بقلم السفير جمال محمد ابراهيم
(1)
تابعتُ قبل سنوات ، حكاية انتخــاب الدكتور ”البرادعي“ لقــيادة الوكـالة الدولــية للطـاقة الذَّريـة، وهي الذراع التابع للأمــم المتحــدة في مجـال التعاون الدولي النووي، وذلك حيـن تولـى قـيادة الوكـالة في 1997م وجُددتْ ولايته لقيادتها حتى 2009م .نال ”البرادعــي“ جائـزة نوبل ، تقديراً لحصافته ولجدارته التي أوصلتْ الوكالة المعنية إلى نجـاحات ملموســة في مجال التعاون الدَّولي النووي، وإنْ لم ترضَ عن سياساتها أطرافٌ من الدول الغربية ، ومعهم الولايات المتحـــدة. لقـد قدَّم الســفير المعتق دكتور ”مصطفى الفـقـي“- وقـد كـان وقـتها ســـفيراً لمصر في فـيــيـنا- سَـردية انتخــاب ”البرادعـي“ في عــام 1997م . مبذولة في اليوتيوب.
لمـسَ الســفير ”مصطفى الفـقي“- وهــو منـدوب مصر في وكـالة الطـاقة الـذّرية ، أن ّالقــيادة المصـــرية لـم تكـن متحمِّسة لتأييــد ترشيح الدبلوماسي المصري ”البرادعي“ لرئاسة الوكــالة، وما كان للـ ”فـقـي“ أن يعـارض توجّهــات قــيادة الرئاســة المصــرية، فـعـمـد لترتيب أمـر طرح الترشـــيح وفـق ســيناريـو اقـترحه منــدوب الســـودان في فيينا، الذي بادر بتـقــديم الترشيح باســم المجموعة، لا باســم دولـة واحـدة . نجحتْ خطة السفير السوداني الرَّاحل ”أحمد عبدالحلـيـم “، والـــذي يعـرفـه الرئـيس المصري، ولا يناديه إلا بـ ”عَم أحمــد“ .
التزمتْ القيادة المصرية الصَّمت، بعد فـوز ”البـرادعــي“ بالمنصــب ، وهو يعلـم أنّ الفضل يعود لحصافة سفير السودان في فـيينا العـم ”أحمد عـبدالحليم“ .
ذلك مثلٌ لممارسـات ، ساءت من بعض الأنظمة الشمولية ، في إقصـاء من تصنِّفهــم معارضين لها، عن تولّي مناصب دولية أو إقليمية، وإنْ شكَّل ذلك الاقصاء خسارة فادحة ، ليس للشخص المرشّح ، بل للبلد بأسره. ذلك ما دفع السفير السوداني في فيينا ليبادر بدبلوماسية جريئة بترشيح ”البرادعـي“ ، برغم عدم رضا القـيادة المصرية“ عَـنه.
(2)
دعني أطلعك على تفاصيلِ أخرى لقصّة أخرى هذه المرَّة، من بطولة نظام إسلاموي شمولي، هو نظــام ”الإنقـاذ“ الــذي ملك السودان لأكثر من ثلاثين عاما.
ظلَّ السُّــودان يحتفظ بعلاقات راسخة مع بنك التنمية الأفريقي، خاصّة وأنه الـدولـة التي دعمتْ انشاءه منذ بداياته عام 1963م، وكان أوّل مدير له، الرَّاحل ”مأمون بحيري“ ، من أوائل الخريجين السُّـودانيين من جامعة ”كمبريدج“ البريطانية . لذلك لم يكن غريبا ًعلى خبيرة سودانية ، كمثل الدكتورة ”زينب البكري“، ن تتدرّج في وظائف ذلك البنـك ومقرّه أبيدجان“، لتصل إلى منصب قيادي فـيه، وهو نائب الرئيس المدير العام لبـنـك التنمية الأفريقي. غـير أنّه حينَ حالتْ الفـرصة لــها للترشّــح لقـيادة البـنك، وهــو أمـر يتطلــب ترشيحا ً رسميا من حكومتها فقد عَـزَف وزير مالية السودان عن دعم ترشــيحـها . حســب وزير مالية حكومة ”الإنقــاذ“ ، أنه يعاقب الدكتورة زينب ، فهــي في نظره ليسـت من العناصر التي يوثق بها ضمن عناصر عصابتهم ”الإسلاموية الإنقاذية“ ، وَعَميتْ عـينا ذلـك الوزير عن الخســارة الفادحة لبلاده، إذ كان من الممكن لـ ”زينب البكري“ أن تتولَّى رئاسة أكبر بنوك القارة الأفريقـية عن ثقـة وجدارة.
