هكذا كنت دائما أرد على أصدقائي من أبناء الجاليات العربية في مدينة كاردف، تلك المدينة الساحرة التي احتضنتنا سنواتٍ طويلة، وجمعتنا بأناس قدموا من مشارب وثقافات مختلفة. ذو سحنات وثقافات تكاد تمثل معظم شعوب العالم والذين هاجروا كل بظروفه..
كاردف مدينة يحتضنها المحيط الأطلسي وتنام وتصحو على صياح النوارس، تلك الطيور التي خلبت لب الشعراء حتى بنو يعرباعجبوا بها وتغنوا لها وبها..هنا يتبادر إلى ذهني المقلق ده، لماذا لم يتغنى شعراءنا، ولم يكلف اى كاتب نفسه ويكتب لنا عن الغربان، ايوه الغربان، كمان مالها اعيبوها لي
اولا يعلم الناس ان الغراب يعد اذكى طائر وقد تمت دراسات خول سلوكه..وجدوا ان
هذا الطاير له وفاء عجيب لزوجته مش كده
وبس كمان لو في غراب تاني تعدى عليها فسوف يعقد له مجلس ايوه مجلس حكماء
ويحكم عليه بالإعدام.. بعدين انتو نسيتوا انه
الغراب علمكم كيف توارون سوءاتكم؟
فمالكم كيف تحكمون!!
ومن الأشياء التي لفتت انتباهي آنذاك أن بعضهم كان يظن أن اللهجة السودانية بعيدة عن العربية، أو أنها مجرد لهجة غريبة لا تمت إليها بصلة. وكان ذلك يدفعني إلى القول إن كثيرًا من مفرداتنا ذات أصول عربية فصيحة، ولا نحتاج إلى شهادة من أحد، ولا إلى بطاقة اعتماد تثبت انتماء لهجتنا إلى فضائها العربي.
لكن ما يميز اللهجة السودانية حقًا ليس هذا وحده، وإنما قدرتها على استيعاب روافد متعددة. فهي نتاج تفاعل طويل بين العربية واللغة النوبية، إلى جانب لغات سودانية قومية أخرى، في بلد عُرف عبر تاريخه بتنوعه العرقي والثقافي. وقد أثرت هذه المجموعات في العربية، كما تأثرت بها، فخرجت لهجة سودانية تحمل بصمتها الخاصة دون أن تفقد جذورها.
ويضاف إلى ذلك أثر الهجرات المتعاقبة التي استقرت في أطراف السودان وفي مدنه، فحملت معها ألفاظًا وتراكيب وأساليب تعبير اندمجت تدريجيًا في اللسان السوداني، حتى أصبحت جزءًا من هويته اللغوية. ولهذا فإن اللهجة السودانية ليست لهجة جامدة، وإنما كائن حي، نما عبر قرون من التفاعل والتلاقح الثقافي، فاحتفظ بأصالته، واكتسب في الوقت نفسه ثراءً وتنوعًا يميزانه عن سائر اللهجات العربية الاخرى..
عثمان يوسف خليل
osmanyousif1@icloud.com
