بقلم/ محمد عبدالرحيم أبوه
ما من إنسان يختار أن يكون فريسة للحرب أو شاهدًا على خرابها، غير أن الحرب حين تستفحل لا تستأذن قلبًا ولا تطرق بابًا قبل أن تقتحمه بالعصف والدمار، ففي غمضة خاطفة قد ينقلب الصباح الباهي إلى فزع مستعر، ويتحول البيت الذي كان مأمنًا للروح إلى أنقاض والطريق المألوف إلى درب شائك للنجاة. وليست فداحة الحرب فيما يدوي في فضائها من قصف وهدم ولا فيما تسجله دفاتر الصراع من أرقام الغالبين والمغلوبين، بل فيما تستأصله من أعماق الإنسان حين يجد نفسه من غير ذنب ولا اختيار عالقًا بين غفلة من الزمن وصرخة من الهلع أمام مصير لم يستدعه. حيث تتهاوى الجدران على ساكنيها وتضيق الأمكنة بأهلها، وتصير النجاة ضربًا من الرجاء، هنا يظهر الإنسان بوصفه أفدح الخسائر، طفل كان يتهيأ لصباح المدرسة وأم تحفظ ملامح أبنائها كما لو أنها تحفظ آخر ما تبقى لها من الدنيا، وكهل لم يكن يبتغي من بقية عمره سوى سكينة البيت وطمأنينة المساء، فإذا بهم جميعًا يقتلعون من دفء حياتهم، ويلقى بهم في أتون محنة لم يستدعوا لهيبها، ولا اقترفوا ذنبًا سوى أنهم وجدوا أنفسهم في اللحظة التي قررت فيها آلة الحرب والعنف أن تخلف وراءها خرابًا لا ينتهي عند الحجر بل يمتد إلى الإنسان وذاكرته وكرامته.
ولعل أفظع ما تستبطنه الحروب أنها لا تكتفي بإفناء الأجساد، بل تمضي إلى ما هو أشد فتكًا حين تحاول ابتذال الموت وانتزاع هالته الإنسانية، فيصبح الضحية رقمًا عابرًا في سجلات الخسائر، ويصبح نزيف الأبرياء خبرًا هامشيًا وسط صخب الأحداث وتزاحم المصالح. وما تبلغ الفاجعة منتهاها حين تتعالى أصداء المدافع، وإنما حين يخفت في الضمائر صوت الحرمة الإنسانية، ويختزل القتل إلى تفصيل ثانوي في حسابات النفوذ وموازين القوة. عندها تتحول المساكن التي كانت موطناً للدفء إلى أطلال صامتة، ويقتلع المرء من جذوره ليحمل ما تبقى من دنياه في حقيبة واهنة وذاكرة مثقلة. إن الرصاصة التي تمزق جسد بريء لا تستهدف حياته فقط، بل تنتهك حرمة الوجود الإنساني في جوهره، وكل طفل يترك يتيمًا وكل أسرة تقتلع قسرًا من أرضها، وكل أم تنتزع من بين يديها فلذة كبدها، يضيف سطرًا قاتمًا في سجل طويل من انكسار الأمان. وحين تنفلت شهوة العنف من كل قيد، لا يعود الأبرياء بحاجة إلى أن يكونوا طرفًا في الخصومة كي يدفعوا ثمنها، يكفي أن تصادفهم الحرب في المكان الخطأ وفي اللحظة التي اختارت فيها أن تمر فوق جماجمهم.
ومع ذلك، فإن ما ينجو من تحت الركام ليس بالضرورة قد نجا من الحرب، فللضحايا حكايات أبعد من حدود الموت، وللناجين فصول خفية لا يطويها النزوح ولا تمحوها الأيام. ثمة أرواح غيبها الحطام قبل أن تمنح لحظات الوداع، وأجساد أفلتت من قبضة الفناء فيما بقيت أرواح أصحابها معلقة في أسر لحظات يستعصي عليها النسيان، بين فزع انقضى زمنه وظل أثره مقيمًا وذاكرة ترفض أن تستكين. قد ترفع الأنقاض وتعاد هندسة الجدران وتسترد الطرق بعض ملامحها، غير أن ما تنقشه الحرب في أعماق الإنسان أعمق من أن تبلغه معاول العمران، فثمة ندوب لا ترى وخراب يستوطن الوجدان وصور تظل عصية على الانطفاء. وليس الخلاص الجسدي خاتمة المحنة بل قد يكون افتتاحًا لفصل أكثر خفاء وأشد مأساة، يمضي فيه الناجي حاملًا صورًا يعجز عن استحضارها، وأسماءً يأبى قلبه أن يسلمها للنسيان، وأسئلة معلقة في فضاء لا يهبها جوابًا. فإن خمود ألسنة القتال لا يعني بالضرورة انطفاء الحرب في أعماق من ذاقوا مرارتها، فقد تبقى أصداؤها كامنة في الروح تستيقظ كلما مر طيف غائب، أو عاد المرء إلى موطن لم يعد يعرفه، أو استفاق في داخله ذلك الخوف القديم من غدٍ لم يتعلم بعد كيف يكون رحيمًا.
أما حين توضع الإنسانية على محك ساعاتها العصيبة، فلا تقاس عظمتها بما تحوزه من بطش واقتدار، وإنما بما تستطيع أن تصونه من حياة وكرامة. فحماية المدنيين ليست منحة مؤقتة تمنحها هدنة، ولا استثناءً رهينًا بتبدل الحسابات السياسية أو الميدانية، بل هي عهد أخلاقي لا ينبغي أن تسقط حرمته تحت وطأة النزاع، وامتحان صريح لضمير الإنسانية حين تستباح أبسط معاني الرحمة والعدل. وليس ثمة نصر جدير بالاحتفاء إذا كان مداده دم الأبرياء، ولا مجد يمكن أن يستقيم فوق أنقاض الأرواح، ولا قضية مهما تعاظمت شعاراتها تستطيع أن تمنح أصحابها حق انتهاك حرمة الإنسان. فالسلام ليس مجرد سكون عابر يخلفه صمت المدافع، وإنما هو استرداد الإنسان لحقه الأصيل في الطمأنينة، وأن يفتح الطفل عينيه على صباح لا يرتعد فيه، وأن تضم الأم أبناءها دون أن يثقل قلبها شبح الفقد، وأن تبقى البيوت حصونًا للسكينة لا أماكن مترقبة للموت. وقد يخمد القتال بهدنة أو اتفاق، لكن هذا لا يعني أن الإنسانية قد بلغت مبتغاها، إذ لا يكتمل السلام إلا حين يصبح قتل الأبرياء فعلًا يعجز الضمير عن تبريره، ويصبح احترام الحياة مبدأً عصيًا على المساومة، ويستعيد الإنسان حقه الأول الذي لا يعلوه حق: أن يعيش آمنًا كريمًا حرًّا من الخوف.