تلك حكومة غير راشــدة ، عـاقبت نفسـها ، وهي فـي غيبوبة معاداة من ليسَ ضمن صفـوفها.
(3)
أما عن ”منظمة التعاون الإسـلامي“، والتي أسفرت ْنتيجة انتخــاب أميـنها العام يوم الخميس27 أغسطس/آب 2026م في مدينة جـدة، فلنا أن نُزجي التهنئات لمرشـح موريتانيـا الذي فاز بالمنصــب الرفيع المستحق لـدولة، كسب دبلوماســـيوها مناصب رفيعـة في قيادة العــديد من المنظمات الدولية والاقليمية ، مثل الاتحاد الأفريقي، وبنك التنمية الأفــريقي ، والـبنـك الدولي، ومنظمة اليونسكو، وسواها.
وللمراقب أن يبدي اعجابا عظيماً بنجاح دبلوماسية حكومة موريتـانيا، برغم اضطراب أحــوالها السياســية لفترات طالت سـنواتها. غير أنَّ تلك الأحـوال ، لم تكن لتقـارن بحـال حكومة السودان المقطوعة عن إرثها السياسي والاقتصادي والثقافي والدبلوماسـي . لقد ألقى الممسكون بأمور البلاد بكل ما تراكم عبر تاريخها من مُنجزاتٍ، تمثلتْ في مساهماتها في دعـم حركات التحرّر الأفريقـية، وما تحقــق بعدها من نيــل العديد من الدول الأفريقـية استقلالها أوائل ســنوات السِّـتينات، إلى وراء ظهرها ، إن عرفَ لها ظهر.
ليس ذلك وحـده، بل تناسى ذلك النفر الممسك بأمور السودان أنه البلد الذي كان له فضل انشاء اللجنة الاقتصادية لأفريقـيـا التابعة للأمين العام للأمم المتحدة، وإنشاء بنك التنمية الأفريقي ، وأيضا ًهي التي أسستْ اتحاد كرة القــدم الأفريقـية ، وانتهاءاً بالمشاركة في صيـاغة المواثيــق الأفـريقــيـة، وفي تأسيس الاتحاد الأفريقي (منظمة الوحدة الأفريقية السابقة).
مِـن الغريب أن يتكـرَّر ذات السيناريو الذي حسـبت حكـومة ”الانقــاذ“ انـها عاقـبتْ دكتورة حاذقة، كانت ستتولى إدارة أكبر مصـرف أفريقــي في القــارة، لأنـها ليســت من الموالين لحزب ”الإنقـاذ“ الحاكم . خسر السودان ولم تخسر د. زينـب، كريمة السفير بشير البكري أحد كبار بناة الدبلوماسية السودانية .
