اعداد
د. أحمد جمعة صديق
جامعة الزعيم الأزهري
الربح والخسارة:.
تحولت بعض المدارس إلى مؤسسات تجارية صرفة تعتمد بصورة أساسية على بيع النجاح الأكاديمي أكثر من اهتمامها ببناء المعرفة الحقيقية أو تطوير مهارات التفكير لدى الطلاب. وفي المقال السابق ذكرنا بعض المستفيدين من لوبي امتحانات الشهادة السودانية ونواصل اليوم بقية القائمة.
خامسًا: استفادة بعض الإداريين التربويين
يستفيد بعض الإداريين التربويين بصورة غير مباشرة من استمرار النظام القائم على الامتحانات المكثفة. فالشهادة السودانية تمنح المؤسسات التعليمية الرسمية سلطة اجتماعية كبيرة، لأنها تتحكم في مستقبل الطلاب وفرص قبولهم الجامعي.
كما أن إدارة الامتحانات نفسها تتطلب ميزانيات ضخمة تشمل الطباعة والنقل والتأمين والمراقبة والتصحيح، وهي عمليات تفتح مجالات واسعة للعقود الإدارية والوظائف الموسمية والمخصصات المالية.
وفي بعض الحالات قد تتحول الامتحانات إلى وسيلة لتعزيز النفوذ الإداري، حيث يرتبط نجاح العملية الامتحانية بصورة المؤسسة التعليمية أو الوزارة المعنية، مما يمنح المسؤولين مكانة اجتماعية وإعلامية.
سادسًا: استفادة وسائل الإعلام
تلعب وسائل الإعلام دورًا مهمًا في تضخيم أهمية الشهادة السودانية، وفي المقابل تستفيد اقتصاديًا وإعلاميًا من ذلك. ففي موسم الامتحانات تخصص الصحف والقنوات التلفزيونية والإذاعات مساحات واسعة لتغطية أخبار الامتحانات والنتائج وقصص المتفوقين.
وتحقق هذه التغطيات نسب مشاهدة وقراءة عالية، لأن الشهادة السودانية تمثل حدثًا قوميًّا يهم معظم الأسر السودانية. كما تستفيد وسائل الإعلام من الإعلانات التي تنشرها المدارس الخاصة ومراكز الدروس الخصوصية بعد إعلان النتائج.
ويتحول أوائل الشهادة السودانية إلى شخصيات عامة تستضيفها البرامج التلفزيونية، بينما تُقدم قصص النجاح باعتبارها نماذج ملهمة للمجتمع. وهكذا تصبح الامتحانات مادة إعلامية مربحة ومؤثرة في الوقت نفسه.
سابعًا: الاستفادة السياسية والاجتماعية
لا تقتصر فوائد لوبي الامتحانات على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى المجالين السياسي والاجتماعي. فالحكومات غالبًا ما تستخدم نجاح تنظيم الشهادة السودانية لإظهار قدرتها على إدارة الدولة وتحقيق الاستقرار.
وفي أوقات الأزمات السياسية أو الحروب، تتحول إقامة الامتحانات نفسها إلى رسالة سياسية تؤكد استمرار مؤسسات الدولة. ولذلك تحرص الحكومات على تقديم الشهادة السودانية باعتبارها رمزًا للوحدة الوطنية والاستقرار المؤسسي.
كما تستفيد بعض القوى الاجتماعية من الامتحانات بوصفها وسيلة لإعادة إنتاج المكانة الطبقية. فالأسر المقتدرة اقتصاديًا تستطيع توفير مدارس أفضل ودروس خصوصية ومواد تعليمية إضافية لأبنائها، مما يمنحهم فرصًا أكبر للنجاح مقارنة بالطلاب الفقراء أو القادمين من المناطق الريفية والمتأثرة بالحروب.
وبذلك قد تسهم الشهادة السودانية، رغم خطابها القائم على تكافؤ الفرص، في تعميق الفوارق الاجتماعية بدلاً من تقليلها.
ثامنًا: الآثار السلبية لتسويق الشهادة السودانية
رغم الفوائد الاقتصادية التي تحققها الأطراف المختلفة، فإن تسويق الشهادة السودانية بصورة مفرطة يترك آثارًا سلبية عديدة على العملية التعليمية والمجتمع.
· أول هذه الآثار هو تحويل التعليم إلى سباق درجات، بحيث يصبح النجاح الرقمي أهم من اكتساب المعرفة الحقيقية أو تنمية المهارات الفكرية والإبداعية. فالطلاب يتعلمون غالبًا من أجل الامتحان لا من أجل الفهم.
· وثانيًا، يؤدي هذا النظام إلى ضغوط نفسية هائلة على الطلاب والأسر. فكثير من الأسر تربط مستقبل الأبناء بالكامل بنتائج الشهادة، مما يخلق حالة من القلق والتوتر المستمر.
· وثالثًا، يسهم انتشار الدروس الخصوصية في إضعاف المدرسة الحكومية، لأن الطلاب يعتمدون بصورة متزايدة على التعليم الموازي خارج المدرسة.
· كما أن التفاوت الاقتصادي يجعل فرص النجاح غير متكافئة، إذ يتمتع أبناء الأسر الغنية بموارد تعليمية أكبر بكثير من أبناء الأسر الفقيرة.
الخلاصة
أصبحت الشهادة السودانية في السودان منظومة اجتماعية واقتصادية متشابكة تتجاوز حدود التقييم الأكاديمي التقليدي. وقد نشأت حولها شبكة واسعة من المصالح تضم المدارس الخاصة، ومراكز الدروس الخصوصية، وناشري الكتب، والمعلمين، والإداريين، ووسائل الإعلام، وحتى بعض القوى السياسية والاجتماعية.
ويستفيد أعضاء هذا “اللوبي” من تسويق الامتحانات بطرق متعددة، سواء عبر الأرباح المالية أو النفوذ الاجتماعي أو المكاسب السياسية. لكن استمرار هذا الوضع يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل التعليم في السودان، وحول ما إذا كانت المدرسة ما تزال مؤسسة لبناء المعرفة والوعي، أم أنها تحولت إلى مصنع لإنتاج الدرجات والشهادات.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إلغاء الامتحانات، بل في إعادة التوازن إلى العملية التعليمية بحيث تصبح الشهادة السودانية جزءًا من التعليم لا غايته الوحيدة، وحتى يستعيد التعليم دوره الأساسي في بناء الإنسان والمجتمع، لا مجرد خلق سوق ضخمة تدور حول الامتحانات. يتبع>>>
aahmedgumaa@yahoo.com
