحل إلى تفكيك البنية العسكرية المسيطرة على الدولة السودانية.

وفي هذا السياق تحديدًا، تبرز ظاهرة ما يمكن تسميته بـ«تعويم المبادرات»، حيث تُعاد صياغة شعارات سبق الاتفاق عليها ضمن مسار الرباعية — مثل دعم وحدة السودان واستقراره، والحفاظ على مؤسساته الوطنية، والتوصل إلى هدنة إنسانية ووقف إطلاق النار — عبر اجتماعات جديدة وآليات تشاورية مستحدثة. هذه العناوين ليست جديدة، ولا محل خلاف، بل كانت جزءًا من التفاهمات السابقة، غير أن إعادة طرحها خارج إطار الرباعية لا تعكس حرصًا إضافيًا على السلام، بقدر ما تمثل وسيلة لتأجيل التنفيذ، وتوسيع دائرة النقاش، وتخفيف الضغط الدولي، وتحويل الالتزامات الواضحة إلى موضوعات حوار مفتوحة بلا سقف زمني. وبهذا المعنى، فإن خلق آلية تشاورية موازية لا يخدم وحدة السودان ولا استقراره، بل يخدم إطالة أمد الأزمة، وإبقاء الحل في دائرة المشاورات بدل نقله إلى حيز الفعل، وهو منطق ينسجم مع إدارة الأزمة لا مع إرادة إنهائها.

وفي هذا الإطار، لا يقتصر الدور المصري على تعطيل المسار الدولي، بل يمتد إلى محاولة إعادة هندسة الشرعية الإقليمية، عبر سعي دؤوب لانتزاع اعتراف الاتحاد الأفريقي بحكومة الانقلاب، في تعارض صريح مع مقررات الاتحاد نفسه، التي تنص بوضوح على رفض الاعتراف بالسلطات الناتجة عن الانقلابات العسكرية وتعليق عضوية الدول التي تشهد تغييرًا غير دستوري للحكم. هذا المسعى لا يعبّر فقط عن ازدواجية في الخطاب، بل يكشف محاولة لتفريغ المؤسسات الإقليمية من مضمونها، وتحويلها إلى أدوات سياسية لخدمة توازنات معينة، لا إلى حارسة للشرعية الدستورية.

وفي الإطار ذاته، يبرز التعامل مع سلطة الأمر الواقع في بورتسودان بوصفها سلطة ضعيفة البنية، معزولة دوليًا، تفتقر إلى قاعدة شعبية، وتعتمد في بقائها على الغطاء الخارجي، ما يجعلها أكثر قابلية للاحتواء وأقل قدرة على اتخاذ قرار سيادي مستقل. وهذا النوع من السلطات، بحكم هشاشته، هو الأنسب لإدارة الأزمة لا لحلّها، ولعقد الصفقات لا لبناء الدولة.

غير أن البعد السياسي لا يكتمل دون النظر إلى جوهر المسألة الاقتصادية. فالمؤسسة العسكرية السودانية تسيطر عبر شركاتها على موارد حيوية، وفي مقدمتها الذهب والتجارة الحدودية والصادر غير الرسمي، خارج ولاية وزارة المالية وخارج الموازنة العامة، وبعيدًا عن أي رقابة مدنية أو مساءلة قانونية. هذا الاقتصاد الموازي لا يمول الدولة، بل يمول الحرب ويعيد إنتاجها، ويحوّل الموارد الوطنية إلى أداة لترسيخ سلطة السلاح.

وأي مسار دولي جاد، مثل مسار الرباعية، لا يمكن أن يتوقف عند تقاسم السلطة، بل يقود بالضرورة إلى إعادة بناء الولاية المالية، وتوحيد الإيرادات، وإخضاع الشركات العسكرية للقانون، ووقف التهريب، وإدخال العائدات في الخزانة العامة. وهذا التحول يمثل تهديدًا مباشرًا لشبكات النهب، ويصطدم بمصالح متداخلة نشأت حول اقتصاد الحرب، سواء داخل السودان أو عبر حدوده.

ورغم أن القاهرة تبرر تحركاتها بخطاب الأمن القومي وحماية الحدود ومنع الفوضى والهجرة غير النظامية، فإن الواقع يثبت أن الأنظمة العسكرية لم تنتج أمنًا مستدامًا لا للسودان ولا للمنطقة. الفوضى القائمة اليوم هي نتيجة مباشرة لحماية العسكر سياسيًا، لا نتيجة غيابهم. لكن ما تفضله القاهرة في النهاية هو فوضى يمكن إدارتها والتفاوض معها عبر القنوات الأمنية، على ديمقراطية لا يمكن التحكم في مساراتها أو نتائجها.

في المحصلة، فإن حشد القاهرة للاجتماعات والمبادرات الموازية، ومساعيها للضغط على المؤسسات الإقليمية للاعتراف بحكومة انقلابية خلافًا لمقرراتها، ليس سعيًا صادقًا للسلام، بل جزء من استراتيجية متكاملة لإفشال أي مسار دولي قد يقود إلى سلطة مدنية حقيقية، ويُنهي اقتصاد الحرب، ويُعيد الموارد إلى ولاية الدولة السودانية. وما دام السلام الحقيقي يعني إنهاء هذا النموذج، فإن مقاومته تظل، في نظر هذه المنظومة، خيارًا استراتيجيًا لا يمكن التنازل عنه.

o.sidahmed09@gmail.com

عن عمر سيد احمد

Avatar

شاهد أيضاً

عودة البنك الدولي إلى السودان: قراءة اقتصادية معمّقة في دلالات الزيارة، المخاطر، والآفاق

عمر سيد أحمدO.sidahmed09@gmail.comخبير مصرفي، مالي وتمويل مستقلديسمبر 2025 مقدمةبعد سنوات طويلة من القطيعة وتجميد التمويل، …