(4)
ثُمَّ جاءت حكومة الأمر الواقع بلبوس انقلاب عسكري ، لتحجب عن السودان كسباً مستحقاً في قيادة منظمة التعاون الاسلامي. حين أفـتتح باب الترشــيح لشغل منصب الأمين العام لتلك المنظمــة ، كان طبيـعياً أن تطلـب وزارة الدبلوماســية ممن يقود الدولة رفع اسـم السفير السُّوداني الذي شـغل مناصب ســامية في تلـك المنظمة ، وتدرّج فـيها حتى شــغـل منصـب الأميــن العـام المساعد فـيها ، بالانتخــاب وليـس بالتعيـيــن، حتى ساعة ذلك الاجتماع الوزاري. غـيــر أن حكـومـــة سُـمِّيت بـ ”حكــومـة الأمل“ والتي كلف بقيادتها المدعو كامل ادريس، عَزَفت عن اعتماد ذلك الترشيح، بل كانت توصيتها لقائد الجيش الذي لا علاقة له بدقائق الدبلوماسية، هي أن يؤيّـد السودان مرشَّــح موريتانيا، الذي جاءه زائراً في بورتسودان طالباً وُدّه. أغلــب الظـنِ ّ أن تقييمهم لدكتور طارق بخيت، ذلـك الدبلوماســـي الخبير الســوداني الأجدر بالمنصب ، أنه ليس مِـمّــن يوثق في ولائــه لتنظيمات حكومة “الانقــاذ”، وكلنا نعرف أنها محض كيان ميّت. .
(5)
ولذرِّ الرّماد في العيون، فقـد قامت حكومة بورتســودان بترشـــيح ســـفير من وزارة خارجيتها، لا علاقة له بالدبلوماسية الجماعــية، ولا ملَكَ من الخبرات الدبلوماســــــية ما تؤهِّـله للمنصب. عليه فقد كان من اليسير، حين انعقـد المجلس الوزاري الذي سـينتخب الأميــن العام الجـديد، أن يعلـن السودان سـحب مرشحه، مجاملة للوزير الذي كسب ود الجنرال . في حقيقة الأمر ، أنَّ حكــومـة لا علـم لـها بمــا فــوق رأسها ولا بما تحت قدميها، أقدمـتْ على تجاهل الشخص الوحيــــد الـذي يكاد أن يجمــع أعضاء المجلس الوزاري لمنظمة التعاون الإسلامي، على أحقــيــته بالمنصب ، وجدارته لتولّيه ، وهو السفير السوداني الدكتور ”طارق علي بخيت“..
لعلَّ الأنسب في مثل هذه المنظمات التي تحمل ملفاتها صبغة فنية أكثر منها سياســية، أن يتولَّى قيادتها من تمرّسوا في معالجة ملفاتها بقـدرٍ من الحِـنكـة والحصافة ، لا أن تترك تشريفاً لسياسـي أو وجـاهـة لـوزير، مع كامل تقــديرنا لأمينها العــام الجــديد الوزير الموريتاني الذي أجمع على انتخابه وزراء تلك المنظمـة .، وعبر الملابسات التي أوضحنا.
(6)
إنَّ العـزاء لبلدي الحبيب السودان الذي أفـقـده بعضُ بـنـيـه ما يسـتحـقـه مـِن تبجـيـل واحتـرام. أمّا دبلوماسية السودان ، فسيأتي يومٌ يعوِّضها الـله انكساراتها. لقد بلـغ الكـيـد لسـفيرٌ سـوداني في الأمم المتحدة، أن اقترب اسـمه من قائمة المرشحين لتولّي منصـب الأميـن العام بعد اغتيال ”داج هـمرشــولد“عــام 1962م، ليتـولاه- وبعـد ثلاثـيـن عـاما ً- أوَّل أفـريقـي اسـمه ”كوفي عـنان“. أمَّا كيد السودانيين لبعضهم البعض فقـد أضــاع عن ذلك الدبلوماسي السوداني ، فرصة أن يتولى رئاسة الجمعية للأمم المتحـدة عام 1964م، ليستغلَّ بعضهم شعارثورة أكتوبر ذلك العام: ” التطهير واجب وطني“ فيُطرد ذلك السـفير مــن وزارة الخارجـية ، قبل أيام من انعقاد دورة الجمعية العامة، فيفوز بالرئاسـة مرشــح دولـة غـانا ، لـتصـاب الأمــم المتحــدة وأمينــها العام، بحال من الذّهول.
يا لسوء أفعال الأنظمـة الشّـمولية التي تلاحق مصالحها الخاصـة الضيّقـة ، وتغمض عيونها عن مصالح الوطن الأسـمَى.
القاهرة – 30/8/2026
