مائدة الحوار الوطني ….. و درس الكيمياء !!! .. بقلم: عادل عبد الرحمن عمر
شارك
بسم الله الرحمن الرحيم
افق اخر
–1-
اجتمع الرئيس البشير بمعظم القوى الحزبية و السياسية حوالي ( 90 حزباً ) في يوم 6/4/2014م ذكرى الانتفاضة التي اطاحت بحكم الرئيس الراحل جعفر النميري .
الدعوة بسطت للجميع ، من غير اقصاء او سقوف للحوار ـ محض دعوة ـ الا ان بعض من قوى سياسية اعتصمت عند موقفها في عدم تلبية الدعوة ، وسبقت ذلك بشروط مسبقة ، وحين النظر لنتائج آخر انتخابات متفق عليها جرت عام 1986م ، تجد ان قوى الممانعة ، قليلة الحيلة ، وضعيفة الفاعلية والتأثير ، رغماً عن هذا هناك اصرار ( رئاسي ) بملاحقة المتأبين حتى يلحقوا بالحوار الوطني من غير منْ و لا اذى وبالحسنى !!! حيث يعتقد الكثير من الساسة والمتابعين ان السودان يحتاج الى وقفة جادة لاعادة تنظيم من غير علو او تطرف ، او استعلاء ، فالنداء الوطني فوق الجميع لان تبعثر القوى الوطنية ، يُسهل الانقاض على السودان كله ، بحيث لا نجد رقعة جغرافية تسمى وطناً نتقاتل عليها !!!
في هذه اللحظة التاريخية تنادي زعماء كبار للحوار امثال الصادق المهدي ، والترابي ،و ارسل مولانا المرغني مندوباً عنه ، حتى الاحزاب حديثه النشأة والتكوين مثل حزب الاصلاح الان وغيرها ممن نسمع عنه جاءت ، ولو كانت بسيطة الفكرة ، الا ان احساسها بالفعل والتأثير والوطن قوياً !!!
اللقاء الوطني في 6 ابريل 2014م ومن غير احتفاء ساذج ، او شعور مضخم بالحشد وغيره .
الحوار حقيقة وطنية متجاوزة لشح النفس والانتصار للذات الذي عانت منه النخبة السياسية السودانية ما عانت وأثر ذلك كثيراً على الاستقرار السياسي مما استوجب هذه الوقفة وان جاءت متأخرة … !!!
أولى الملاحظات على اللقاء ( الوطني ) أنه لا اختلاف شاسع بين الحكومة والمعارضة المستأنسة منها أو الشرسة ، و ان مطلوبات الحوار ( الوطني ) وما اعلنه البشير من تهيئة للمناخ السياسي ، من إطلاق للحريات ، واشاعة العمل السياسي للاحزاب ، يمكن ان تجري تفاهمات أكثر واعمق ، تتجاوز كل الاتقادات التي ذكرت من عدد محدود من احزاب تمارس ( الاعتراض ) حتى صار سمة لازمة لها !!
اي ممارسة لا بد ان تضبط بقانون ، واذا اخُتلف على القانون الذي تعتبره الاحزاب المعارضة يحمي النظام ، فمائدة الحوار تسع لهذه التفاهمات حتى ترشد الممارسة السياسية قاطبة .
-2-
من طبيعة الاشياء وجود معارضة جادة ووطنية ، حتى ولو تُعتبر تلك الصفات محاولة لاقصائها الا ان المفيد ان السلطة الحاكمة انتبهت لعدم الغاء الآخر ، واحترام عمل المعارضة التي تقع في مرات كثيرة في خانة الفعل ( الايجابي ) ، من غير تغيير لخصائصها الفيزيائية ، فالحوار من خلال المائدة حوار على ايجاد الثوابت الوطنية ، التي لا تمس لانها ترتبط بكيان الدولة السودانية ، وليس حكومة ما لفئة ما من المواطنيين السودانيين .
هذا العصف المهم ـــــــ جداًـ ــــــ في مائدة الحوار لمسألة الحريات التي تطلق الآن ، حيث الحكومة معنية بحماية كيان الدولة و المعارضة مطلوبة بتقيم اداء الحكومة ، وكشف حالات الفساد ، وتمثيل خط الدفاع الاول للمواطن … وحتى لا يتجاذب الطرفان ، فينفرط العقد لا بد من الحوار حول الخطوط الحمراء التي تقف عند حدها المعارضة حتى تستبين الخطوط الخضراء لكيلا تستبد الحكومة او تتمادى المعارضة في تمرد يمزق الوطن كله …. و لتحقيق هذه المعادلة ، نهض ( اللقاء ) الذي لا يستتثني أحداً و لا سقف له ، الا التداعي الوطني على الانقاذ كثيرة صالحة للتداول ، ولكنها فاسدة ومعطوبة لمحاولة تسميم هذه الاجواء الوطنية التاريخية ، مثل المؤتمر الوطني يحاول بفعلته تمديد عمر النظام الانقاظي …. او تشتيت الضغوط الهائلة على النظام لاسقاطه ، مثل هذا المنطق لا ينطلي على سياسيين في قامة الصادق المهدي ، والترابي و الدقير ، ود. غازي صلاح الدين ، الذي خرج قريباً من الحزب الحاكم !!!
هناك ضرورة مُلحة جداً للحوار هذه ما ادركته القيادة الانقاذية ، وهي مجموعة حيثيات داخلية ، واقليمية ، ودولية ، تلاقت هذه الحيثيات مع مطلوبات المعارضة في الانفتاح والحوار ، والحرية ، والدستور … فجاء اللقاء !!!
-3-
كتابات عديدة ومهمة تشكك في مصداقية الحكومة للحوار ولا دليل أدل من ان مواعين الحوار قد أعدت ــــ تماما ً ــــــ وان ابوابها قد فتحت بقدر يناسب مجريات الحوار ، التي دبت فيه الحياة شيئاً فشيئاً ، على طريقة ( العافية درجات ) !!
يبدو للناظر في أمر المائدة المستديرة التي جمعت البشير بالقوى السياسية ، ان الاحزاب كافة قد اصابها داء الانقسام والتمزق ، حتى الحزب الحاكم الذي يعتقد الكثير ، أنه معصوم عن هذا الابتلاء بالمال والمناصب ، لم يسلم منه .
في تقديري أن اهم مخرجات الاجتماع التاريخي بين الرئيس والقوى السياسية ، قرارات تهيئة المناخ السياسي ، التي تحتاج الى دفع اعلامي رشيد ، فالحرية بدون مسؤولية فوضى ، والبلاد في حالة ( هشة ) تتوق للتماسك …. فلقد اضر الاستعمال غير المسؤول للحرية في خراب الديمقراطية الثالثة …. ومثلما صرخ الاعلام في طلب الحرية ، تجب عليه مسؤولية الحفاظ عليها بحرفية ومهنية ، و العض على الاجماع دون الدخول في اشواك الجهوية ، والقبلية ، وهتك أعراض ومصالح الوطن العليا !!!
أما عن درس الكيمياء الذي أطلقه السيد الامام الصادق المهدي ، حين ذكر أن ( الكيميا ) التي بين جنبيه تختلف مع ( كيميا ) الشيخ الترابي …. يدهشني السيد الامام بتجديد مصطلحاته التي تبدو عصرية وشابة ، ولكن في ذات الوقت يستغرب لها المرء حيث أنه سياسي ( معتق ) تجاوز مسائل الكيمياء ، ولو عمم هذا الدرس على القادة السياسيين ، لمّا اجتمعوا بذلك الحشد المذهل ، وما تحدث شيخ ( حسن ) بذلك الصفاء والاريحية ، والمسؤولية الوطنية كما ذكرت د. فاطمة عبد المحمود في ذلك اللقاء ، هذه مجرد دعابة !!!
فالقادة السودانيون اكبر من الجراح في اوقات الشدة ، ما طُرح من حذر التماطل واهدار الوقت في انجاز مهمة التوافق السياسي يقع كله في حيز السلامة الضرورية لمثل هذه الافعال الكبرى …. ويتبقى شيء واحد للرئيس البشير ، ان لا يُفوت تلك اللحظة ، التي تحتاج الى جهاد كبير مع النفس ، لتعلو عن الصغائر وتحلق في افق المعاني الكبيرة …. فالفرصة متاحة للرئيس البشير أن يدخل التاريخ من اوسع أبوابه ليس بطول فترة الحكم انما بانجاز سياسي وتاريخي غير مسبوق !!!!